السلطة المستندة إلى الشخص والمتمازجة والمتماهية في وجوده، أنتجت العديد من المشكلات البنيوية في الدول العربية، خاصة التي اتسمت بنضج مبكر لدور الدولة، فالمصريون يسمون عاصمتهم (مصر) وأهالي مدن مثل الإسكندرية وبورسعيد يستعملون تعبيرات الارتحال إلى مصر، أو مراجعة الوزارات في مصر، ويعنون بها القاهرة وليس غيرها، والوضع نفسه في سوريا حيث دمشق هي الشام.
انعكست هذه العقلية وتعززت في ظاهرة التضخم المديني للعواصم العربية، والتنمية العرجاء التي جعلت أهل العاصمة يستأثرون بالعديد من الفرص غير المتاحة أصلا في المدن الأخرى، مهما كانت هذه المدن تتصف بالعراقة والموقع الاستراتيجي وتوفر الموارد، مثل الإسكندرية وحلب والبصرة.
مشروع الدولة في نمطه العربي هو مجموعة من المظاهر التي ينتظم حولها الإقليم الذي تمثله الدولة، فالأولوية أن تمتلك السلطة مجموعة من الصور الذهنية التي تمنحها القوة، ويتمثل ذلك في الحكومة المركزية والجيش، والحاكم يهمه أن يعزز هذه المظاهر في موقع وجوده الرئيسي، وحول الكرسي الذي يحتله، من دون أن يعتني ببقية الإقليم.
بمحاكاة تنتمي للكوميديا السوداء، فإن كثيرا من الدول العربية تشبه المنزل الذي يهتم مالكه بغرفة استقبال الضيوف وأثاثها ورفاهيتها، بينما تفتقر بقية الغرف إلى أي اهتمام أو عناية فتبقى على خرابها وفوضاها. ربما كان الحكام الوكلاء في العصر العثماني عاملا أساسيا في تعزيز هذه العقلية، فالسلطان لم يتعامل مع أقاليمه إلا بوصفها أوعية ضريبية، وكان الوالي يهتم بعاصمته ليعطي فكرة لممثلي السلطان عن الازدهار والقدرة على تلبية متطلبات الدولة العلية.
هل تغيرت المعادلة؟
كان مفصل الربيع العربي في أحد وجوهه تعبيرا عن غضب مكبوت على هذه المفارقة المؤلمة، فالثورة في تونس انطلقت في منطقة سيدي بوزيد، التي تعتبر فناء خلفيا مهملا للعاصمة تونس، التي قدمت نفسها المدينة العربية الأكثر حداثة وانفتاحا، وفي مصر كانت الثورة تأخذ صفتها الشعبية من مدينة السويس، التي كانت تنظر إلى عوائد القناة وهي تذهب لتمويل القاهرة وترقيع مظاهر ترنحها، بينما أهل المدينة لا يجدون سوى الصيد والأعمال الهامشية للاعتياش في ظروف صعبة. كذلك كانت بني غازي تتزعم الغضب في ليبيا، وتعز تقطره في اليمن، بينما كانت درعا شرارته في سوريا، ودير الزور وما حولها حاضنته الأولى.
هذه المعطيات لا تحضر اليوم في تفهم ما يجري في سيناء بالنسبة لحكومة القاهرة، التي تصر على أن الجزيرة الحيوية والبوابة التاريخية لمصر تتعرض لحملة إرهابية منظمة، وأن الحل العسكري هو المدخل الوحيد للتعامل معها، وتتناسى الحكومة في القاهرة مجموعة من الحقائق التاريخية التي صبغت طريقة تعاملها مع أهالي سيناء، وأهمها أن السيناوية لا يحظون بالاعتراف الكامل بوصفهم مواطنين مصريين كاملي الحقوق والواجبات، فالعقلية الأمنية وضعتهم في صورة القبائل (الأعرابية) التي تعلي من قيمة القبيلة على مصالح الدولة، ويجدون امتدادهم الطبيعي في روابطهم مع قبائل النقب، كما أنهم في المخيلة الأمنية، عناصر هشة قابلة للتجنيد من قبل اسرائيل أو غزة، التي رفعتها المخيلة نفسها إلى مرتبة الخصم المباشر لمصر، وتعاملت معها على أساس أنها دولة عظمى، وذلك لا يعكس بالطبع تضخما في قوة غزة بقدر ما يعبر عن نزعة للبحث المحموم عن الخصوم الضروريين من أجل إنتاج تماسك وطني، سيبقى أيضا مظهريا، من دون أن يعكس تحولا جوهريا تحتاجه مصر اليوم. السيناويون لم يتمكنوا، وكذلك أهل النوبة، من الوصول إلى مواقع مهمة في الحكومة، كما أنهم شبه مغيبين عن العمل في الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى، طبقة الباشاوات والبهوات الجدد التي حكمت مصر بعد ثورة يوليو، وما زالت. الإرهاب لا يخرج بدون حاضنة، «الدولة الإسلامية» وجدت في منطقة الجزيرة في سوريا والأنبار في العراق حاضنة لوجودها، فسيطرة مئات المقاتلين على مدن كبيرة في هذه المناطق لا يمكن أن يتم من دون وجود حالة من (اللافرق) وربما تجربة حلول جديدة مهما كانت انتحارية لدى سكانها، وسيناء في وضعها الراهن حاضنة مثالية للسكان، ويمكن للقاهرة أن تتوجه إلى السماء بالشكر والامتنان، لأن سيناء لا تشتمل على مدن متشابكة وكثيفة السكان، ولكن هل تضمن القاهرة ألا تمتد هذه الجماعات إلى مناطق يمكن أن تحول الوضع إلى كارثة كاملة، الصعيد مثلا، خاصة أن للصعيد تاريخه الخاص في احتضان الجماعات الدينية، بما أوصل المشهد سابقا إلى مذبحة أسيوط 1981.
هل تحتاج مصر إلى عقلية أمنية جديدة، أم لاستعادة تجارب سابقة مثل عبد الحليم موسى، الذي اعتمد على تفهمه للطبيعة العرفية في الصعيد، وتمكن من التواصل معها بايجابية ليطلق عليه لقب شيخ العرب؟ هل ما زالت مدرسة حبيب العادلي مسيطرة على الأمن الداخلي في مصر؟ وعلى الجيش أن يدفع بصورة متواصلة أثمان العنجهية الأمنية السائدة، أم أن الوقت أصبح متأخرا عن أي تطبيقات لمفهوم الأمن الداخلي، وتحول إلى مواجهة عسكرية بحتة في أرض سيناء التي يبدو أن القاهرة تقف من دون قدرة على تفكيك وتحليل مشهدها المتصاعد.
المصريون، بمختلف أطيافهم، أعادوا اكتشاف سيناء من مدخل شرم الشيخ بوصفها العاصمة غير المعلنة للعهد المباركي، ولكن كغيرها من مشاريع مبارك كانت الصورة مضللة وفاقعة لدرجة تحجب أي تفاصيل.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق