ما خلا أنصار «الخليفة» البغدادي، لن يحزن الكثيرون إذا انتُزعت بلدة منبج من سيطرة «داعش»؛ وهذه خلاصة قد تسري، وإنْ بدرجات متفاوتة من الحماس الشعبي والإشكالية السياسية ـ العسكرية، على كلّ المناطق التي يحتلها تنظيم «الدولة». فإلى جانب ممارسات «التوحش» التي باتت سمة كبرى لصيقة في علاقة التنظيم مع الأهالي، مقترنة كذلك بفرض طراز غليظ شائه مشوّه من تأويل أحكام «الشريعة»؛ فإنّ سكان مناطق «داعش» باتوا ضحايا تقاطع النيران من كلّ حدب وصوب، وصار تحريرهم من احتلال التنظيم يرقى إلى سمة أولى جوهرية، هي الخلاص من أحد مصادر النار ومسببات الدمار، أياً كانت هوية «المحرر».
بيد أن هذه الخلاصة، الصحيحة من حيث المبدأ، لا تكفي في ذاتها لتغطية واقع الحال على الأرض، بمعنى ذرائعي أوّل يقول بأن إسقاط «داعش» في مناطق سيطرتها غاية جديرة بتبرير كلّ التعقيدات الأخرى، اللاحقة، التي لن تكون أقلّ من عواقب سياسية واجتماعية، والبعض يتحدث عن عوامل اقتصادية أيضاً، تصيب حياة السكان أكثر من إصابة «داعش» ومقاتليها وأنصارها. في صدر تلك العواقب تأتي حقيقة الاشتباك المحلي، السياسي والإثني والأخلاقي بادئ ذي بدء، بين القوى التي تقاتل «داعش»: «قوات سوريا الديمقراطية»، بتركيبها الديمغرافي الغائم بين الكرد والعرب، والذي يعبّر عن التنافر والتنافس أكثر من الانسجام والوئام؛ ثمّ وحدات «الجيش السوري الحرّ»، التي تُركت في العراء شهوراً طويلة حتى استفاقت واشنطن على ضرورة مدّها، جوّاً، ببعض الذخائر؛ ثمّ ما تبقى من جيش النظام السوري في محيط الرقة وحلب، ومقــاتلي «حزب الله» والميليشيات المختلفة ذات الانتماء المذهبي.
وليس أقلّ عاقبة ذلك الاشتباك الآخر، الجيو ـ سياسي، الإقليمي والدولي هذه المرّة؛ الذي يزجّ بالولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا، فضلاً عن عمليات التحالف الدولي الجوية، والعمليات البرية التي تقوم بها وحدات خاصة بريطانية؛ في أتون سلسلة من معارك الكرّ والفرّ مع «داعش»، لا يلوح البتة أنّ مقوّمات حسمها قد اكتملت أصلاً. هذا إذا وضع المرء جانباً حقيقة أنّ ثلاث قوى على الأقلّ، من أطراف هذا الاشتباك، تخوض معارك مماثلة مع تنظيم «الدولة» في العراق؛ حيث يكون امتداد الجغرافيا العراقية ـ السورية عاملاً حاسماً في وصل خطوط قتال، وإمداد، «داعش»، إلى جانب ما ينطوي عليه من اعتبارات التكتيك العسكري الميداني الصرف.
الأهمّ، مع ذلك، هو أنّ خصوم «داعش» متفقون على خصومتها، بالطبع، وهذه هي الغاية المعلَنة؛ أمّا ما يختصمون فيه، بين بعضهم البعض، فهو ليس كثيراً أصلاً، ويتزايد مع الأيام، فحسب؛ بل هو خزّان تطورات ميدانية مرشحة لتفريق الصفوف، أو حتى وضع صفّ في مواجهة صفّ آخر، أو كتلة صفوف متحالفة. لا نعرف، على سبيل المثال، متى ستدخل تركيا بقوّة أشدّ ضدّ الكرد، و«قوات سوريا الديمقراطية» ذاتها، سواء عن طريق الارتقاء بتسليح حلفائها في فصائل «الجيش الحرّ»، أو حتى بتنفيذ عمليات توغل ميدانية غرب نهر الفرات. وإذا كنّا نعرف مقدار حساسية العرب، ولا تُستثنى منهم شرائح واسعة من البدو وأبناء العشائر في محيط الرقة؛ فليس جلياً، بعد، آفاق انقلاب تلك الحساسية إلى حروب مناطقية شعواء. كذلك الأمر بالنسبة إلى واشنطن وموسكو، ما دام التعاقد بينهما على عمل مشترك في سوريا لم يكتمل بعد، وما دامت احتمالات النجاح الراهنة واهنة وبطيئة.
وبذلك فإنّ الخلاصة الأخرى تشير إلى أنّ خصوم «داعش» كُثُر، ولكن كلّ منهم يغنّي على ليلاه، وكلهم يدّعي وصلاً بالشعب السوري، ضحية الاشتباك الأولى.
صبحي حديدي