خطاب الفتنة في تلفزيون ألماني… كيف أثبت ترامب تحيّز الإعلام الأمريكي… هل تحتاج معارضة النظام السوري لأفلام هندية؟

حجم الخط
6

«اليوم يوجد لحم خنزير طهاه بشغف غانم حداد. اللاجئ السوري سعيد لتمكّنه من ذلك». هكذا يبدأ تقرير تلفزيوني بث على قناة ألمانية رواية «مأساة» لاجئ سوري «تعرّض للهجوم والسبّ لأنه مسيحي ولا يأكل لحماً حلالاً».
يشرح السوري حداد حكايته فيقول «كنت أشعر أنني مقيد، في المأكل والمشرب والملبس». ثم يسلط التقرير الضوء على «مأساة» طفلته، تلك التي واجهت نقاشاً مبكراً مع أطفال مسلمين بخصوص الأكل الحلال والحرام.
يؤكد التقرير أن «الفجوة العميقة بين المسيحيين والمسلمين موجودة قبل الحرب الأهلية»، وبعد هذه العبارة تماماً يقول اللاجئ السوري غانم حداد «أكبر دليل على ما أقول اقتحموا القرى المسيحية والإيزيدية. أعمال القتل وحرق الكنائس وأماكن العبادة وطرد الناس من بيوتهم..». أي أن التقرير التلفزيوني يضع مضايقات «زملاء» اللجوء في سياق الفجوة العميقة نفسه، وفي سياق حرق الكنائس والاعتداء على المسيحيين. وما دام الشاب لم يذكر من هم المعتدون فسيبدو طبعاً أن عموم المسلمين هم من فعل ذلك.
لم يقل لنا التقرير لماذا إذاً بقية اللاجئين هنا، وممن هربوا، وعن أنهم هم أنفسهم كانوا أولى ضحايا اعتداءات «داعش»، قبل المسيحيين وغيرهم من «الأقليات»، بل لم يقل لنا كيف عاش الشاب وأهله مئات السنين في تلك البلاد والحال هكذا من حرق واعتداء وحرمان من لحم الخنزير.
لا شك أن هناك في بلادنا مشاكل للعيش المشترك ندت برأسها مرات واختفت في غالب الأيام، لكن تصوير مشكلة السوريين اليوم على أنها مشكلة تعايش، وحرب أهلية، ولحم خنزير، هو أكبر إساءة لها، واستخفاف بمأساة ملايين السوريين.
يحاول التقرير التلفزيوني أن يصوّر كيف احتضن المجتمع الألماني ذلك الشاب المسيحي وطفلته، وكيف يساعده على إنشاء جمعيته الخاصة، مع حرص كبير، كما بدا في كلام قس ظهر في التقرير، على أن يمارس مسيحيو المشرق طقوسهم الدينية على طريقتهم الخاصة، فلا أحد يريد لتلك الطقوس أن تنقرض!
أقل ما يمكن قوله إن التقرير يتجاهل الجانب الآخر من الحكاية، زملاء اللجوء المتهمين بالاعتداء والسبّ على مواطنهم. ويظهرهم على أنهم تلك الكتلة الكبيرة المعتدية والغاشمة.
كذلك يمكن القول إن التقرير ليس سوى وصفة للفتنة. قد يكون المجتمع الألماني كسبَ ذلك الشاب، مندمجاً «على الآخر»، لكنه لا شك سيملأ صدور آلاف من السوريين الآخرين بازدراء (على الأقل ) هكذا إعلام.

إعلام متحيز!

من بين مختلف الفيديوات التي بثت طرائف وتسريبات للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب سيظل ذاك الذي تحدث فيه ترامب عن خطاب لزوجته ميلانيا علامة فارقة ومؤسِسة.
يعود ترامب إلى خطاب ميلانيا، الذي ثبت أنه مسروق من خطاب سابق لميشيل أوباما، السيدة الأمريكية الأولى، يعود للعام 2008، وقد اعتذرت كاتبة الخطاب عن البلبلة التي أحدثها ذلك الاستنساخ الصريح.
يتهم ترامب، في ذلك الفيديو، وبحضور حشد من الإعلاميين وكبار الشخصيات، الإعلاميين بالتحيز «الإعلام متحيز هذا العام، أكثر من ذي قبل. تريدون أن أقدم لكم الدليل؟ ميشيل أوباما تقدم خطاباً يبدي الجميع إعجابهم به. يقولون إنه رائع. زوجتي ميلانيا تقدم الخطاب نفسه، حرفياً، فيجعلون من الأمر قضية! لا أستطيع أن أفهم لماذا!».
لا أثر أبداً للمزاح في خطاب ترامب ذاك. لقد ضحك الجميع وصفقوا بمن فيهم زوجته ميلانيا، فمن الواضح أن الأمر نكتة عظيمة، إلا ترامب الذي بدا جدياً للغاية.
يذكّر الأمر بحكاية عتيقة: أراد رجل، لفقره، أو لبخله، أن يدرّب حماره على قلّة الأكل، فراح يخفّف عنه كل يوم قليلاً من حصة الأكل، وهكذا، إلى أن وصل أخيراً إلى أيام بلا طعام إطلاقاً. حين مات الحمار أخيراً استغرب صاحبه أشدّ الاستغراب، قال: خسارة، لقد نفق الحمار، بعدما تعوّد قلّة الأكل.
من يقول لصاحب الحمار، إن حماره نفق بالذات بسبب قلة الأكل. من يقول لترامب إن المصيبة في أن خطاب زوجته كان منقولاً حرفياً عن خطاب السيدة أوباما.
من يقول لأكثر من ستين مليون أمريكي انتخبوا ترامب إن هذا هو منطق ترامب الذي سيسوس به العالم!

تألق ريتا خوري

الإعلامية اللبنانية ريتا خوري، المذيعة ومقدمة البرامج في إذاعة «مونت كارلو الدولية»، ظهرت لبضع دقائق فقط على قناة «فرانس24» أثناء تغطية الانتخابات الأمريكية الأخيرة، قدمت مساهمتها الخاصة فعرضت للحملات الموازية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتويتر كساحة حرب بين كلينتون وترامب، لمن سيؤول الحساب الرئاسي على تويتر، كيف حرم ترامب من التغريد على تويتر بسبب مخاوف من تغريداته الطائشة، ما أبرز الأوسمة (الهاشتاغات) وأكثرها شيوعاً وأكثر الكلمات تكراراً في التغريدات، وبعض المواقف العربية إزاء الانتخابات كما تبدّت على مواقع التواصل.
أداء خوري كان من البراعة، شكلاً ومضموناً بحيث يجعل المرء يأسف لاقتصار عملها على الإذاعة، أداء رشيق، وحضور ذكي، غير مترددة، تعرف مادّتها جيداً، وليس لديها وقت للتلكؤ هنا وهناك إلى حد أنها اختصرت على المذيع «بدك تسألني عن ترامب بهالوقت شو صار فيه».
حلو أن يكون الخبز بين يدي خبّازيه الفعليين.

فبركات هندية

نشر موقع الكتروني تابع لإحدى الفضائيات الإخبارية العربية قصة عن طالبة طب في جامعة دمشق تفاجأ بأخيها المفقود منذ سنوات، ليظهر أمامها على طاولة التشريح. تصدم البنت ولا تقوى حتى على إبداء الانفعال اللازم، تتظاهر بأنها فقدت الوعي بسبب عدم احتمالها منظر جثة. الموقع يزعم أنه أجرى مقابلة مع تلك الطالبة وينشر تفاصيل المقابلة، ولكن مع غياب أي توثيق للقصة، إن كان لناحية اسم صاحب الجثة أو الطالبة، أو حتى اسم الصحافي الذي أجرى المقابلة. كل ما يحيط بالأمر يؤكد أنها حكاية من نسج الخيال، ولا شك أن ناسجها يراقب الآن باستمتاع هذا الصدى الكبير للقصة في مواقع التواصل الاجتماعي مع كمية هائلة من الدموع.
ما حاجتنا لتوليف هكذا فيلم هندي ما دام بين أيدينا عدد هائل من القصص الموثقة، أحياناً بالصورة، كما في آلاف الصور التي نشرت لضحايا التعذيب الوحشي في سجون النظام السوري.
هذا ليس عملاً بريئاً، ليس من شأن هكذا أكاذيب إلا أن تعزز من رواية النظام، وأن تشكك بالروايات الموثقة بشكل لا يقبل الجدل.
الرأفة بسوريا والسوريين من إعلام يتظاهر بالدعم، بينما يقف في الحقيقة إلى جانب القاتل.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

خطاب الفتنة في تلفزيون ألماني… كيف أثبت ترامب تحيّز الإعلام الأمريكي… هل تحتاج معارضة النظام السوري لأفلام هندية؟

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية