في تتبعه لحياة الكاتب اليهودي الأذربيجاني ليف نسيمباوم، ينظر توم ريس لتفسير مواقف نسيمباوم المناهضة للشيوعية ولفكرة الثورة، على أساس النتائج الكارثية التي أفضت لها الثورات على تاريخ بلاده، والمصائر التي اقتادت أذربيجان للتخلي عن هويتها المتسامحة والمنفتحة والتعددية، لتتحول إلى مجرد برميل نفط كبير في نظر الاستراتيجية السوفييتية.
وفي ثنايا سرده يتبنى ريس المواقف التي اتخذتها شخصيته الأساسية في عمله الشهير «المستشرق»، فيرى أن الفوضويين والماركسيين عمدوا إلى اغتيال القيصر إلكسندر الثاني، لأن إصلاحاته السياسية والاقتصادية كان من شأنها أن تجهض فرصتهم التاريخية في الوصول إلى السلطة، بما ستؤدي له من تحسن في الأحوال المعيشية في روسيا والمناطق الشاسعة التي تقع تحت سيطرتها، لتخلق حالة من الاقتناع والرضى لدى الشعب الروسي.
كان القيصر قد قدم صكاً جرى بموجبه تحرير نحو ستين مليون من أعمال العبودية أو الرق الزراعي، وقام بتطوير جذري في مجال التعليم، وألغى الرقابة على الصحافة والنشر وشجع على النقد الموجه للسلطة بمختلف مستوياتها، وكان ذلك الظهور الأول لمصطلح «الغلاسنوست قبل أن يبعث الرئيس غورباتشوف المصطلح من جديد بعد قرن من الزمن، على شفا هاوية الانهيار السوفييتي.
هذه المنجزات دفعت الثوريين لحرق المراحل التاريخية والمحافظة على سخونة الغضب الشعبي، من خلال اغتيال القيصر بما يدفع لوقف الإصلاحات، ونجحت خطتهم في اغتياله في مارس 1881 لينكص خليفته الكسندر الثالث بجميع الإصلاحات دفعة واحدة، بينما اضطر الثوريون للانتظار لعقود من الزمن من أجل الوصول إلى السلطة.
بملابسات أخرى تحتفظ الذاكرة العربية بأمثلة مقاربة للقيصر إلكسندر الثاني، ففي تونس كان الباي محمد المنصف يتخذ إجراءات اصلاحية جريئة، وصلت إلى تحدي السلطة الفرنسية بصورة مباشرة، فأصدر تعليماته بزيادة المشاركة التونسية في إدارة البلاد، مع تأكيد التعامل على أساس الند للند مع الموظفين الفرنسيين، وأصدر قراره بإجبارية التعليم لجميع الفرنسيين، وواصل سياسته بالانفتاح على الأحزاب الوطنية، التي لم تتردد في أن تخذله وهو يواجه قرار عزله سنة 1943 بتدخل إنكليزي، وكان الحبيب بورقيبة النجم الصاعد في حركة التحرير التونسية، أحد الذين أداروا ظهرهم للباي، واعتبر خطوة الإنكليز لتنحيته خطوة جديدة في مسيرته السياسية التي أوصلته لموقع القائد الأوحد لتونس، إلى أن سقاه زين العابدين بن علي من الكأس نفسها بعد ذلك بعقود من الزمن.
الملابسات نفسها كانت تجري في القاهرة، وحزب الوفد الذي ارتبط في وجدان المصريين بثورة 1919 يجبر الملك فاروق على تعيين زعيمه مصطفى النحاس في رئاسة الوزراء في فبراير 1942، تحت تهديد السفير الإنكليزي ودباباته التي حاصرت القصر الملكي، وكانت هذه الحادثة تمثل نقطة التحول التي ألقت بالملك المصري من موقع الشاب الطموح الواعد، إلى مجرد كهل صاخب وفضائحي السلوك، استسلم بدون كثير من الاكتراث لثورة يوليو 1952 ليذهب إلى منفاه مقتنعاً بأن خمسة ملوك سيبقون في العالم، منهم ملكة إنكلترا، والأربعة الآخرون في أوراق اللعب التي شغلت فاروق المقامر لسنوات.
الثوريون ليسوا دائماً على هذه الصورة من النقاء، التي يحاولون تصديرها، كما أن كثيراً منهم أبعد ما يمكن وصفهم بالزهد، ويسجل التاريخ أيضاً أن الرفاق عادة ما كانوا يستسلمون للامتيازات والدعة بعد وصولهم للسلطة، ولذلك لم يكن ثمة فرصة لرجل مثل لينين أن يفرض وجهات نظره على عشرات من الطامعين والمتأملين في المكاسب بعد الثورة، واستطاع ستالين أن يؤلف القلوب في الصف الثاني من رجال الحزب الشيوعي، وكانت النتائج تظهر بصورة متسارعة في منتجعات بحر قزوين والبحر الأسود، وفي افريقيا كان سانكارا رئيس بوركينا فاسو، الذي وضعها من الأساس على الخريطة بوصفها أمة مستقلة، يخسر مواقعه بين زملائه نتيجة سياسته المتقشفة وإصراره على التخلي عن أي مزايا مادية لرجال السلطة، وكان أسطول السيارات المرسيدس التي سلبت من الوزراء ورجال الدولة سبباً حقيقياً لاغتياله، في انقلاب عسكري بأكثر مما كانت دعاوى زملائه بأن الثورة أدت للإضرار بعلاقات بلاده مع فرنسا وساحل العاج.
القرائن أعلاه ليست لتسويغ وقفة ضد الثورة من حيث هي ضرورة تاريخية، ولكنها للتفرقة بين الثورة بوصفها حادثة ضمن التاريخ، والثائر بوصفه فاعلاً في التاريخ، فالثورة تشكل استحقاقاً يعبر عن فشل النظام القائم، ولكن مصير الثورة يحدده الثوار وثقافتهم بوصفهم أفراد أنتجهم أصلاً النظام السابق ويحمل معظمهم مختلف النقائص والعقد النفسية والمعيقات الاجتماعية، التي استزرعها ذلك النظام من خلال مؤسساته المختلفة، فالثوار هم أبناء نظام تعليمي فاشل وقيم اجتماعية بالية، وفي حال وجود ثقافة العنف لدى النظام فإنهم ينحون لتأكيدها بعد الثورة، على أساس الاعتياد والمعايشة الطويلة التي تجعل العنف مقبولاً اجتماعياً، وفوق ذلك تمنحه التبرير الانتقامي.
الثورة السورية استطاعت أن تثبت الفرق بين فكرة الثورة وشخصية الثائر، وقيادات هذه الثورة للأسف أضرت بسمعتها، وجعلت العالم يعيد إنتاج فكرة بقاء النظام، أو على الأقل يعتبره أهون الشرين في المسألة السورية الراهنة، فثورة الفنادق فقدت مصداقيتها أمام ثوار الخنادق، وتركت فراغاً مرعباً للتنظيمات المتطرفة، التي استغلت الفراغ في المشروعية الذي وجدته السلطة أمامها، بعد تكرار ظاهرة المنابر الخارجية، وحالات الهروب التي لحقت بزعامات ادعت الثورية لتثبت أنها قدمت نماذجها الخاصة في الانتهازية، وجعلت السوري العادي يشعر بأنه سيكرر أخطاء الماضي، ويستبدل طغمة سابقة بأخرى جديدة، وأن الفرق سيكون للأسف مقبلاً من الصفوف الخلفية ومحملاً بكل شبق السلطة والرغبة في الإثراء تعويضاً عن ثوريته وتضحياته الوهمية.
تصريحات الرئيس الفرنسي الأخيرة حول الرئيس الأسد، لم تكن تراجعاً عن مواقف مناهضة للأسد، بقدر ما أعلنت بصورة قطعية فشل الثورة السورية والحاجة للبحث عن مخرج معقول للوضع المتفجر في سوريا، فماكرون يرى أن تغيب البديل الشرعي هو المشكلة، وفرنسا مثل أي دولة أخرى، لا تجد بديلاً يمكن الاستثمار فيه، لأن قيادات الثورة السورية فتحوا منذ البداية منطق المزاد ليكون بوصلتهم، دون أن تكون لهم أهداف استراتيجية أو تكتيكية، وكانوا بالفعل نتاجاً صافياً لمرحلة الأسد الأب ومنطقها وحساباتها، دون أن يتمكنوا من استرداد سوريا التي وقفت ضد الانتداب، وسعت إلى تزعم الأمة العربية في مرحلة حرجة من تاريخها.
لا أحد اليوم يتحدث عن ثورة سورية، وكثير من المنصات الإعلامية أخذت تستخدم مصطلح الحرب الأهلية في سوريا، ولذلك يمكن اعتبار ما كان يوماً ثورة واعدة يتحول اليوم إلى درس تاريخي مفتوح يشتمل على جميع الأخطاء التي يمكن أن ترتكبها ثورة ما، والخطيئة الكبرى هي في انتهازية قيادات الثورة الذين هبطوا عليها مظلياً، ولم يتركوها تتفاعل في الشارع والريف السوريين.
كاتب أردني
سامح المحاريق