في مثل هذه الأيام قبل نصف قرن من الزمان، وكنا في سن يسمح لنا أن نتذكر جيدا، لكن لا يسمح أن نستوعب ما يجري حولنا، كانت طبول الحرب تدق في كل الإذاعات العربية.
الأناشيد الوطنية تملأ الأجواء حماسة يعلوها صوت عبد الحليم حافظ «يا أهلا بالمعارك». العربات العسكرية تمر مسرعة في الشوارع كأنها على موعد لمحاسبة الظالمين الذين «جاوزا المدى»، وصوت فيروز المخملي يطمئننا أننا سنرجع إلى حينا «مهما يمر الزمان وتنأى المسافات ما بيننا». ثم يأتي الصوت الهادر للمذيع الأشهر أحمد سعيد، ليؤكد أن «الظافر والقاهر» سيصنعان تحرير فلسطين المحتم، وأن من لا يفر بجلده من الغرباء ستتلقفه أسماك المتوسط. واكتملت الصورة الحالمة بالتحاضن بين زعماء كانوا أعداء حتى الأمس، فأصبحوا إخوة في السلاح.
الأجواء العامة كانت كأنها تصيح «دقت ساعة العمل الثوري»، لكننا لم نلبث بعد يوم أو بضع يوم أن صحونا على الحقيقة المرة التي صدمت كل فرد فينا، صغيرا أو كبيرا. شاهدنا الحقيقة عارية تماما لا تحتمل التجميل حتى لو قيل إن مئات الطائرات أسقطت، أو أن العدو جاء من الغرب بدلا من الشرق، أو أن الأنظمة الوطنية لم تسقط ولذا فإن العدوان لم ينجح، وإن هي إلا «نكسة». شاهدنا الجيوش تتحطم والبلاد تسقط في أيدي الأعداء والجنرالات يصلون الحائط الغربي للأقصى، ويرتفع علم صهيون فوق الجولان وعلى ضفاف القناة، وفوق ما تبقى من فلسطين التاريخية. ويتدفق عبر الجسر الخشبي سيل من اللاجئين الفلسطينيين الجدد. صدمة أصابت الناس جميعا في القلوب لكنها لم تكن القاضية. وقف الرجل وقفة شجاعة وتحمل المسؤولية عن الهزيمة واستقال. من تلك اللحظة يوم 9 يونيو بدأ التحول الكبير نحو رفض الهزيمة. الخروج الطوعي للجماهير العربية، رافضة الهزيمة لم يكن في مصر وحدها، بل في كل أنحاء العالم العربي من محيطه إلى خليجه.
اتخذ الرد على الهزيمة ثلاثة مسارات متكاملة ومترابطة: حرب الاستنزاف، وانتشار ظاهرة العمل الفدائي الفلسطيني المدعوم من أمته العربية، والاتفاق في قمة الخرطوم على تحديد الهدف بإزالة آثار العدوان ضمن اللاءات الثلاث: لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات. تسلم الشرفاء قيادات الجيش بعد أن أطيح بجميع من كانوا مسؤولين عن الهزيمة، وتم التوصل لاتفاقيات شاملة مع الاتحاد السوفييتي لتحديث الجيش بالفعل وبناء شبكة الصواريخ، فبدأت حرب الاستنزاف المشرفة، التي استمرت نحو ثلاث سنوات، سجلت أروع آيات البطولات والتضحيات، استشهد فيها القائد العظيم عبد المنعم رياض في الخندق. كانت إسرائيل مصممة على ألا تسمح لمصر ببناء حقول الصواريخ، وكانت القيادات الشريفة مصرة على إنجاز هذا الحائط الدفاعي الذي سيحقق المفاجأة في حرب أكتوبر 1973.
أيقظت الهزيمة في ذلك الجيل أشياء كثيرة، أنتجت النكسة ثقافة مقاومة، انتشرت كتب النضال ومذكرات القادة العظام، حتى أن كتبا جريئة انتشرت في الأسواق تتحدث عن النقد الذاتي وتعيد النظر في الموروثات والمسلمات والأساطير، والدعوة لامتشاق السلاح المحاط بالوعي والفكر. أما العمل الفدائي فقد انتشر على طول الجبهات العربية، من الأردن إلى لبنان مروروا بسوريا وصولا إلى الأراضي المحتلة. بدأ يقض مضاجع العدو وأصبح وادي الأردن اسمه وادي الموت بالنسبة للعدو. التفت الجماهير العربية حول العمل الفدائي، خاصة بعد معركة الكرامة الملحمية التي سطرتها دماء الفدائيين ووحدات من الجيش الأردني، فاندلقت الأبواب كلها أمام عشرات الألوف من الشباب العربي للانضمام لحركات المقاومة، التي دخلها الغث والسمين والشريف والجاسوس. وبدأت تحاك المؤامرات ضد المقاومة، تساهم في ذلك أخطاء ترتكبها بعض الفصائل المدسوسة أو المتطرفة، وقيادات رخوة مرتبطة مع مراكز المال العربية، إلى أن وقعت مواجهات سبتمبر، التي لم تخرج المقاومة من حاضنتها الجماهيرية الأدفأ فحسب، بل أطاحت بالرجل الذي ظل يدافع عن المقاومة حتى آخر أنفاسه، وسماها أنبل ظاهرة عربية بعد الهزيمة.
بعد سبتمبر 1970 كل شيء بدأ يتغير، وجاءت الحرب التحريكية في أكتوبر 73 التي خاضها الجيش المصري بخطط عبد الناصر وقياداته وأسلحته، لكن نتائجها هي التي كرست هزيمة يونيو في اتفاقية كامب ديفيد الكارثية، التي أدخلت الأمة كلها في مرحلة التشتت والتراجع والهزائم.
المشهد بعد خمسين سنة
في تلك الذكرى المريرة تجمع نحو ثلاثين باحثا وخبيرا وضابطا رفيعا في العاصمة القطرية، وباستضافة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ليتذكروا ويتذاكروا ما جرى في تلك الحرب. قدم العديد من الباحثين مساهمات أكاديمية مهمة تسلط المزيد من الضوء على تلك الحرب من الناحيتين السياسية والعسكرية وتحلل الهزيمة، مستندين إلى وثائق أفرج عنها في الولايات المتحدة خاصة وإسرائيل. وقد أثارت شهادات الضباط الذين شاركوا في الحرب نفسها اهتمام الحضور، لما تحدثوا في شهاداتهم عن بطولات فردية وتضحيات جسيمة لم يسمع بها أحد، لأن الحروب بخواتمها. وسأعرض هنا مجموعة ملاحظات وآراء بما في ذلك السؤال الذي حاولت أن أجيب عنه وهو ما إذا كان بمقدور الأمم المتحدة منع الحرب. وقد كان هناك شبه إجماع على مجموعة مسائل:
– إسرائيل بدأت التخطيط لحرب شاملة ضد العرب لإجبارهم على قبولها كما هي، ولهضم مزيد من الأرض منذ عام 1956 وأن الخطط الحربية تعرضت لمراجعات عديدة، ولذلك ما كان لتلك الحرب إلا أن تقع مهما عملت الأنظمة العربية، وأن إسرائيل أخذت إغلاق مضائق تيران حجة لشن الحرب؛
– الولايات المتحدة علمت بالحرب مسبقا، وتقديرات أجهزة المخابرات أن انتصار إسرائيل محتم وسيكون سريعا وحاسما. وعندما فشلت الولايات المتحدة في وقف أو تأخير الحرب أخذت الجانب الإسرائيلي تماما؛
– النظام المصري لم يكن مستعدا للحرب ويعرف أنه لن ينتصر في أي حرب، لكن الذي بدأ كمناورة تحول إلى ورطة، وجاءت الهزيمة تحصيل حاصل في ظل قيادات عسكرية غير كفؤة، وغير مستعدة، وليس لديها أي من مقومات الحرب كالسلاح والاستعدادات والتدريبات والاستخبارات المطلوبة. وما قيل عن مصر ينطبق على سوريا تماما؛
– الاتحاد السوفييتي أبلغ بالفعل ناصر بأن الحرب غير واقعة، ما أدى إلى استرخاء الجيش المصري صبيحة الهجوم، ولكن الحرب توقفت فعلا بعد أن وجه إنذارا حقيقيا للولايات المتحدة يوم 10 يونيو بالتدخل عسكريا لوقف الحرب.
– لم يكن بمقدور أوثانت، الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، رفض الطلب المصري بسحب قوة الطوارئ الدولية المنتشرة في الجانب المصري فقط من الحدود، بناء على مذكرة تفاهم وقعت بين الأمين العام الأسبق داغ همرشولد وجمال عبد الناصر، واعتبر وجود القوات الدولية مرتبطا بموافقة السلطة المصرية. لقد حاول أوثانت أن يقنع الجانب المصري بتأخير الانسحاب، فرفض الطلب. وحاول أن يقنع الجانب الإسرائيلي بقبول القوات في الجانب الإسرائيلي مؤقتا، ورفض الطلب. وطار أوثانت إلى القاهرة بعد إعلان القاهرة إغلاق مضائق تيران، والتقى بالرئيس ناصر وطلب منه مهلة أسبوعين لتدبر الأمر، لكن الطلب رفض أيضا. فالنتيجة أن الأمم المتحدة لم تكن قادرة على منع وقوع الحرب في تلك الظروف الدولية المعقدة.
النتيجة بعد خمسين سنة من تلك الكارثة، أن أي محاولة للنهوض العربي لا يمكن أن يسمح لها أن تثمر. فالنهوض الذي أعقب حرب يونيو تم تبديده باقتلاع المقاومة من الأردن، ووفاة عبد الناصر في ظروف غامضة، انتهت إلى انقلاب 15 مايو 1971 على كل ما يمثله عبد الناصر. ثم حصلت محاولة تضامن عربي إثر حرب 1973 تم تبديده في زيارة السادات للقدس المحتلة، وصولا إلى اتفاق كامب ديفيد. وحصلت محاولة أخرى للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، تم تبديده في غزو العراق للكويت والوصول إلى اتفاقيات أوسلو ووادي عربة. وجاءت أخيرا صرخة الشباب العربي الصادقة في ما سمي بالربيع العربي، إلا أنهم أسكتوا بالحديد والنار والانقلابات الدموية.
المسموح لمنطقتنا العربية أن تبقى منطقة استهلاك فقط، مقطعة مجزأة تحارب بعضها بعضا، وما يفيض من مخزوناتها المالية تشفطه الإدارة الأمريكية ثمنا للحماية، أو مقابل سلاح الخردة. وسيبقى الوضع كذلك ما دامت الشعوب مغيبة ليس لها دور في الحكم أو في تقرير المصير أو تقرير نوع النظام الذي تريد. قد يطول هذا الليل لكن بالتأكيد له آخر.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي
د. عبد الحميد صيام