لا تتيح مساحة هذا العمود تفصيل الرأي في الهجمات الإرهابية الدامية، التي كانت باريس ضحية لها منذ يومين؛ الأمر الذي أرجو أن يسمح به، قريباً، مقام آخر في هذه الصحيفة. لا يغادر العمود موضوعة الإرهاب، مع ذلك، ولكن من زاوية خاصة، أو محددة؛ هي النظر في أحد الأسباب التي جعلت الجزائري/الفرنسي اسماعيل عمر مصطفى (29 سنة) آلة داعشية إرهابية، صمّاء عمياء، تفتح النار على الأبرياء في مسرح «باتاكلان» الباريسي، عشوائياً، من دون أيّ تمييز بين جنسية أو سحنة أو سنّ أو دين. وبادئ ذي بدء، لو لم يكن هذا الإرهابي منتمياً إلى «داعش» لانتمى إلى «القاعدة»، أو سواها؛ فالأمر سواء في ما يخصّ تعطشه إلى إشباع سجلّه الجهادي، الذي لن يتقبله «الخليفة»، أو «الأمير»، حتى يُراق على جوانبه الدم! ولو لم يكن اسمه هكذا، فإنّ الأسماء الأخرى كانت ستستبق أفعاله، وتمثّلها كما تمثّله: محمد مراح، سعيد وشريف كواشي، أو أحمد كوليبالي…
السبب، الذي أعنيه، هو مناخات التمييز العنصرية التي أخذت تضيّق الخناق على حياة العرب، والمسلمين عموماً، في فرنسا؛ وصارت تجري، باستسهال مذهل، على ألسنة رجال السياسة والإعلام والثقافة، فانقلبت إلى حاضنة خصبة استخدمتها التنظيمات الأصولية عموماً، و»داعش» على رأسها؛ ليس لاستقطاب سخط الفئات الشابة من الجاليات العربية والمسلمة، فقط، بل كذلك لتجنيدهم، سواء لتسفيرهم بغرض الجهاد في «دار الخلافة»، في العراق وسوريا؛ أو لإعادتهم بعد ذلك إلى بلدانهم، لممارسة ذلك الطراز الآخر من «الجهاد»: ارتكاب أبشع العمليات الإرهابية وأشدّها دموية. وإذا كان أيّ سياق، جائر أو تمييزي أو عنصري، ضدّ الأفراد أو الجماعات أو الأديان، لا يبرّر البتة أيّ انخراط في الإرهاب؛ فإنّ قراءة السلوك الإرهابي لا تستقيم، بل تظلّ قاصرة معوجّة، من دون النظر في ذلك السياق.
المسلمون، الشبّان خاصة، قرأوا شتائم بريجيت باردو، المقذعة، التي تتكرر كلّ عيد أضحى، بحقّ «هؤلاء الناس» الذين «يذبحون النساء والأطفال ورهباننا ومسؤولينا وسيّاحنا والخراف»؛ وفهموا أنها وضعتهم، بسبب شعيرة دينية واحدة، في سلّة أنثرو ـ عنصرية كبرى ينبغي أن تتسع للإسلام بالمعنى الثقافي الدوني، وللمسلمين بالمعنى العنصري، وينبغي استطراداً أن تسمح باحتقار الثقافة الإسلامية الدنيا وأبنائها، تمهيداً لتمجيد الثقافة الأوروبية العليا وأبنائها. كما قرأوا السياسي الفرنسي اليميني جيرار لونغيه، الذي استشاط غضباً لأنّ فرنسياً من أصل عربي يدعى مالك بوطيح سوف يترأس هيئة حكومية تُعنى بمكافحة التمييز: ليس هذا هو «الشخص المناسب»، لأنّ الهيئة التي سيتسلمها «تعني انفتاح فرنسا على الجاليات الجديدة. شفايتزر، ممتاز! بروتستانتي عتيق، ممتاز! البرجوازية البروتستانتية العجوز، ممتاز! أمّا إذا عيّنتم شخصاً رمزياً، من الخارج، فإنكم تعرّضون العملية بأسرها للفشل»! كما قرأ الشبان، أنفسهم، تصريح الصحافي إريك زيمور، النجم الشعبوي اليميني (الفرنسي، ولكن من أصول يهودية جزائرية!)، الذي برّر قيام الشرطة بتدقيق هويات العرب والسود أكثر من سواهم، بالقول: «لأنّ الغالبية الساحقة من مهرّبي المخدرات هم من السود والعرب، وهذه حقيقة».
وفي غمرة هذه وتلك من وقائع التنكيل الصريحة، كانت الثائرة قد ثارت ضدّ الحجاب، لأنه يهدد العلمانية وينتقص حقوق المرأة؛ ثمّ حمى الوطيس ضدّ البرقع (كما في التسمية الرسمية الأولى، التي سُحبــــت حين تبيّن أنها غـــير دقيقة، بل غبية ومضحكة، فاستُبدلت بـ«الحجاب المتكامل»!)؛ لأنه، إلى جانب التهديد والانتقاص إياهــــما، يمسّ القيم الجمهورية.
وأخيراً، وليس آخراً، استعر النقاش حول «قضية» لم تكن تخطر على بال: اللحم الحلال، لأنه ينطوي على التمييز بين المواطنين! كأنّ فرنسا، بلد اليعاقبة والأنوار والثورة الفرنسية، لم يعد لها من شغل شاغل سوى ترصّد العرب والمسلمين، والحملقة في ما يكمن وراء الأكمة من أخطار ناجمة عن عباداتهم وألبستهم وأطعمتهم ولهجاتهم…
الإرهاب، دُولاً كان أم تنظيمات وأفراداً، عشوائي وأصمّ وأعمى؛ والفوارق، بين إرهاب إسرائيل ضدّ الفلسطينيين، في الداخل أو في الخارج؛ وإرهاب بشار الأسد و»حزب الله» و»الحرس الثوري» الإيراني والميليشيات الطائفية، أسوة بإرهاب «داعش» ومختلف الفصائل الجهادية الإسلامية المتطرفة، ضدّ السوريين؛ وإرهاب أجهزة الأمن الكولونيالية الأوروبية، ضدّ أبناء المستعمرات؛ وإرهاب الفاتحين الأوروبيين ضدّ الأقوام الأصلية في الأمريكتين… فوارق في الكمّ ربما، وفي النوع أحياناً، ولكن ليس في الجوهر والغاية. ولهذا فإنّ الإرهاب ليس بلا جذور، البتة؛ ولا يهبط من السماء، صافية أو مدلهمة؛ ولا يهدي إليه دين بعينه، أو عقيدة دون سواها، أو فلسفة في ذاتها؛ بل هو، أوّلاً، نتاج مركّب، سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي، وصناعة لها صنّاعها ورعاتها المبطّنون، قبل المعلَنين من دعاتها وأدواتها.
وفي عداد أشهر الرعاة المبطنين كان زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، بصدد «الصناعة الجهادية» في أفغانستان؛ وأمّا إرهاب الثنائي بشار الأسد/الخليفة البغدادي فإنه، في معطيات أيامنا هذه، أحدث الأدوات المعلَنة!.
صبحي حديدي