«داعش» كحركة نقدية: دولة فتح باب الآخرة

حجم الخط
2

 تدخل سيطرة تنظيم «الدولة» على مدينة الموصل، واعلان «الخلافة» عامها الثالث، ويدخل أسر الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي عامه الرابع، هو المطاح به، بمزدوجة انقلاب عسكري وحركة شعبية سرعان ما بُعثرت وقُمع روادها هي الأخرى. 
تقلّصت رقعة دولة «التنظيم» نسبياً في الأشهر الماضية، لكنّها حتى إشعار آخر باقية، و«الجزائر» المتناثرة التي بايعت خلافة البغدادي منها ما أُخمِدَ ومنها ما يشتدّ عوده، هذا علاوة على «الأممية الانتحارية» المنتشرة في كل أصقاع الأرض، والتي بات محكّها في الآونة الأخيرة رفع درجة «الإنتاجية» على حساب «النوعية» والإتقان المشهدي، الأمر الذي يعود فيخلق صورة ذهنية مثيرة عن قشرة أرضية تتزلزل هنا وهناك. 
وطالما أن تنظيم «الدولة» ممسكٌ بالموصل من الصعب تقويض منطقه تماماً داخل الحركية الإسلامية ، التي تقوم بدلاً من ذلك بالتعمية على هذا المنطق، محاولة التحجير عليه، والتبرؤ منه. 
من مفارقات الدهر أنّ ثمة من اقترح (محمد رشيد رضا) مدينة الموصل كمقرّ للخلافة البديلة، فور الغاء تلك العثمانية، اعتقاداً، يومها، بأنّ الموصل لن يمتد الاستعمار البريطاني للعراق اليها بعد ان تنازل الاستعمار الفرنسي لسوريا عنها. لكن دعوة صاحب «المنار» تنتمي لفضاء ذهني مختلف تماماً عن اعلان «داعش» الخلافة من الموصل. صحيح ان رضا اعتبر الغاء الخلافة العثمانية، على كارثية الالغاء، مناسبة للتأسيس لخلافة حقيقية، تستوحي من النماذج الراشدة للخلافة، لا الملك العضوض ولا السلطنة الخلافتية، غير أنّه سيطوّر تحديداً هذه النظرة الى مشروع الخلافة كـ»تأسيس»، كتجميع مستفيض ومتأن للشرائط المطلوبة، يمكنه أن يتوسّع بعد ذلك ليصير مرحلة تاريخية كاملة، أو أمراً مؤجلاً، أفقاً «يوتوبياً» للاحياء الإسلامي، ما ينتهي الى مفارقة ابتغاء «الخلافة كطيف» كبديل عنها كظلّ للمُلك. 
«الخلافة الداعشية» جاءت في المقابل كخلافة «انتحارية» بامتياز: لا وقت للتأسيس. فكرة الخلافة تناقض فكرة التأسيس، والشرائط المطلوبة لإعلانها محدّدة بدقة، لكنها ليست تعجيزية، ولا تدقيقية، بل أوّل ما تقتضيه هي الجرأة على إعلانها، وربط إعلانها بشرعية السيف في الوقت نفسه، وهو الحاصل بالاستيلاء على الموصل، والانهيار «الأبوكاليبسي» للجيش العراقي. 
النقد النظري الأساسي في مقال «داعش» هو اذاً لرضا، وفكرته عن احياء الخلافة، التي اقترح الموصل داراً لها لبرهة. أما النقد السياسي فلتجربتين، يتعامل معهما تنظيم «الدولة» أنها وصلتا الى طريق مسدود: الإخوان المسلمون، وتنظيم القاعدة. 
فقيام دولة الخلافة من الموصل هو بمثابة اجتماع هذين النقدين، للاخوان وللقاعدة، ولا يقرأ فقط في سياق الصراع المذهبي السني الشيعي، أو الصراع الإثني العربي الكردي، أو علم أنساب السلفية الجهادية وسياحتها في البلدان.
«داعش» نقد للإخوان: بما أنهم تحاكموا الى غير شرع الله، وارتضوا بالانتخابات، وكونهم، وبحجة أسلمة الدولة، سلّموا رأسهم لهذه اللعبة الديمقراطية التي لا تعدو كونها غير وجه من وجوه الطاغوت، فلم يلبث الوجه الثاني للطاغوت، الوجه «التقليدي» له، أن أنقضّ عليهم. نحن أمام نظرية مضحكة وجدية في آن في نقد الديمقراطية: عبد الفتاح السيسي هو حقيقة الديمقراطية، ومأساة محمد مرسي ينبغي أن تتحوّل الى عبرة لكل من يبرّر لنفسه الدخول في لعبة الميسر هذه، «الديمقراطية». 
و«داعش» نقد لتنظيم «القاعدة» على فوضويته، وتجاهله لمفهوم «الدولة»، و«زهده» بالسلطة على الرقاب، الا ما تدحرج منها عشوائياًً في المواقع والغزوات. هو نقد لـ»هجانة» القاعدة نفسها، التي لم تستطع أن تشكّل نسقاً عقائدياً متيناً يجمع شتاتها المتعدد المصادر، من «وهابيين» لا يعني لهم احياء الخلافة شيئاً محورياً، ومن «قطبيين» ينظرون للخلافة في فكرتهم عن «الحاكمية الالهية» نظرة الشيوعيين الى الطور النهائي في المجتمع الشيوعي!!
حمل تنظيم «الدولة» هذا النقد المزدوج، لـ»الإخوان» بدعوى «ايمانهم بالدولة»، وتشيئتهم لها في وعيهم، وطلبهم لها، واستحلالها كآلة، ولـ»القاعدة» بدعوى انّها «درويشة» حيال مفهوم السلطة، وتريد أن تعفي نفسها من تسيير أمر المجتمعات. 
هو بالتوازي، نقد للسجن وللكهوف. فتجربة «الإخوان» حوّلت السجن الى زمن دائري تسير منه واليه، وتجربة «القاعدة» تركت نفسها في أفغانستان تحشر في كهف بتورا بورا، ثم نام قائدها الظواهري نومة أهل الكهف، وهو على رأس كوكبة من التشكيلات الجهادية التي تضرب هنا وهناك من دون أفق لإظهار الدين فوق أي بقعة ذات حيّز، وفي أي مجتمع، فـ»القاعدة» تؤجّل هكذا «كل شيء»، من شريعة وحاكمية وخلافة، الى ما بعد تصدّع الإمبراطوريّة «الصليبية»، ولا تبدو في عجلة من أمرها لتحديات «نهاية الأزمنة»، التي هي عصب أساسي في مسار تنظيم «الدولة».
لا يفهم تنظيم» داعش» أبداً بالنص المتداول عن «ادا رة التوحّش»، على ما درجت العادة، وانما بـ«ادارة نهاية الزمان». «ديالكتيك داعش» هو: دولة باقية لزمن يتقوّص وينتهي، زمن المواقعة النهائية بين التوحيد والشرك، زمن اسدال الستارة. حيوية الأممية الإنتحارية هي حيوية الزمن النهائي، الزمن الأخير، زمن فتح أبواب الآخرة، الزمن الإسكاتولوجي. 
من المستحيل طبعاً الوقوف على دوافع كل نفر للعمل الانتحاري. ومن المؤكد في المقابل ان كل انتحاري هو فرد، ولكل فرد تجريدة دوافع مختلفة للقفزة الانتحارية، وان المنتمين الى «داعش» يعكسون كامل التنويعة النفسية للبشر بشكل عام، وليسوا على «نمط نفسي» واحد. فبين المستحيل معرفته، وبين المؤكدة معرفته، يرسم الرعب الانتحاري في تراكمه وعياً انتحارياً جماعياً، بأنه لم يبق من هذا الزمان الدنيوي وقتاً كثيراً، وبأن الإنتحاري يختصر زمانه، لأن الزمان نفسه صار مقتضبا.
تعلّق «الدولة الإسلامية» بأحاديث نهاية الأزمان ليس مجرّد إشباع نفسيّ، أو لمجرّد غرض نفعي، مع صحّة هذا وذاك.
هذا التعلّق هو نتيجة لتركيبة منطقية، لربط معين بين الأفكار، لربط معين بين الأفكار والأخيلة. تركيبة من لحظاتها الأساسية هذا النقد للأفكار التأجيلية للخلافة، التي تنشدها وتستبعدها في آن، بحجة التمتين. ومن لحظاتها، نقد التحاكم الى صناديق الاقتراع، بحجة أن الدولة القائمة كالفرس يتداولها كافر ومؤمن، وأنّها الصندوق هو بحد ذاته محايد، بين ايمان وكفر، يتأرجح تحت ضغط هذا وذاك. و«داعش» تطوّر كنقد منهجي لفكرة «القاعدة» من أساسها، لفكرة الاكتفاء بالحرب بين «امبراطورية ظاهرة»، صليبية، وأخرى مستترة، اسلامية – فوضوية. نتيجة هذه اللحظات النقدية الثلاث ابتغاء خلافة تقوم الآن، وليس غداً، وفي المقابل غدٌ منتهي كونه حاصلا الآن: تجربة في بناء المجتمع المهاجر، وشعور متزايد، بأن الهجرة هذه المرة الى زمن جديد، الى عالم جديد، الى الآخرة. دولة «باقية» بما هي معبر الى دار البقاء، دولة فتح باب الآخرة.
مدهش كم أن «المهدوية»، في نموذجين متناحرين كلياً، هي مشترك بين المتذابحين على أرض العراق اليوم، ومدهشة ندرة أخذ هذا في اعتبار الراصدين للتجربة. 

٭ كاتب لبناني

«داعش» كحركة نقدية: دولة فتح باب الآخرة

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية