«داعش» يزحف الى المغرب العربي

حجم الخط
2

تونس – «القدس العربي»: من بين الظواهر التي باتت تؤرق مضاجع الساسة والرأي العام في منطقة المغرب الكبير، هو الإقبال اللافت للشباب المغاربي على الإنخراط بكثافة في صفوف الجماعات التكفيرية. فجبهات القتال في شمال مالي وأفغانستان وسوريا والعراق وغيرها تعج بالجزائريين والتونسيين والليبيين، كما أن البلدان التي ينتمي إليها هؤلاء، وخصوصا الجزائر، لم تسلم من شرهم منذ نهاية الغزو السوفييتي لأفغانستان وعودة عشرات الآلاف من التكفيريين الجهاديين إلى مواطنهم.
لقد أسس العائدون من ساحات القتال الأفغانية تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة، في شرق الجزائر، الذي تحول إلى الجماعة السلفية للدعوة والقتال قبل أن يعلن بيعته لأسامة بن لادن ويصبح رسميا فرعا من فروع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ويفتح ذراعيه إلى الشباب من مختلف الأقطار المغاربية. وتأسست لاحقا تنظيمات جديدة في كل من تونس وليبيا على غرار «أنصار الشريعة» و «كتيبة عقبة بن نافع» وغيرها لكنها بقيت تدور في فلك التنظيم الأم أي «قاعدة المغرب الإسلامي» التي توسعت وانتشرت في الأرض حتى لامست تخوم العاصمة المالية باماكو.
لكن ظهور ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وسيطرته على أجزاء هامة من بلاد الرافدين والأراضي السورية بسرعة قياسية، مقابل أفول نجم تنظيم القاعدة بعد اختفاء زعيمه الروحي ومؤسسه أسامة بن لادن، جعل تنظيمات وشخصيات تكفيرية مغاربية تعلن ودون تردد مبايعتها لزعيم «داعش» أبو بكر البغدادي وانخراطها في «مشروع» تنظيمه باعتبارها فرعا من فروعه. فقد أعلنت وسائل إعلام تونسية في وقت سابق خبرا مفاده أن سيف الدين الرايس المتحدث السابق باسم تنظيم «أنصار الشريعة» التونسي المحظور قد بايع البغدادي أمام الملأ في أحد مساجد مدينة القيروان التاريخية، لكن الرايس نفى ذلك لدى مثوله أمام النيابة العمومية. كما أعلن ما يسمى تنظيم جند الخلافة في أرض الجزائر مبايعته لـ «داعش» ولأميرها بمناسبة إعدامه لرهينة فرنسي يوم 24 ايلول/سبتمبر الماضي. كما تم الحديث مؤخرا عن انخراط عدد كبير من التونسيين في تنظيم «داعش» بعد انسلاخهم عن «جبهة النصرة» في سوريا، وأن جانبا من هؤلاء المقاتلين يعتزم تنظيم الدولة الإسلامية إعادتهم إلى تونس للمساهمة في دفع «أنصار الشريعة» و»كتيبة عقبة بن نافع» إلى الإنخراط في مشروع «داعش» من خلال التأسيس الرسمي لما ستطلق عليه تسمية تنظيم الدولة الإسلامية في بلاد المغرب الإسلامي «دامس».
وتلتقي عديد المصادر على أن مركز القيادة لتنظيم «دامس» سيكون ليبيا نظرا لضعف الدولة هناك مقارنة بتونس والجزائر، وبالنظر أيضا إلى أن التكفيريين فاعلون في المشهد السياسي الليبي ولهم وزنهم في معادلة الحكم في بلد عمر المختار. كما أن ليبيا وتحديدا مدينة درنة هي التي شهدت مؤخرا، وفقا لمصادر متعددة، لقاءات بين ممثلين عن تنظيم «داعش» و»أنصار الشريعة» في تونس وليبيا قصد التعجيل بالإعلان عن تأسيس التنظيم الجديد الذي يطمح مؤسسوه في أن ينجح في جمع جميع الجهاديين في البلاد المغاربية تحت راية واحدة وتأسيس جيش قوي يزحفون من خلاله على بلدان المنطقة.
كما أن الجغرافيا الليبية تساعد هذه الجماعات على النمو والنشاط، فالبلد مترام وشاسع وكثافته السكانية ضعيفة، وبالتالي يمكن لأي تنظيم أن يستقر ويستقطب المقاتلين بعيدا عن الأنظار وعيون الرقباء. بل يمكن ان تتأسس في ليبيا دولة داخل الدولة خاصة وأن المركز في طرابلس الغرب لا يسيطر على كامل الإقليم وخصوصا المناطق الصحراوية في وسط وجنوب البلاد وعلى الحدود مع النيجر وتشاد.
ويؤكد جل الخبراء والمحللين على أن البيعة للبغدادي وتنظيمه من قبل الجماعات التكفيرية في المغرب العربي ليست سوى بيعة روحية معنوية، أما سلطة اتخاذ القرار فستبقى بيد القيادات الميدانية لهذه التنظيمات، أي أن البغدادي لن تكون له سلطة رئاسية على «أبي عياض» زعيم تنظيم أنصار الشريعة التونسي، أو على «مختار بلمختار» الجزائري، أحد أخطر قادة القاعدة في المغرب الإسلامي، في حال أعلنوا بيعتهم له.
سيكون الأمر شبيها بما كان يحصل مع بن لادن والظواهري من بعده، أي توقير الرجل واعتباره أمير التنظيم دون سواه والدعاء له بالخير من قبل الجماعة في أفضل الحالات دون أن يصل الأمر إلى الإتصال المباشر به وتلقي التعليمات والأوامر منه. فالجماعات التكفيرية المغاربية، ومن خلالها انضوائها تحت لواء «داعش» والقاعدة في وقت سابق هي تبحث عن الدعاية لا غير، بحسب تأكيدات جل الخبراء والمحللين. فهي تستغل انبهار الشباب اليافع، من ذوي المستوى التعليمي المحدود في عمومه، بهذه التنظيمات فتتسمى بأسمائها لجلب المزيد من المنخرطين في صفوفها وكسب الأنصار. كما أن العمل الجهادي هو غطاء لأنشطة مشبوهة تقتات منها هذه الجماعات، على غرار التهريب وتجارة المخدرات والسلاح وخطف السياح لمقايضتهم بالمال وغيرها من الأنشطة المجرمة التي تستقطب الشباب العاطل.
كما أن هذه الجماعات (القاعدة في بلاد المغرب، أنصار الشريعة، كتيبة عقبة بن نافع، جند الخلافة…) هي تنظيمات دموية ولا تختلف عن «داعش» في هذا المجال بل لعلها أكثر دموية، حيث امتهنت القتل وقطع الرؤوس ومحاربة قوى الأمن والجيش في البلاد المغاربية وزعزعة استقرار هذه الدول. ويؤكد جل الخبراء أنه سواء انخرطت مع «داعش» في ذات التنظيم أو لم تنخرط فلن يتغير شيء ذا بال في المعادلة، فهي خطر على المنطقة سواء بـ»داعش» أو بدونه.
كما يؤكد جل الخبراء على أن هذه التنظيمات هي صنيعة جهات خارجية وأجهزة استخبارات بعضها محلي، وبالتالي فإن ولاءها سيبقى بالأساس لهذه الجهات التي تجند أمير الجماعة المطاع من قبل أنصاره باعتبار أن طاعته هي من طاعة الله، وفقا لمعتقدهم ويقينهم الراسخ، فتصبح تعليمات هذا الجهاز الإستخباراتي أو ذاك لأمير الجماعة أمرا إلهيا يتسابق التكفيريون على طاعته ابتغاء مرضاة الله. لذلك فسواء تمت مبايعة البغدادي وتنظيمه أم لم تتم، فإن هناك لاعبين كبارا أكبر من «داعش» وأكبر من البغدادي بيدهم دون غيرهم مفاتيح الحل لمشاكل المنطقة التي نخرها الإرهاب.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية