لم تعد هناك حدود أمام سرطان الإرهاب. ولم تعد هناك «حصانة» لأحد، حتى إن ظن ذلك. ولم يعد خيار سوى الشفافية الــــتامة في التعامل مع هذا المرض اللعين الذي يستهدف كل ما له علاقة بالهوية والثقافة والحضـــارة بشكل خاص.
كان الإرهابيون الذين ارتكبوا هذه المجزرة الرهيبة في تونس قبل يومين، قادرين على استهداف السياح في الشوارع أو الشواطئ أو الفنادق، إلا انهم اختاروا متحف باردو الملاصق لمبنى البرلمان لتوصيل رسالة واضحة، مفادها أنهم يعلنون الحرب على قيم الحضارة والثقافة المدنية من جهة، ورمز السيادة والمنتوج الديمقراطي لما عرف بـ»التجربة التونسية» من الجهة الأخرى. ويجب ألا تمنعنا مشاعر التضامن الكامل مع الشعب التونسي، والصدمة من حجم الفاجعة التي انتجتها هذه المجزرة، من التوقف وإعادة النظر في التحليلات التي ثبت تسرعها الان، في اعتبار أن تونس نجحت في تجاوز خطر الإرهاب عبر نجاح العملية الديمقراطية، خاصة ان تنظيم «الدولة» اعتبر المجزرة «غزوة مباركة على أحد أوكار الكفر والرذيلة»، وأنها «ليست سوى أول الغيث».
ولا يمكن هنا الحكم على التجربة التونسية بمعزل عن المحيط الإقليمي، خاصة أن الجماعات الارهابية لا تعترف أصلا بالحدود. وهكذا ذهب بعض المراقبين الى ربط المجزرة الارهابية في تونس بمقتل قيادي إرهابي تونسي في ليبيا، وهو متهم بتدبير اغتيال المعارضين التونسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، خاصة أن بعض انصاره بثوا عشية المجزرة تهديدا بـ»انباء سيفرح لها المسلمون في تونس».
ولا يحتاج الأمر إلى خبير أمني لإدراك أن الارهابيين ما كانا ليتمكـــنا من القيام بمجزرة كهذه في هذا الموقع السيادي بدون أن يكون لديهما دعم لوجستي مكنهما من التخطيط والتحضير والدخول بسهولة تامة من البوابة المشتركة للبرلمان والمتحف، كأنهما متجهان الى نزهة.
ولا مفر هنا من طرح هذه الاسئلة الصعبة لكن المشروعة:
هل شهدت تونس «انقلابا على الديمقراطية» حتى يمكن تفسير وقوعها في دائرة انتقام السلفية الجهادية بمثل هذه الاعمال الارهابية؟ وكيف نشأ هذا التيار التكفيري في تونس اصلا، وهي المعروفة تاريخيا باعتدالها وليبراليتها الاجتماعية، حتى تحت الحكم الديكتاتوري؟ وما حقيقة الاتهامات التي توجه الى حكومة الترويكا (التي ضمت حزب النهضة وحزب المؤتمر من اجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي) في التهاون مع الخطر الارهابي ما أدى لاستفحاله؟ وهل أسهمت سياساتهم الانتقامية من أجهزة الامن بعد الثورة في اضعاف قدرة وزارة الداخلية على القيام بواجباتها؟ أم أن المجزرة كانت «عقابا» من التيار التكفيري للشعب التونسي على عدم منحه الأغلبية للاسلاميين في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة؟ ويعتبر مراقبون ان السلفية الجهادية استفادت من وصول الاسلاميين الى الحكم في اكثر من بلد عربي، بعد ان توفرت لها البيئة المناسبة لنشر أفكارها تحت شعار (الدعوة الاسلامية)، مع تهاون الحكومات (الاسلامية) في ادراك خطرها ومواجهته. وهكذا شاهدنا عودة قيادات من تنظيمات ارهابية مثل «القاعدة» وغيرها الى مصر إبان حكم جماعة الإخوان، بل وحصول بعض قياداتها على البراءة بعد ان كان محكوما بالاعدام، ثم اصبحت لهم قنواتهم التي يبثون منها التحريض على العنف والكراهية، ناهيك عن المساجد التي فتحت أمامهم للغرض نفسه.
إن الدرس الواضح الذي تقدمه «المجزرة التونسية» هو أن اولئك التكفيريين لا يؤمنون بديمقراطية او عملية سياسية، ولا يحتاجون الى مبرر اصلا للانقضاض على المجتمع المدني وتدميره، بل يحتاجون فقط الى الفرصة. ولا يعني هذا ان نكفر بالديمقراطية، او اهمية العملية الســــياسية، الا ان ثمة اعادة نظر مطـــلوبة فــــي شروطها، حتى لا تصبح بدورها نافذة او غطاء لانتشار سرطان الارهاب.
ويكفي ان ننظر الى اعرق الديمقراطيات في العالم لندرك ان «الحل السياسي» لا يتناقض مع الاهمية القصوى للقدرة على حفظ الامن ، ومواجهة الارهاب بكل شراسة ممكنة في اطار القانون. اما تيار الاسلام السياسي، فسيكون المستفيد الاول من مراجعة اصبحت حتمية تنقيه من الافكار والعناصر والمجموعات الداعشية التي ربما «تعشش» في بعض اركانه، وكانت سببا في كثير من ازماته.
وللإنصاف فان التيار الاسلامي في تونس اثبت انه اكثر حصافة منه في بلاد اخرى، وخاصة مصر. وهو ما صرح به قبل ايام نائب رئيس البرلمان الشيخ الحكيم عبد الفتاح مورو، اذ قال انه قدم النصح الى الرئيس المعزول محمد مرسي بشأن اسلوب تعامله مع المعارضة في مصر الا انه لم يستمع.
فهل حان وقت المصارحة والمراجعة؟
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي