دساتير لإبقاء الحكم السلطوي

حجم الخط
0

أنظمة الحكم العربية التي جاءت على أثر ثورات ضد الاستعمار الأجنبي، أو ضد الأنظمة العربية والإسلامية الرجعية المتخلفة، مارست الحكم بناء على دساتير فصّلت على مقاسها وإلى الأبد.
كل الدساتير وما طرأ عليها من تغيير أو تعديل لا يعدو كونه ترتيب وضع للبقاء في الحكم، وقد يتفاوت شكل الاحتفاظ بالسلطة من يورثها إلى عائلته، في ظل نظام ملكي أو جمهوري، كما جرى في بلدان الربيع العربي، أو يتمسك بها الحزب الذي يعبر عن «شلة النظام» واللوبيهات من البارونات السياسية والعسكرية والمالية المتحلِّقة حوله.
بعد نصف قرن من بداية العمل بالدساتير العربية، آل الأمر إلى أن أفضل طريقة للبقاء في الحكم هو تجديد تفصيل الدساتير وإجراء تعديلات صـــورية شــــكلية، بالقدر الذي لا يغيّر من بنية النظام القائم. قد يجازف النظام إلى أبعد حد ممكن، كأن يجري انتخابات نزيهة قد تقصيه في الدور الأول، لكنه سرعان ما ينقلب ويتنكب للعملية الانتخابية برمتها، كما حدث في الجزائر في تشريعيات 1991/1992.
وقد يتمادى النظام السلطوي العربي ويذهب إلى أبعد من القبول بنتائج الدور الأول، بل قد يقبل حتى برئيس جمهورية منتخب من الشعب لحين من الوقت، ثم ينقلب عليه، كما جرى في مصر في السنة الماضية، ليعمَد بعدها إلى تغيير الدستور في لعبة محبكة تنتهي دائما إلى الاحتفاظ بالحكم. وعليه، فإن نصف قرن من الحكم السلطوي العربي هو نصف قرن من التلاعب بالدساتير كأوراق في رصيد البورصة السياسية العسكرية المالية الفاسدة.
الدعوة الأخيرة لنظام الحكم في الجزائر إلى تعديل الدستور تندرج في هذه اللعبة المحبكة، الرامية دائما إلى الاحتفاظ بالحكم كأفضل سبيل إلى الثروة والإفلات من العقاب وعدم المحاسبة. المعروف أن تاريخ الجزائر «المستقلة»، هو تاريخ متواصل لتعديل الدساتير ومحاصرة العمل بها عبر القوانين العضوية والمراسم التنفيذية واللوائح الإدارية، علاوة على تداول محكم لثقافة تغييب المسؤوليات على مستوى مؤسسات الدولة. فقد جاء دستور عام 1963 على اثر انقلاب قيادة أركان جيش الحدود على الحكومة الجزائرية المؤقتة، السلطة الشرعية في ذلك الوقت، ثم لحقه دستور آخر عام 1976 في عهد الرئيس هواري بومدين.. إلى دستور 1989 الذي أفصح عن التعددية واجتراح عهد الديمقراطية.. لكن سرعان ما خاب الشعب الجزائري بانقلاب النظام على الدولة والديمقراطية في انقلاب يناير 1992، ومن ثم تكريس نظام حكم سلطوي بآلية دستورية، أي تسمح له دائما بالبقاء عبر المؤسسات التي يختارها وعبر الفصيل من الجماهير التي هزمها طوال العهدة العشرية السوداء.
طوال العهدات المتوالية للرئيس الحالي توالت معه حالات النيل من القانون الأساسي للدولة وتجاهل مؤسساتها وتعطيلها لحد دخول البلد في وضع مأزوم يتفاقم مع الوقت ويستعصى عن الحل، لا بل أدّى إلى تلازم عضوي بين مرض الرئيس الذي حوّله إلى مجرد جثّة سياسية لا تقوى على التحرك، ومرض عضال للدولة التي تفقد مع الوقت أرصدتها من الرأسمال التاريخي والأخلاقي والمعنوي، ناهيك عن التبذير وهدر المال العام الذي استبيح عبر قواعد وأصول وتقاليد التنظيمات المافياوية البليدة. وضع على هذه الشاكلة لا يمكن إطلاقا ترقيعه ولا إصلاحه عبر تعديلات الدستور، لأن هذا الأخير كان دائما معطلا تحت وضع حالة الطوارئ، وهو من ثم فاقد للحياة والحيوية، ولأن ما بعد رفع حالة الطوارئ الشكلية سبقته ورافقته ثم تبعته تعديلات تزيد من تحصين القوى والمراكز التي تتولى تأبيد النظام في الحكم.
مشروع الدستور المقدم إلى التعديل هو محاولة لضبط أجهزة الدولة على قد رئيس لم يعد يملك قدرة وإمكانية تسيير مؤسسات البلد، الأمر الذي دفع النظام إلى إعادة تعديل القانون الأساسي للدولة، بحيث تغيب فيه شخصية الرئيس الاعتبارية، أي كشخص قانوني يمثل جوهر الوجود المعنوي والاعتباري للدولة، أي دولة صورية بلا نشاط الرئيس. ويجري إحضار غياب الرئيس بنشاط حكومي وتكثيف التعليقات على انجازات، أغلبها سيتم في المستقبل والباقي افتراضي لا نراه إلا في التلفزيون الحكومي.
المبدأ الفاسد أن يعزى إصلاح الفساد إلى من كانوا المتسببين فيه، ومن هنا مظهر تعديل الدستور بقصد إبقاء النظام محتفظا بالحكم، لأن القاعدة التي صارت متواترة في أنظمة الحكم الفاسدة هو الحكم ومزيد من الحكم إلى أن يأتي من نرضى عنه في الحكم، كأفضل سبيل لحفظ الأثر وحماية ما تخلف. وهكذا، تتوقف السلطة الحاكمة في الجزائر بعد استحقاق الرئيـــس المريض للعهــــدة الرابعـــة، لكي تقدم اقتراحا بتعديل دستور ليس هناك إطلاقا ما يــــبرره، لا بل هناك أكثر من وجه بعدم المساس به أكثرها وجاهة «وهن الرئيس» العائق الكبير في حياة وحيوية مؤسسات الدولة.
عانت الجزائر لأكثر من عقد من ترهل سياسي فقدت معه طعم السياسة ولونها، إلى حد لم يعد أحد يعرف نوع السياسة التي تأخذ بها الدولة الجزائرية، وهذا ما انعكس بشكل لافت على مشروع تعديل الدستور الذي لا يصب، عند قراءته، في أي إطار سياسي ولا معنى دستوري يفصح عن نوع النظام الجزائري. إن القراءة للمقترحات التي تقدمها وثيقة تعديل الدستور لا تضيف إلا سيلا آخر من التخبط واللامعقول القانوني والسياسي، ناهيك عن الإحكام الدائم والمطلق لنظام الحكم المقصد النهائي والجوهري من التعديل.
اقتراح تعديل الدستور، هو في الجوهر محاولة ضبط أجهزة الدولة/السلطة على الحالة المرضية للرئيس، أي ضبط الشخصية الاعتبارية على الشخصية الطبيعية للرئيس، الذي لم يعد يملك القدرة الكافية لتسيير أجهزة السلطة ومؤسساتها. وفي غمرة الحديث عن نشاطات الحكومة وخطف عقل الشعب بإنجازات الرئيس، يجري تسويق تعديل الدستور، في مشهد مفارق تماما لما ينبغي أن يكون عليه الأمر. فالتعديل يرافق ويترتب على وضع فاسد ولا يتمخض عن وضع سَوِي أبرز مظاهره انجازات الرئيس. أما التحليل السياسي فإنه يقطع بأن ما يحتاج إلى تعديل، وفي الجوهر هو السلطة ذاتها التي ترهلت وتعاند لكي تحفظ الدوائر الفاسدة التي تتحلَّق حولها. إن الذي ينتظره الشعب، منذ الاستقلال الوطني هو تسليم السلطة إلى الشعب عبر آلية التداول والتجديد والمتابعة القانونية وتحمّل المسؤوليات. نريد أن نقول، إن سعي السلطة إلى تعديل الدستور، هو اعتراف واضح بتاريخ كامل من الفساد لازم سلطة الرئيس الحالي، ومتابعة التعديل إلى آخر مراحل الرئيس في مرضه العضال والخطير، بالقدر الذي تتجاوب وتتماهى معه بقايا مؤسسات الدولة. وهكذا، فإن الرئيس الذي صرح حال تعيينه رئيسا عام 1999، بأنه لن يكون ثلاثة أرباع الرئيس، أي يجب أن يكون رئيسا كاملا وإلا فلا… ها هواليوم لا يساوي عشر الرئيس، ومع ذلك لا يزال يتمسك بالحكم كأفضل صائن للسلطة الفاسدة ومؤسساتها الواهنة.

٭ كاتب جزائري

د. نور الدين ثنيو

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية