أكتب عن الحب كثيرا، أعرف ذلك، أحد قرائي الأحبة كتب لي معاتبا «لماذا تكتبين عن الوهم؟ الحب لا وجود له إلاّ في رأسك».. وفي الحقيقة ما في رأسي لا يمكن اختصاره، لهذا لا ينتهي كلامي عن الحب وعن أشياء أخرى جميلة، يعتبرها أغلب مجتمعنا» وهما».
أشهر السفاحين في العالم كان لديهم ربما خلل في تركيبة أدمغتهم حتى فروا من تحت سيطرته وكأنهم يفرمون حبة بصل. ونحن إذ نعاني اليوم من مجتمعاتنا وتقاليدنا الخانقة وأعرافنا المبنية على جَلْد الإنسان، فلأننا تركنا تلك البذرة النائمة في رؤوسنا منسية إلى أجل غير مسمى، بذرة الحب.
لا أحد يتمنى لنفسه أن يعيش في أرض قاحلة، وهذا هو الوصف الذي يليق بمن يعيش بدون حب. في دراسة مخيفة قرأت أن الأطفال الذين يعذبون الحيوانات لهم مستقبل أسود على الإنسانية، في زيجاتهم سيمارسون العنف على زوجاتهم وأبنائهم، في مراكز السلطة إن استلموها سيكونون متسلطين وظالمين لمن تحت سلطتهم، وإن وضعوا خارج دائرة الاهتمام يصبح الأمر خطيرا جدا، فبذرة الكراهية التي نبتت في قلوب هؤلاء ولم تقطع في بدايتها، تكون قد أصبحت شجرة كبيرة مثمرة، وتلك الثمار السامة يوجهها حاملها لمن حوله ..بدون تفسير لا يفهم الأهل لماذا بعض أولادهم يتصرفون ضد رغبتهم، يتعجرفون منذ طفولتهم الباكرة ويرهقونهم بكل السلوكات السيئة التي لا تخطر على البال. البعض يفسّر هذا الأمر ببشاعة تؤذي الأهل والأولاد أيضا، حين يُنسَب سلوكهم القابل للعلاج في الغالب إلى أنّه عقاب إلهي، قسوة هذا البعض تزيد الطين بلة ولا تصلح الأمور أبدا. في مرات كثيرة أتساءل ما الدّاعي من قول تلك التفاهات؟ أمام تطور العلم، واختراقه لرؤوسنا من كل الجهات، عبر وسائل الإعلام الكثيرة، التي تصنف العنف إلى أنواع وتضعه على سلم الأذى الاجتماعي بدرجات، علينا أن نعترف بأنه ليس كل عنف أبديا.
ميول العنف تبدو واضحة منذ الثالثة من العمر أو الرابعة، لكن على الأهل أن يتبينوا أي نوع، ويحترسوا كثيرا من تعنيف الولد، لأن أي ضربة توجه للولد العنيف تعني أن الحرب بدأت معه ولن تهدأ. مع أن قسما كبيرا منا يردد أن التربية بالعصا أعطت نتائج جيدة، وكل يقدّم نفسه نموذجا ناجحا لذلك. نتباهى بأننا كنا معنّفين، وأن العنف هو الذي جعلنا كائنات سوية… ألا يبدو الأمر غريبا أمام موجات العنف التي دمرت أغلب بلداننا؟ لماذا نتباهي بالعنف؟
حتما التفسير العلمي متوفر، ولكن في هذه العجالة أريد أن أذكر أن العنف قد يصل بالشخص إلى أكل لحم أخيه. والتاريخ يذكر أسماء كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، الصحافي والكاتب الأمريكي وليم سيبروك، الذي عشق الترحال وسافر إلى بلدان بعيدة في أفريقيا وآسيا وبلغ الأراضي العربية آنذاك ورحب به العرب أيّما ترحاب. عاش 61 عاما بين نهاية القرن 19 وبداية القرن العشرين. ولعل كتبه بشأن رحلاته وأخباره الغريبة تستحق أن تقرأ إلى يومنا هذا ما دمنا قد دخلنا عصرا دمويا جديدا بلغ حدّ أكل لحوم البشر. لا شيء عن سيرة هذا الكاتب الأمريكي الذي يمثل عينة «مثقفة من آكلي لحوم البشر» لكن في سير مختلفة لمجرمين آخرين نجد القسوة التي أنجبت القسوة. وعند قراءة ما توفّر من سيرته الذاتية المختصرة، نتذكر الدكتور هانيبال ليكتر، الشخصية التي جسدها السير أنطوني هوبكنز في فيلم أخذ عن رواية « التنين الأحمر» لتوماس هاريس… تخرج الرواية عن المألوف في تفكيك لغز التحول الذي ينتاب الإنسان حين يعنّف بلامبالاة قاتلة. يصف بشاعة الحرب التي راحت ضحيتها عائلة ليكتر الصغير، وبشاعة الجوع الذي راحت ضحيته اخته ميشا. تدور الأحداث في ليتوانيا ثم في باريس حيث تعلّم الطب ثم في أمريكا حيث مارس مهنته كطبيب أمراض عقلية.
الرواية في نسختها الإنكليزية رائعة، لكن الفيلم كان فائق الروعة حتى أن هوبكنز الذي تقمّص الدور جعلنا نعجب بدوره ولا نتعاطف معه. قمة الأداء تلك خرجت بنا بعيدا لرؤية القبح الإنساني حين يتخلّى عن إنسانيته، لكن الأعمق على الإطلاق كان تلك الصورة الدقيقة لتصوير تراكمات العنف ضد عقل لا يتحمّل الكثير من الضغط وإلا تحوّل إلى «قنبلة».
طبيب الأمراض العقلية كان ينجرف خلف شهوة الانتقام ولم يستطع أن يوقف نفسه وإن كان سيبروك أنهى حياته بنفسه نتيجة حنقه منها فإن المتخيل فيه تفاصيل كثيرة وحوارات فائقة الروعة. وليس ما يشدنا ذلك الاشتغال على اللغة، بل على الأفكار أيضا. للحظات يشعر المرء بأنه يأخذ محاضرة مع معلّم فاتن يرمي سحره على السامعين بأناقته وجمال كلماته المنتقاة.
«صمت الحملان» لمن لم يشاهده عليه أن يقتنيه ويستمتع بتقنيات كتابة قصّة هادفة تحلل العنف البشري نحو نوعه. سنة 1992 نال الفيلم جائزة أفضل فيلم، أفضل مخرج جونتان دام، أفضل كاتب سيناريو تيد تالي، أفضل ممثل هوبكنز طبعا وأفضل ممثلة جودي فوستر. ولا بأس أن يعيد المشاهد رؤية النسختين معا، فكلاهما في القمة، وكلاهما تجعلان العقل يثير الأسئلة ويخرج بأجوبة لطالما بحث عنها.
كاتب هاتين الروايتين توماس هاريس تميز بحياة مغلفة بقوقعة سميكة وهو منذ 1976 لم يعط حوارا للإعلام. أما باقي رواياته فلاقت الكثير من النجاح ويقبل عليها هواة الكتب الغرائبية المليئة بالمفاجآت والإثارة وأغلبها نجده بلغات عدة، ربما لأن من يهتم بهذا النوع من النصوص يبحث عن تفسير لعجلة العنف التي لا تتوقف عن دهس الأمم بأكملها، وربما لأسباب أخرى لا تستهوينا في الوقت الحالي، رغم أننا ضحايا بامتياز لكل أنواع الترهيب والإجرام.
هل ندرك حقا أننا تحت العجلة؟
قيمة الإدراك تنعكس في قراءاتنا وسلوكياتنا، وعلى ما يبدو ثمة نمط من السلوك يحتاج أن نسلكه، حين ننكب على كل ما يسوّق إلينا تحت غطاء الدين ويلغي العقل، والعاطفة ونحن نبتلعه مثل الحبوب المخدّرة، بحثا عن سكينة ما لم تتوفر عندنا مع كل قوائم الممنوعات التي فرضناها على أنفسنا.
عودة للواقع المر الذي نعيشه… واقع « العصا لمن عصى» وواقع النبذ والضرب وكسر الأسنان وفرجة نجوم الظهر والعصر «ونصاص الليالي». لن تفهم أبدا نبرة العنف التي تسكن لغتنا، عربيتنا الجميلة التي دوخت أهل الغرب في حقبة من التاريخ.. لن تفهم سر هذا الحنق من الآخر لأنه لا يشبهنا، أو لأنه أفضل منا أو لأنه أقل منا؟ غرابة رش الجميع بمنقوع الكراهية يبدو غريبا، جعله من « الأصول» أكثر غرابة ، تقزيم مشاعر المحبة وتحقيرها شيء لا يمكن السكوت عنه… ثمة عقول فتية تعيش فيها شتلات الأحلام الوردية، ومساحات شاسعة من الأمل…
رجاء دعوا الحملان تطلق أصواتها الجميلة…
تعبنا من أكلة لحوم البشر..!
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب