القاهرة ـ «القدس العربي»: كل موضوعات وأخبار صحف أمس الخميس 12 فبراير/شباط لم يكن فيها أي جديد، إنما هي تكرار لأخبار وموضوعات في صحف الثلاثاء والأربعاء، إلا ما ندر، وكان أكثرها اجتذابا لاهتمامات الغالبية، العاصفة الترابية وما أحدثته من آثار في اليومين السابقين من غلق عدد من الموانئ وعدم الصيد في مناطق وحوادث الطرق وبقاء الكثير من المواطنين في منازلهم.
ومن أخبار الصحف أيضا، استمرار النيابة العامة في التحقيق مع عد من المقبوض عليهم في واقعة إستاد الدفاع الجوي، التي راح ضحيتها تسعة عشر من أولتراس الزمالك، والمشكلة التي تسبب فيها لاعب الفريق عمر جابر برفضه إكمال المباراة مع أنبي، وقرار مجلس إدارة الزمالك تجميده. ورغم انتهاء النيابة من تحقيقاتها وعدم إعلانها عن أي نتائج، فلا يزال الكثيرون من كتاب وصحافيين ومسؤولين يدلون بما عندهم من معلومات توصلوا هم إليها قبل النيابة، وفي كلام بعضهم رائحة الظهور كمدافعين عن الأولتراس ومهاجمين لوزارة الداخلية. وتوصل البعض قبل أجهزة الأمن المتعددة إلى معلومات عن مؤامرات خارجية وللإخوان المسلمين، وهي ظاهرة مؤسفة يتورط فيها كثير من زملائنا الصحافيين والإعلاميين.
كما واصلت الصحف أيضا تغطية أخبار من يتقدمون بأوراق ترشيحهم لانتخابات مجلس النواب، وذكري إعلان الرئيس الأسبق حسني مبارك تنحيه في الحادي عشر من فبراير / شباط منذ أربع سنوات، وورد في الأخبار الصحافية إعلان الكويت أن أميرها سيحضر بنفسه المؤتمر الاقتصادي الدولي في شرم الشيخ.
كما واصلت قوات الجيش عملياتها الهجومية ضد الإرهابيين في محافظة شمال سيناء، والملاحظ أن هناك تطويرا كبيرا في تنسيق الهجمات عليهم بين قوات الصاعقة وطائرات الآباتشي، خصوصا في عمليات المطاردة عند هربهم ومفاجأتهم، سواء في المخابئ أو الكمائن التي يعدونها لاصطياد القوات، بعد أن حدث تحسن في مستوى المعلومات، وحتى الآن لا تزال محافظة جنوب سيناء بعيدة عن العمليات الإرهابية باستثناء تهريب البانجو والسلاح، وهي المحافظة التي تقع فيها شرم الشيخ والغردقة وتدخل في نطاق الجيش الثالث الميداني، الذي كان يتولى قيادته اللواء أسامة عسكر الذي عين قائدا للقيادة الجديدة للقوات شرق القناة، التي تضم قوات الجيشين الثاني والثالث وقوات الشرطة وعددا من أسراب الآباتشي. والنظام يعتمد عليها في عملية تصفية أكبر عدد من الإرهابيين شمال سيناء، بالإضافة إلى ضمان الهدوء في جنوبها، حيث سيعقد المؤتمر الاقتصادي الدولي في شرم الشيخ.
أيضا حرصت الصحف على إبراز تقديرات صندوق النقد الدولي حول استمرار تعافي الاقتصاد، ونجاح خطة البنك المركزي في السيطرة على سعر الدولار أمام الجنيه بعد رفعه، رغم ما أدى إليه ذلك من ارتفاعات في أسعار السلع المستوردة، أيضا أكد العالم المصري الدكتور مصطفى السيد أن مشروعه لعلاج السرطان بجزيئات الذهب، الذي بدأه منذ ست سنوات بدأ يحقق نتائج مهمة بعد نجاحه في التجارب على الفئران، ثم القطط وسيتم تجريبه على المرضى في مستشفيات وادي النيل ومستشفى معهد الأورام والمركز القومي للبحوث وأنه سيكون مملوكا لمصر فقط .
وإلى بعض مما عندنا….
ترشح أحمد عز وأحمد شفيق يستفز كل المصريين
ونبدأ باستمرار ردود الأفعال على تقدم رجل الأعمال ومحتكر إنتاج الحديد وأمين تنظيم الحزب الوطني السابق أحمد عز بأوراق الترشح لانتخابات مجلس النواب، رغم أنه لا يزال يخضع للمحاكمة وتنتظره دعاوى أخرى قد تقوده إلى محاكمات أخرى إضافية، إذ لا تزال حالة الدهشة من جرأته على التقدم للترشح تعقد ألسنة الأغلبية، فوجدنا البعض يتعجب من جرأته، وغيرهم يتوعدونه بالويل والثبور وعظائم الأمور ما دام يتحدى ثورتين، إذ قال عنه يوم الأربعاء زميلنا وصديقنا في «الجمهورية» الدكتور لطفي ناصف: « ترشح أحمد عز يستفز كل المصريين الشرفاء، كذلك كشفت مصادر صحافية عن قرار أحمد شفيق الموجود حاليا في الإمارات الترشح للبرلمان المقبل، وإن أحمد عز وأحمد شفيق اللذين كانا من أركان حكم حسني مبارك مرفوضان من جانب كل الشرفاء من المصريين. إن ترشح أحمد عز وأحمد شفيق يمثل استفزازا لكل الشرفاء من المصريين ونعتقد أن أبناء مصر لن ينسوا فترة حكم حسني مبارك وأتباعه».
الحسابات العقلانية تدفع
عمرو موسى للإبتعاد عن الترشيح
ويبدو أن لطفي اعتقد أن كل من يبدأ اسمه بأحمد ويريد الترشح يشبه أحمد عز، وإلى مجلة «المصور» وأحد مديري تحريرها زميلنا وصديقنا سليمان عبد العظيم، الذي فضل السخرية من الأمر، بأن قال وهو ينظر إلى سامح سيف اليزل الأمين العام لتكتل «صحوة مصر» الذي سيخوض الانتخابات في قائمة عددها مئة وعشرون: «الآن بعد أن رشح عز نفسه بواسطة محاميه د. محمد حمودة أصبحت مصداقية اللواء سامح سيف اليزل على كف عفريت. سيادته قطع تساؤلات لميس الحديدي مع ضيوفها بالقول: أحمد عز مش هاينزل الانتخابات! طيب أهو عز نزل يا سيادة اللواء هل من حقي أن أستعيد جملة عبد الفتاح القصري الشهيرة «تنزل المرة دي».
هل من سخرية الأقدار أن يرشح المهندس أحمد عز نفسه للبرلمان؟ وألا يرشح رجل في قيمة وقامة عمرو موسى نفسه؟ ليس هناك رابط بين عمرو وعز، الحسابات الخاطئة دفعت عز نحو البرلمان والحسابات العقلانية تدفع عمرو للابتعاد كلية تخيلوا معي برلمان فيه عز وليس فيه عمرو موسى تفرق كتير».
هل ينجح أحمد عز بالمال السياسي؟
هل هذا سؤال يسأله سليمان عن برلمان فيه عز وليس فيه عمرو موسى؟ طبعا برلمان كارثة وتهديد للأمن القومي لمصر هي أمي، وأم زميلنا غالي محمد رئيس تحرير مجلة «المصور» الذي قال ردا على سؤال سليمان: «الحقيقة أن نزول أحمد عز انتخابات مجلس النواب هو عودة بمصر إلى الوراء، لأن نجاح عز في الانتخابات المقبلة سوف يكون رمزا لعودة نظام سياسي رفضه المصريون في ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 واستكملوا هذا الرفض في 30 يونيو/حزيران. وقد يقول عز إن هذا حقه القانوني، والذي يؤيده في ذلك عمرو موسى، لكن العبرة ليست بالقانون فقط، لأن هناك قصورا في القانون ومهما كانت نتائج الانتخابات في دائرة أحمد عز في المنوفية فإنها لن تكون محايدة، لأن النتائج سوف يحددها المال السياسي الذي سوف ينفقه عز على الناخبين في هذه الدائرة، علما بأن الناخبين في الدائرة المذكورة سوف يلحقهم العار إذا ما أعطوا أصواتهم لأحمد عز، وستوجه إليهم اتهامات مفزعة بأنهم باعوا أصواتهم لأحمد عز، ولذا أدعو الناخبين في دائرة أحمد عز إلى الثورة عليه بأصواتهم حتى لا يحكم عليهم التاريخ بالخزي والعار.
لذا كنت أتمنى أن يقبل أحمد عز النصيحة ويدرك أن المصريين يرفضونه لأنهم يعتبرونه رمزا للفساد ورمزا لتزوير الانتخابات البرلمانية، ورمزا لعودة فلول الحزب الوطني، وأخشى ما أخشاه ان ينجح أحمد عز بالمال السياسي الذي سوف يستغل معاناة الناس فيشتري الأصوات بربح قليل، داهسا بحذائه كرامة المصريين ليكون تحالفا بداخل مجلس النواب هو وأعضاء الحزب الوطني الذين تقدموا للانتخابات وسينجحون أيضا بالمال السياسي وشراء الأصوات والتأثير على الناخبين، ليتحكموا في البرلمان وتشكيل الحكومة والتحكم في مستقبل مصر وشعبها، وإعادة مصر إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير/كانون الثاني، ومن ثم يكون أحمد عز خطرا على الأمن القومي المصري ومستقبل الوطن، لا سيما أن جمال وعلاء مبارك هما أيضا يقفان على الجانب الآخر لإعادة مصر إلى الوراء».
لا بديل لابن عز عن تطليق السياسة بالثلاث
وآخر من هاجم عز في المجلة كان زميلنا عبد اللطيف حامد الذي لم يجد غير القول:
«عناد عز جعله يغمض عينيه عن تجربة السجن ومرارة حبس الحرية لفترة ليست قليلة تعرض خلالها للعنات وإهانات المترددين على المحاكم، كلما أتيحت لهم فرصة مشاهدة سحنته العكرة، رغم انكساره وقتها «اللهم لا شماتة». والمنطق يقول لا بديل لابن عز عن تطليق السياسة بالثلاث، بعدما ما ذاق حلاوتها ومرارتها معا، وأن يظل في الركن البعيد معترفا بفشله في العمل السياسي متفرغا لإدارة مصانعه، لكن عناده يزين له عدم ترك أضواء السياسة لتحرقه من جديد. سيطرة وباء العناد على عز جعله ينسى مؤقتا القضايا المتهم فيها بالتربح والإضرار بالمال العام وغسيل الأموال واحتكار الحديد، التي ستعاد محاكمته فيها قريبا ليبدأ رحلة البحث عن الحصانة متوهما أنها ستقف حجر عثرة وتحول بينه وبين العدالة».
وعبد اللطيف يستعين بحوار جرى في مسلسل إذاعي منذ أكثر من أربعين سنة اسمه تاج الجزيرة بين القاضي وأحد شهود الزور عندما قال له: «مال وشك أصفر واخضر كده يا عكر».
الانتماءات القبلية والعائلية
تضمن عودة رجال مبارك للبرلمان
وإلى الانتخابات والتوقعات حيث نظل في مجلة «المصور» لنكون مع زميلنا عزت بدوي الذي توقع تحقيق فلول مبارك فوزا ملموسا بقوله: «المتابع للمشهد الانتخابي الآن يدرك للوهلة الأولى أن برلمان 2010 الذي ثار ضده المصريون، وكان سببا مباشرا في إسقاط نظام مبارك عائد بقوة في 2015، فالوجوه هي الوجوه ذاتها والقيادات هي القيادات في جميع محافظات مصر، فلم يقتصر الأمر على أمين عام الحزب الوطني المنحل ومهندس انتخابات برلمان 2010 وإنما الغالبية العظمى من قيادات الحزب الوطني المنحل، سواء في القاهرة أو الوجهين البحري والقبلي أو حتى مدن القناة.
لم يتخلف عن الركب من قيادات النظام السابق سوى الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب الأسبق، وزكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية الأسبق. الصندوق لا يفرز دائما الأفضل او الأحسن ما دامت هناك بعض الاعتبارات التي لا تحقق تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين في الانتخابات، وأي انتخابات سواء محلية أو برلمانية أو رئاسية، فما زال للمال السياسي والعصبيات والبلطجة دورها الحاسم في أي انتخابات في ظل الحاجة والعوز والفقر المتفشي في ربوع مصر.
إن الكثير من رموز الحزب الوطني السابق ينتمون إلى عائلات وعصبيات قبلية لها نفوذها، تضمن لهم عودتهم من جديد تحت قبة البرلمان، وغسيل سمعة العائلة مما لحق بها من انتمائها السياسي السابق، لكن إذا كان من حق رموز نظام مبارك السابق السعي لاسترداد نفوذهم وسلطانهم، فإن تشرذم الثوار واختلافهم وتمزقهم وعدم اتحادهم، والذي ساعد من قبل الإخوان على اختطاف الثورة، تعد أبرز الأسباب التي شجعت رموز وقيادات نظام مبارك السابق على السعي لاسترداد مكانتهم واستعادة سلطتهم والتشريع للدولة المصرية الحديثة، فهل يضع نظام مبارك السابق تشريعات الدولة المصرية الحديثة التي قامت على أنقاض نظامه.. أم هل يسن نواب نظام مبارك السابق التشريعات التي تعاقب وتحاكم الثوار الذين أطاحوا به؟».
السذاجة في قبول المرشحين لم تعد موجودة
وإزاء هذه النظرة المتشائمة كانت هناك وجهة نظر مختلفة، إذ قال زميلنا في مجلة «آخر ساعة» طارق فودة: «في صعيد مصر وفي مدن مصر يعرفون ما هي هذه الأسماء التي فرضت عليهم، وعلقت صورها حتى قبل موعد الإعلان الرسمي. كل هؤلاء ربما لا يعرفون أن الناس تغيرت وأن المسألة أصبحت أكثر صعوبة من ذي قبل، المغريات التي كانت تطرح من قبل لم تعد مغريات، والسذاجة في قبول المرشح هنا أو هناك لم تعد باقية، ولا حتى الحاجة إلى هذا المرشح أو ذاك أصبحت ملحة، لأن الدنيا تغيرت، والقوانين تغيرت وتتغير وفرصة هذا المرشح أو ذاك لم تعد قائمة كما كانت من قبل الثورات، التي مر بها أبناء مصر واحتكاكات الميادين والأصوات المرتفعة في الشوارع. الناس تغيرت وهذا ما سيدفع كل الذين يدخلون إلى أروقة البرلمان إلى أن يتحالفوا مع بعضهم بعضا داخل هذه الأروقة وليس خارجها حتى يستطيعوا ربما أن يفعلوا أفضل داخل أروقة البرلمان لصالح أبناء مصر».
ارتفاع معدلات الوعي بين المواطنين
والرأي نفسه كان لزميلنا في «الأخبار» محمد الهواري الذي أكد يوم الأربعاء: «الفرصة متاحة في هذه الانتخابات لفوز أكبر عدد من الشباب والنساء في ظل هذه المعارك الحربية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لو تم التخطيط الجيد للشباب وأظهروا إخلاصا حقيقيا في حل مشاكل المواطنين والرغبة في بناء مصر الجديدة، ودعم إقامة مشروعات تنموية توفر فرص العمل لشبابنا. إن الأموال التي يسعى البعض لإغداقها على الناخبين لن تكون بالتأثير نفسه كما كان في الانتخابات السابقة، بعد ارتفاع معدلات الوعي بين المواطنين ورغبتهم في انتخاب برلمان قوي يساند حقوقهم ويدعم تحقيق أهداف ثورتي 25 يناير/كانون الثاني و 30 يونيو/حزيران في العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية وتوفير الحياة الحرة الكريمة للأسرة المصرية».
تدني فرص حزب النور في حصد
ما حصل عليه في انتخابات 2011
وبعيدا عن فلول الحزب الوطني وشباب الثورة فضل زميلنا أحمد كامل البحيري الاهتمام بحزب النور السلفي وقال عنه في يوم الأربعاء نفسه في جريدة «المقالة» اليومية المستقلة: «لن يحقق حزب النور نتائج شبيهة بما حصل عليها في انتخابات برلمان 2011، ترتبط الإجابة بإشكاليتين الأولى: المعضلات القائمة من حيث وجوب تمثيل المرأة والأقباط، التي أقر النظام الانتخابي بضرورة وجود نسب لهما في القوائم الانتخابية وقدرة الحزب على تحقيق شروط تمثيل القائمة. والثانية تراجع نفوذ حزب النور في السيطرة على الكتل السلفية لانضمام الكثير من القاعدة السلفية إلى الخط السياسي لجماعة الإخوان المسلمين بعد 30 يونيو/حزيران، وانطلاقا من ذلك نجد تدني فرص حزب النور في حصد نسبة كبيرة أو حتى قريبة مما حققه في انتخابات برلمان 2011. يمكن القول بضعف قدرة تيار الإسلام السياسي في تحقيق نتائج شبيهة بما حققه في الانتخابات البرلمانية السابقة 2011، وهذا يرجع في المقام الأول إلى انحسار القاعدة الشعبية الداعمة له بعد ثورة 30 يونيو/حزيران.
لم ينفذ حكم واحد بالإعدام ضد أي متهم
وإلى المعارك والردود المتنوعة التي يضرب أصحابها في كل اتجاه لا يلوون على شيء، حيث شن يوم الثلاثاء زميلنا وصديقنا في «الوفد» رئيس تحريرها الأسبق عباس الطرابيلي هجوما على بطء المحاكمات للإرهابيين وعدم تنفيذ حكم إعدام واحد حتى الآن بقوله في عموده اليومي «هموم مصرية» وهو يقارن ذلك بثورة 23 يوليو/تموز سنة 1952: «القضايا المتهم فيها تقول كل القرائن إنه هو مرتكبها بالصوت والصورة، ثم أيضا باعترافه نفسه بارتكابها، ومن ذلك الشاب الملتحي الذي رفع علم «القاعدة» وألقى الصبية من فوق سطح العقار المشهور في سيدي جابر بالإسكندرية.
إذ بعد عشرين يوما من قيام الثورة، أي صباح 12 أغسطس/آب 1952، وبينما كان العمال يغادرون مصانع كفر الدوار، انتشر ضجيج وصفير تحول إلى شغب لم يعرف له سبب وفي دقائق كانت ألسنة النيران تمتد إلى كل شيء، مكاتب الإدارة والسيارات والعمال، وقتل المتظاهرون جنديا من الشرطة وأصابوا خمسة من العمال. وفي صباح اليوم التالي اقتحم العمال المصنع بالقوة يحملون الهراوات وجذوع الأشجار.
هنا قرر مجلس الوزراء برئاسة علي ماهر باشا تشكيل مجلس عسكري عالي المستوى له كافة السلطات لمحاكمة المسؤولين، ولم تستمر المحاكمة طويلا، إذ صدر الحكم في يوم 18 أغسطس أي بعد حوادث الشغب بعدة أيام، وقضت المحكمة بإعدام محمد مصطفى خميس زعيم الفوضويين، وزميله محمد حسن البقري، ونفذ عليهما حكم الإعدام بعد ساعات في سجن الحضرة في الإسكندرية، فاستتب الأمن والنظام في المنطقة كلها وغيرها. نقول ذلك اليوم وتعالوا نحسب كم شهرا مرّ على أحداث الإسكندرية، وكم مثلها مرّ كثير من الجرائم ولم ينفذ حكم واحد بالإعدام، وأقولها بكل صدق، علينا أن نتوقع مزيدا من العمليات الإرهابية طالما كما تقول الأمهات لم ينفذ حكم واحد بالإعدام ضد متهم واحد تلك هي القضية».
وخميس والبقري كانا شيوعيين وقال خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو وكان وقتها ماركسيا، إن المجلس صدق على حكم الإعدام بينما اعترض عليه هو وخالد الذكر. وذكر ذلك في كتابه «الآن أتذكر» الذي صدرت طبعته الأولى عن حزب التجمع اليساري، الذي كان يرأسه، أطال الله عمره ومتعه بالصحة، فقد تميز طوال حياته بالصدق والأمانة والتمسك بما آمن به، وكان رغم ماركسيته مؤمنا ويطلق عليه الحاج خالد، وكان أقرب أصدقائه إلى قلبه الحاج زين السماك وهو من المتصوفين في مدينة الإسكندرية وانضم إلى التجمع.
طهران تملك مشروعا توسعيا في المنطقة
أما ثاني المعارك فكانت في «أخبار» الأربعاء لأحد مديري تحريرها زميلنا وصديقنا أسامة عجاج، الخبير في الشؤون العربية، الذي قال وهو يتنهد في حسرة على ما آل إليه حال أمتنا العربية: «عاشت المنطقة العربية منذ قيام ثورة يوليو/تموز 1952 في ظلال الحقبة الناصرية، يومها تحولت مصر إلى الدولة النموذج والقاهرة إلى عاصمة القرار العربي. لم تسع القاهرة لهذا الدور ولم تستجده من أحد ولكنها أحكام التاريخ وتضاريس الجغرافيا وطبيعة المشروع الوحدوي والقومي والاجتماعي، الذي طرحه جمال عبد الناصر. وسواء اختلفت أو اتفقت معه فقد أحاطت به الجماهير العربية وتحول إلى المنقذ من الاحتلال ومن الفقر والمرض، ولكن سرعان ما انتهت تلك الحقبة بعد أن تكالبت دول الغرب على المشروع الناصري، لتكرس الحقبة السعودية التي بدأت منذ الموقف التاريخي للملك فيصل من حرب 1967 وقطعه إمدادات النفط وارتفاع أسعاره إلى مستويات غير مسبوقة، من يومها تحولت الرياض إلى مركز القرار العربي. قد نتفق أو نختلف مع نتائج كلتا الحقبتين، ولكنك أمام اجتهاد عربي خالص من زعامات عربية معتبرة في دول محورية مثل، مصر والسعودية، وهو الأمر الذي يختلف جذريا مع تبعات المرحلة الإيرانية، خاصة أن طهران تملك منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 مشروعا توسعيا في المنطقة يعتمد، وهنا مكمن الخطورة، على وجود أقليات تنتمي إلى المذهب الشيعي، خاصة في المشرق. وعلى الرغم من أنهم في بداية الأمر ونهايته جزء من نسيج تلك الشعوب، إلا أن الشعور السائد هو وجود علاقة عضوية بين طهران وأحزاب وتيارات سياسية مثل، حزب الله في لبنان والوفاق في البحرين وأنصار الله في اليمن وحزب الدعوة وغيره في العراق».
المطلوب إعادة هيكلة جزئية تستهدف أجهزة الدولة
وثالث معارك تقرير اليوم ستكون من «التحرير» في يوم الأربعاء نفسه لزميلنا أحمد الصاوي وقوله محذرا النظام من ثورة مقبلة: «لا شك عندي في أن موجة تغيير كبرى مقبلة، بعد أشهر بعد سنوات، لا يهم توقيتها قد آن أن يفهم الجميع أن هذا الطريق لا نهاية له سوى الانفجار، وأمام السيسي خياران لا ثالث لهما، إما أن تأتي الثورة به فيثور على نظامه، كما نصحه هيكل بحزمة إصلاحات، وإعادة هيكلة جزئية تستهدف أجهزة الدولة مع إرساء حقيقي لدولة قانون للجميع، وعلى رقاب الجميع لا ينفذ منها أحد، أو فلينتظر ثورة عليه لان تلك هي المحطة المنطقية المقبلة. ولا يتصور لحظة أن تخويف الناس من التغيير يمكن أن يؤمنه من مصير السابقتين حتى وهو يسير أبعد من خطاهم في الاستهانة بالشارع، هذا طريق واضح ومجرب ومغرضون من يحاولون إقناعك بأنك يمكن أن تسير في الطريق ذاتها ولا تصل إلى النهاية ذاتها».
كان عليكم أن تدخلوهم الإستاد لا أن تقتلوهم
أما رابع المعارك فصاحبها سيكون نيوتن صاحب وجدتها.. وجدتها في «المصري اليوم» إذ قال يوم الأربعاء في عموده اليومي عن مأساة مقتل تسعة عشر من مشجعي نادي الزمالك، أثناء التدافع والهروب من قنابل الغاز التي أطلقتها الشرطة لمنعهم من دخول إستاد الدفاع الجوي بدون تذاكر: «ما حدث في مباراة الزمالك – أنبي لا يجب أن يمر مرور الكرام أبدا، يجب أن يدفع الثمن كل من كان له دور.. يجب أن يؤدي ما عليه لا أقول محاكمة على الأقل استبعادا واحتجابا، مَنْ قَبِل بدخول الجمهور.. من بشر بذلك من وزع التذاكر من تجاهل جمهور ناديه ووضع المشجعين في ورطة.. من لم يفتح الأبواب لدخول الجميع من خانته الفطنة ومن أخذته العزة بالقنبلة حتى لو كانت مسيلة للدموع .. أما ما يندى له الجبين فهو محاولة إلصاق هذه التهمة للمحتجزين في السجون، عيب وعار أن نختبئ وراءهم أو نتهم مجموعة من المشجعين بأنهم من الإخوان. موضوع الإخوان له جبهاته في سيناء وفي التفجيرات هل يمكن أن ننسب إليهم أنهم سبب الاختناق المروري.. أم العاصفة الرملية.. كل شيء له حدود، ولكن النذالة المصيبة. بعد كل ذلك أن المباراة تمت بنجاح والنتيجة 1-1 هم أولادنا أولا وأخيرا كان عليكم أن تدخلوهم الإستاد لا أن تقتلوهم».
وفي العدد نفسه قام زميلنا الرسام الكبير عبدالله بدعم ما قاله صاحبه نيوتن فكان رسمه عبارة عن شماعة اسمها الإخوان.
الكبار لا يقدمون قدوة حسنة للشباب ليسلم بهم كقادة
صاح بعدها مباشرة في «الوطن» مستشارها وأستاذ الإعلام في جامعة القاهرة الدكتور محمد خليل في عموده اليومي «وطنطن» بقوله: «يلوم المحرضون هذا الشباب لأنه لا يسمع ولا يحترم ولا يرضخ لقيادة الكبار، رغم أنهم لا يمنحونه لسانا ولا أذنا ولا عقلا قادرا على الإفهام والاستيعاب، ولا يقدمون له قدوة حسنة تجعله يسلم بهم كقادة .الآن يبحث المحرضون عن أي دليل ينفي شبهة المشاركة في إراقة هذه الدماء، مرة بإلقاء تهمة المذبحة على الإخوان أو على حركة السادس من إبريل أو الإهمال أو التدافع أو التذاكر. وقبل أن نترك هذه القضية إلى غيرها ومع رفضنا التام لتوجيه أي اتهام لأي جهة قبل أن تبدأ النيابة تحقيقاتها ومعرفة ما حدث فإنه للأسف هناك منطق عجيب عندما يطالب البعض بالسماح لمن يحملون تذاكر للدخول ومشاهدة المباراة في الملعب شأنهم شأن من دفعوا من حر مالهم مع ما في ذلك من عدم مساواة وفرض بلطجة وتحد للقانون، ثم ما علاقة الشغب في الملاعب وغيرها بالنظام السياسي في مصر وداخل أكبر الديمقراطيات في العالم «بريطانيا» مثلا تقع حوادث أعنف من الجمهور».
محاولة لفهم تخفيض سعر الجنيه
وأخيرا إلى جريدة «الشروق» عدد أمس الخميس ومقال الخبير والباحث في الاقتصاد السياسي عمرو عادلي عن تخفيض سعر الجنيه وما سيترتب على ذلك من آثار يقول: أثارت قرارات البنك المركزي المصري الأخيرة بتخفيض سعر صرف الجنيه في أسبوعين تقريبا من 715 قرشا للدولار الأمريكي إلى 7.63 قرش، الكثير من المخاوف والتساؤلات، فهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها اتخاذ خطوات متتالية ومتقاربة إلى هذا الحد بتخفيض الجنيه، في مواجهة الدولار منذ 2011، ما أدى لإثارة المخاوف من انهيار العملة الوطنية وما يترتب على هذا من إطلاق عنان التضخم، خاصة أن مصر مستورد صاف للنفط ومستورد صاف للغذاء، ومن ثم فمتوقع أن ينعكس انخفاض سعر الجنيه على شرائح اجتماعية واسعة، بالإضافة إلى أن القسم الغالب من الواردات المصرية هو من مدخلات الإنتاج من مواد خام وسلع أولية ووسيطة ورأسمالية ما قد يؤدي لرفع الأسعار عامة.
فهل كان انخفاض الجنيه على هذا النحو نتيجة ربما حتمية لانخفاض الاحتياطيات الدولارية، مع غياب معونات خليجية كبيرة في السنة المالية الجارية، خلافا للعام الماضي؟ أم أن هذه خطوات محسوبة تتعلق بمحاولات المركزي تنشيط الاقتصاد المصري وتهيئة مناخ الاستثمار قبيل مؤتمر مارس/آذار المقبل، والمعول عليه كثيرا من جانب الحكومة لجذب رؤوس أموال ضخمة تجر الاقتصاد المصري من تباطئه الشديد منذ 2011؟
يبدو أن قرار المركزي بتخفيض سعر صرف الجنيه قد أتى في هذا التوقيت وبهذه الوتيرة استباقا لمؤتمر مارس، بغرض تخفيض مخاطر تحويل العملة، خاصة أن المؤسسات المالية العالمية تعتبر أن قيمة الجنيه مبالغ فيها وأن تخفيض ما يلزم منذ فترة طويلة، كما أن تخفيض سعر الصرف على هذا النحو المفاجئ والكبير نسبيا (حوالى 6.4٪) يأتى لضرب السوق السوداء، وهو ما ظهرت آثاره في الأيام القليلة الماضية في عدم صعود سعر الدولار في السوق السوداء وتقاربه مع السعر الرسمي، خاصة مع قرار تخفيض سقف الإيداع اليومي من الدولار في البنوك، وكلها إجراءات تستهدف توفير سيولة دولارية في المصارف ومن ثم في السوق الرسمية، ومن ثم الدفع بجهود إعادة توحيد سعر الصرف الفعلي مرة أخرى، ويضاف لهذا وذاك أن قرار التخفيض قبيل مؤتمر مارس يأتي استجابة لتوصيات المؤسسات المالية العالمية، وخاصة صندوق النقد الدولي، وهو ما يتماشى مع عودة تصدر هذه المؤسسات لمشهد السياسات المالية والنقدية في مصر عشية المؤتمر في إشارة إلى استقرار سياسات الحكومة الاقتصادية الكلية، وتماهيها مع التصورات الليبرالية التي تطرحها المؤسستان كاحتواء العجز في الموازنة، من خلال إجراءات تقشفية وتخفيض التضخم وسعر الصرف، وكلها تصب في نهاية المطاف في إضفاء قدر من الثقة واليقين على سياسات الحكومة المستقبلية أمام المستثمرين الأجانب…
يظل هناك عنصران رئيسيان متصلان بأثر قرارات تخفيض الجنيه الأخيرة، الأول منهما هو فرص نجاح مؤتمر مارس في إطلاق عملية جذب لرؤوس أموال استثمارية في المدى المتوسط ما يفتح السبيل أمام استعادة النمو والتشغيل من ناحية، وزيادة الاحتياطيات النقدية الدولارية وتحسين وضع ميزان المدفوعات من ناحية أخرى، وهو أمر ينبغي الانتظار للحكم عليه كونه يرتهن بمجمل الوضع السياسي والأمني في مصر، وقدرة الحكومة على متابعة تبني الإصلاحات التشريعية والاقتصادية التي يراها رأس المال الأجنبي محل جذب ودليلا على الالتزام بتهيئة المناخ اللازم للاستثمار.
وأما العنصر الثاني فهو قدرة السياسات الاجتماعية على امتصاص الأثر التضخمي لتخفيض سعر الصرف والتقليل من آثاره على الفئات والشرائح الاجتماعية الفقيرة أو المعرضة للإفقار، ولا يكون هذا إلا من خلال التوسع في دعم الغذاء وإعادة هيكلة دعم الوقود، بما يكفل بالفعل التقليل من مخاطر خفض مستويات المعيشة للقاعدة العريضة من الطبقات المتوسطة والفقيرة في الريف والمدن، خاصة أنه بالتخفيض الأخير فى سعر الجنيه يكون الجنيه المصري قد فقد حوالي 29٪ من قيمته منذ مطلع 2011، وهي نسبة ولا شك معتبرة وذات أثر».
حسنين كروم