دعوة للتطهّر والتطهير في «غيثة تقطف القمر» لـ زهور كرام

حجم الخط
0

تطلّ زهور كرّام على القارئ العربي براوية تحمل عنوان «غيثة تقطف القمر»، عبر حلم رومانسي بانتصار العدل على الظلم، والنور على الظلام، حلم رومانسي تدحضه، من دون أن تستطيع هزيمته، الوقائع المفزعة التي تشهدها بيئة الرواية، وتحيل إليها. فثمة وطن يصبح بفعل الفساد والإفساد بيئة نابذة لمواطنيه، وثمة مغترَب يفتح شدقيه مثل غول، ليبتلع العاطلين عن العمل والمعطّلين عن الأحلام.
غيثة التي تقطف الجمر تجتهد في أن تقطف القمر، وإذا كانت الوقائع لا تشي باقتراب موسم القطاف، فهي تؤكّد أنها ما تزال تمدّ يدها لتفعل، وتحقق أول إنجازاتها في محاربة الفساد عندما يطالب موقع (السيد السيدا) بسرعة محاكمته، مستندة إلى قوة دافعة هي الحب الذي تقيس به عمرها، ويمنحها قوة هائلة، وكأني بزهور ترغب في أن تؤكّد فكرة الانتصار بالحبّ، من العتبة الأولى التي نظنّها إهداء للجيل الجديد «قطر الندى وشادي»، وعبر اللقاء الأول بين غيثة والقارئ، الذي يعوّل عليه معرفة الحب، ليستطيع من ثمّ الدفاع عن الوطن، كما تقول في العتبة الثانية.
وتبدو العلاقة مع المكان الخاص متغايرة بين الجيلين اللذين ترصدهما الرواية، الجيل الجديد الذي سرعان ما يفكر ببيع البيوت، وجيل الكبار الذي يتمسك بها، غير أن الجيل الجديد الثائر ضد الفساد يقف موقفاً مختلفاً حين يتعلق الأمر بالمكان العام، فغيثة تقف موقفاً سلبياً من إزالة آثار البلد بحجة التطوير موقفها من Driver mall، كما تقف ضد فكرة الهجرة؛ لذلك تنصح أخاها أن يناضل داخل حدود الوطن، وتلقي عليه بحكايات الجثث المرمية في شوطئ إسبانيا، فهي ترى أن الوطن للجميع، بينما بقي عمر الذي يحبّ البقاء داخل حدود الوطن عاجزاً عن أن يقرن القول بالعمل.
ويشار هنا إلى أنّ كرّام اهتمت بتأثيث فضاء الرواية بالروائح، على خلاف ما نرى في عموم السرد العربي الذي يهتم بجغرافية المكان، وهي تذكّر بالروائي الأردني غالب هلسا من حيث الاهتمام بالرائحة، ولعل من الطريف أن تَجْعل أنف غيثة شخصية شبه رئيسية قادرة على تقصّي الروائح بمختلف أنواعها، مذكّرة بأنف ابن حرب الذي قال عنه ابن الرومي:
لك أنفٌ يا بنَ حربِ أنِفَـتْ منـهُ الأنـوفْ
أنتَ في القدسَ تصلّي وهو في البيتِ يطوفْ
ولعلّ أزمة الراوية ناتجة عن ذلك الأنف الذي ترى غيثة أن من حقها استعماله، وإن كانت تعبّر في بعض الأحيان عن سخط أوديبي على هذا الأنف الذي يقودها إلى المعرفة والهم والحزن، فتعبّر عن ذلك قائلة: «أيتها الشمس جففي الرطوبة، أبعدي عنّي أنفي، اطرديه، سيجرّني إلى التهلكة».
ومن واقع هذا الاهتمام يفرز السرد سياقات كثيرة ذات علاقة بالرائحة، فحين تصاب ليلى ابنة الجيران بالسيدا تبقى حبيسة الغرفة، وإذ تدخل غيثة تلسعها «حرارة لها رائحة متعفّنة»، وحين يقرأ خالد في شريط الأخبار خبر اعتقال غيثة تجتاحه رغبة قوية في أن يضمّها ويقبّلها ليشمّ «رائحة عنادها»، وغير ذلك كثير.
ويأتي اللون ليضفي على تأثيث الفضاء بعداً واقعياً حيناً ورمزياً في معظم الأحيان، فغيثة تعشق اللون الترابي الذي يرمز للوطنية، وتستعين بالأصفر لوصف هزال ليلى فقد «كانت ليلى صفراء مثل القيح». وتصور الموت الذي يعلن عن نفسه بصخب حيث تشير إلى أن الكراسي، قبل خروج جنازة الأم اصطفت «باللونين الأزرق والأحمر»، بينما تأخذ من الغراب لونه في سياق يفيد بتداخل الحواس، بعد ذلك الموت: «أتدحرج في الدهليز، وأسمع صوتاً يأتيني بلون الغراب»، لتضع، من ثمّ، اللون الأبيض في إطاره التقاطبي الذي يعبّر عن الموت ونقيضه، فتقول عن وجه أمّها: «الأبيض الذي صبغ وجهها ليس كالأبيض الذي ناديتُ ذات مقالة أن يكون رهاناً ضد الفساد (…) أبيض برائحة الكفن»، وهي ها هنا تذكّر بنسق شعري مشهور لأمل دنقل: «كلّ هذا البياض يذكّرني بالكفن!»
أما بالنسبة لزمن السرد فإن السرد الأول يبدأ مع خروج غيثة من السجن، ويتقدم مرة ويتأخر مرات، ليعيد لملمة الحكاية من بدايتها، عبر استرجاعات تعود إلى ما قبل زمن القبض على غيثة عند مدخل جريدة «الفترينا»، كما أن هناك انتقالات مكانية من مقطع إلى آخر، وانتقالات تجري حتى داخل المقطع الواحد، مستثمرة الإمكانات التي يتيحها نظام السرد في إحداث التشويق الذي يعتمد حيناً على البدء من لحظة الأزمة، وأحياناً على التقطيع السردي.
وقد قدمت الرواية أحداثها عبر شخصيات ألفناها، أو لنقل عبر نماذج شخصيات لها مرجعيتها في الثقافة العربية، فعلى الصعيد السياسي الفكري ثمة نموذج للطاغية/ السيد السيدا، وثمة من يقف ضدّه/ المرأة المتمردة على واقعها متمثلة بغيثة التي تحيا بالحب وتناضل من خلاله لتغيير الوضع القائم، وثمة مثقف ثوري يتلبس في الرواية لباس العاشق: «عندما خرجت من السجن كان خالد أول المتصلين، والمباركين لحريتي». وعلى الصعيد الاجتماعي تتكرّر غيثة أيضاً بوصفها ابنةً وأختاً وحبيبة وزوجة سابقة، فيما تبنت حولها نماذج اجتماعية هي: الأب الوطني والأم الصابرة والأخ العاجز والزوج الذّكَر والصديقة المستسلمة لقدرها.
وفي لغة السرد تستخدم الروائية لغة إخبارية بشكل عام، تعبُر بها نحو الدلالات المنشودة، وقد طعّمتها بآثار المفردات التي أفرزتها الحضارة التكنولوجية، فالهاتف المحمول والرسائل النصية والسكايب والشات والتلفزيون حاضرة في الأحداث، ومؤثرة فيها، وقد أفادت الروائية من رصد البيئة الشعبية في الحي الذي جرت الرواية بين ظهرانيه، وأشارت إلى الخوف الذي يزرعه الآباء والأمهات في نفوس الأبناء، عبر الاستناد إلى حكم بالية، ورصدت العادات المترسبة في أعماق البسطاء من الناس الذين يتمسكون بأي أمل للخلاص من الظلم عبر التعلق بأصحاب الكرامات، واستعانت بالإشارات المرجعية الشعبية في كثير من السياقات، كالأمثال الشعبية والأغاني.
ولا بد من الإشارة إلى ظاهرة جلية في أسلوب السرد، وهي الاعتماد على السخرية التي تُبكي أكثر مما تُضحك، فبالإضافة إلى نقد ظاهرة النفاق الاجتماعي، ثمة إشارات إلى ضياع خبر اعتقال غيثة «بين تتابع أخبار ستار أكاديمي»، واستشهاد ستة مرشحين لهذا البرنامج اختناقاً في الغرفة الضيقة، حيث ينتظرون دورهم في المنافسة، بينما تعلن الجهات الرسمية تنكيس العلم الوطني حداداً عليهم.

* * *

أما فيما يتعلّق بالإيقاع الروائي فقد اتّخذ شكلين هما الإيقاع اللغوي، والإيقاع الموضوعي، حيث تمّ التركيز على صيغ لغوية وموضوعات محددة، وتكرارها بأشكال مختلفة، بغية حصاد الدلالة المرجوة من ذلك التكرار، وعلى الرغم من انشغال الرواية بكثير من القضايا الكبرى، فإن ثمة إيقاعات موضوعية ذات دلالات واقعية ورمزية سادت دون غيرها على ساحة المشهد الروائي، نمثّل للأولى بموضوع «الحريك»، وللثانية برمز «الماء».
لقد لعبت الروائية بلفظة «الحريك» التي تعني الهجرة غير الشرعية نحو الغرب، بما تحمله من آمال وأخطار، فأعادت المفردة إلى جذرها اللغوي، وفتّقت اشتقاقاتها، ورصدت نتائجها، فيما بدا الماء من أشدّ الإيقاعات الرمزية وضوحاً وتكراراً، على مدى معظم صفحات الرواية، فالماء رمز للتطهير والتطهّر، وتصفية الذهن من الشوائب لتحريض الذكريات العالقة.
ربما كانت غيثة تشمّ أكثر مما نشمّ، ولكنّ الروائح صارت أكثر انتشاراً من أن يمكن تجاهلها، وإذا كانت الرواية قد دعت إلى مجابهة مصادر الفساد والإفساد، فإنه يتوجب على القارئ أن يقول: لا، ولو في قلبه، وذلك أضعف الإيمان.

كاتب فلسطيني

يوسف حطّيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية