دنقلا مدينة التاريخ والحضارات القديمة في السودان

حجم الخط
1

الخرطوم ـ «القدس العربي»: على بعد 530 كيلو مترا من العاصمة السودانية الخرطوم، توجد مدينة دُنْقُلا عاصمة الولاية الشمالية على الضفة الغربية من نهر النيل، وهي من المدن القديمة في منطقة النوبة وتوجد فيها مناطق أثرية غنية بالحضارات القديمة.

مدينة الطوب الأحمر

وكغيرها من المدن والمناطق في السودان، اختلفت الروايات حول تسميتها، لكن الرواية الأقرب هي أن لفظ دُنْقُلا مشتق من الدنقل (بضم حرف الدال وتسكين النون ورفع القاف) وهو الطوب الأحمر باللغات النوبية، وسميت كذلك لأن مبانيها كانت تبنى من الطوب الأحمر على خلاف ما جاورها من أمصار مشيدة بالطين المجفف بالشمس.

دنقلا العجوز

ويطلق اسم دنقلا الآن على منطقتين: إحداهما دنقلا العجوز والآخرى دنقلا العرضي، ولكل واحدة منهما سمات وملامح. فدنقلا العجوز (القديمة) كانت عاصمة مملكة المقرة المسيحية التي انتهت بسيطرة المسلمين عليها في نحو 1323 وقد سقطت دنقلا في أيدي المسلمين عام 1317 وهي آخر مناطق النوبة المسيحية واندثرت معظم معالمها القديمة وتسمى الآن دنقلا الغدار.
ودنقلا العجوز هي آخر مناطق النوبة (الشمالية) من جهة الجنوب، وهي المدينة التاريخية القديمة، وتقع جنوب دنقلا العرضي المعروفة حاليا. وهي أول مدينة إسلامية في سودان وادي النيل، وأول مدينة وطأتها أقدام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجيوش الإسلام، وأول مدينة أقيم فيها مسجد ورفع فيها الأذان.
وتوجد في دنقلا العجوز الآثار القديمة لعاصمة مملكة المقرة المسيحية، وفيها بقايا آثار كنسية وقلعة وعدد من الأديرة، كما يوجد فيها أيضا مسجد عبد الله بن أبي السرح، وهو مسجد أثري يعتبر أول مسجد بني في السودان.

معسكر الجيش الغازي

أما مدينة دنقلا (العرضي) وتعني المعسكر بالتركية، فهي حديثة نسبيا وتم تأسيسها بعد هجرة المماليك من مصر عام 1811وتقع شمال دنقلا العجوز على الشاطئ الأيمن من النيل، واتخذها إسماعيل باشا مركزاً لجيشه إبان غزوه السودان سنة 1821. وكانت دنقلا عبارة عن مركز تجمع فيه أموال الضرائب والعشور المتمثلة في الغلال والحبوب والبهائم قبل إرسالها إلى سلطان الفونج في سنار الذي كان يحكم المنطقة. فأطلق عليها اسم «الأورطة» وهو مصطلح عسكري تركي مصري يعني الفرقة العسكرية أو مقر الفرقة العسكرية، وحرف الأهالي الكلمة إلى «الأوردى» ثم أخيراً إلى «العُرضى».

حضارات ضاربة في القدم

شهدت المنطقة حضارات قديمة واشتهرت بمعابد «أبادماك» إله الحرب والصحراء عند الكوشيين. وتعتبر مركزاً للحضارة النوبية كما يتضح من الآثار الموجودة فيها بما في ذلك الأهرام وغيرها مما تبقى من آثار اتفاقية البقط (المسجد) التي أبرمت مع المسلمين العرب في مصر.
وفي القرون الوسطى كانت دنقلا عاصمة لمملكة المقرة المسيحية في السودان، وكان موقعها على بعد 80 كيلومترا من ضفة النيل في المنطقة المعروفة حالياً بدنقلا العجوز. وقد وردت في مقدمة ابن خلدون كمدينة على ضفة النيل.
ووردت دنقلا في كتابات الرحال الإنكليزي جون لويس بوركهارت الذي زار المدينة في 1814 وقدم وصفاً لها. دانت دنقلا لحكم الأتراك وفي عام 1885 كانت واحدة من أربع مديريات (محافظات) أسسها الأتراك في السودان وعين عابدين بك أول حاكم تركي لها.

«دنقلا ستار»

وعند الغزو الإنكليزي للسودان، في سنة 1899 احتلت فرقة انكليزية المنطقة وحولتها إلى مركز متقدم لجيش الغزو البريطاني المصري بقيادة كتشنر باشا، حيث تم تجميع الرجال والعتاد والإمدادات. وكان كتشنر قائد الحملة يرسل منها تقارير حملته إلى بريطانيا وصدرت فيها أول نشرة صحافية باللغة الإنكليزية باسم «دنقلا ستار» لتغطية أخبار تقدم الجيش الإنكليزي المصري في السودان.
واختار الإنكليز دنقلا عاصمة إقليمية، وأقام فيها مفتش المديرية، وكان يقطن في سراي المديرية التي لا تزال قائمة ولكن تم تحويلها إلى مدرسة ثانوية للبنات.

محطة قوافل الحجاج

وفي منتصف القرن التاسع عشر بلغ سكان دنقلا 6 آلاف نسمة، وكانوا يمارسون الزراعة على ضفاف النيل باستخدام السواقي لريّ الأراضي، وتحولت المدينة في تلك الفترة إلى محطة استراحة لقوافل الحجاج القادمة من دارفور إلى مدينة سواكن فالأراضي المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة.

الدناقلة والفلاليح

ويقطن في المدينة «الدناقلة» (المفرد دنقلاوي) نسبة إلى دنقلا، ويتحدثون باللغة النوبية المعروفة باللهجة الدنقلاوية، إلى جانب الفلاليح (المفرد فلحنجي) وبعض الأسر المسيحية المنتمية إلى الطائفة القبطية، وغيرهم من السودانيين على مختلف ثقافاتهم ولغاتهم ويشكل الجميع النسيج الاجتماعي لمدينة دنقلا الحالية.

إنسان دنقلا البسيط

ويقول علم الدين حامد، المستشار السابق لوالي الولاية الشمالية وهو خبير إعلامي، إن دنقلا تتميز بإنسانها البسيط المتمسك بالأرض والمرتبط بها وبتاريخها العريق. ويضيف أن الحرفة الأساسية لإنسان دنقلا هي الزراعة التي استفاد فيها من آلات نوبية خاصة الساقية، ولأن المنطقة تقع على النيل وتضم العديد من الجزر كانت الزراعة هي حياتهم، وتطورت مع مرور الوقت لتستبدل الساقية بالطلمبات الحديثة.
وتوجد في دنقلا المكاتب الحكومية الرئيسية في الولاية، ومطار دولي ومستشفى كبير ومدارس عدة، وتضم رئاسة جامعة دنقلا وتلتف حولها مجموعة من القرى والبلدات وتعتبر سوقا رئيسيا للمنتجات المحلية وتلك الآتية من الولايات الأخرى.

تمور وتوابل وفواكه

وتعتبر الزراعة الحرفة الرئيسية لسكان المنطقة، حيث تتميز الأراضي بالخصوبة خاصة على ضفاف نهر النيل وفي الجزر النيلية وكذلك الأراضي المرتفعة، ومن المحاصيل الرئيسية، القمح والفول المصري والبقوليات والتوابل والفواكه والتمور التي اشتهرت بها الولاية.
ويقول علم الدين: «التركيبة السكانية اختلفت الآن، فقد توافدت إلى المنطقة مجموعات سكانية من مختلف مناطق السودان وعملت في التجارة وغيرها وساعد على ذلك إنشاء الطريق المعبد والكوبري الذي ربط بين الضفتين ويمر بها المسافرون إلى القاهرة وغيرها من مدن الشمال».

تمازج سكاني

وتعتبر ﺍﻟﺪﻧﺎﻗﻠﺔ القبيلة ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻄﻘﺔ وتوجد ﻛﺬﻟﻚ ﻘﺒﺎﺋﻞ أﺧﺮﻯ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﻭﺍﻟﺸﺎﻳﻘﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺲ ﻭﺍﻟﺒﺪﻳﺮﻳﺔ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ. وتوجد فيها الكثير من العائلات ﻣﻦ أﺻﻮﻝ ﻣﺼﺮﻳﺔ وهم من ﺗﺠﺎﺭ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻓﻴﻦ، لكن هاجر الكثيرون منهم إلى العاصمة وغيرها من مدن السودان الأخرى.
ويرى حامد، أن المنطقة تعد من المناطق الأثرية المهمة في السودان، بل في كل بلاد النوبة، ولكن تحتاج إلى مزيد من الجهود من الحكومة المحلية لجذب السياح منتقداً خلو المناهج التعليمية من التركيز على التعريف بحضارة وتاريخ دنقلا. ويضيف أن قناة «الشمالية» الفضائية ساهمت في التعريف بالمنطقة داخليا وخارجيا الأمر الذي أسهم في انتعاش السياحة والاستثمار.

منطقة أثرية مهمة

تقع دنقلا في منطقة غنية بالآثار القديمة لمختلف الحضارات السودانية القديمة كالحضارة النوبية حيث توجد عدة أهرام وتماثيل ومعابد، وآثار مملكة المقرة المسيحية، وآثار المسلمين المتمثلة في مسجد دنقلا.
ومن أهم المناطق الأثرية: الآثار النوبية القديمة في دنقلا العجوز، ومنطقة كرمة البلد التي تبعد 45 كيلومترا من دنقلا وتشمل الآثار النوبية وقلعة الدفوفة الأثرية ومتحف كرمة الذي يضم عددا من تماثيل الملوك، وجزيرة صاي التي تبعد حوالي 330 كيلومترا من المدينة وفيها آثار ما قبل التاريخ، ومنطقة القعوب الواقعة على بعد 45 كيلومترا غرب دنقلا وفيها مياه عذبة ورمال ساخنة تستخدم للعلاج عن طريق دفن الجسد في الرمال، ومنطقة العفاض غرب دنقلا وتشتهر بكثرة الكثبان الرملية وواحة سليمة في وسط الصحراء.

كنيسة دنقلا العجوز

ومن أبرز مناطقها الأثرية الغدار الحالية وهي جـزء من مدينة دنقلا العجـوز التاريخية التي كانت حضارة مملكة النوبة السفلى التي تمددت آنذاك من الشلال الأول وحتى الشلال الرابع، وتضم آثار دنقلا العجـوز الحالية وهـي كنيسة دنقلا العجوز وجبل القدار ومقابر شيوخ التسعة والتسعيـن والقباب المتراصة.
وألف عنها الكاتب وليم أدامز كتابا ترجمه إلى العربية الدكتور السوداني محجوب التيجاني محمود، أستاذ علم الاجتماع وقال إنه «أهم وأشمل كتاب عن تاريخ الممالك النوبية القديمة في شمال السودان والسودان ككل منذ نشأة الحضارة الإنسانية حتى بداية عهدنا الحالي». وأشار في مقدمته إلى ان المؤلف مكث في شمال السودان سبع سنوات برفقة زوجته وقام خلالها باكتشاف وتسجيل ما يزيد عن ألف موقع أثري.

ماض يضج بالروائح والألوان

ويعقد الكاتب سيف الدين عبده مختار مقارنة بين الماضي والحاضر في دنقلا قائلا: «لم تعد تلك المدينة الحالمة التي كان تجارها يبسطون موائدهم العامرة بأصناف الأطعمة التي لم تعرفها مدن السودان الأخرى، ولم تعد رائحة الرغيف البلدي تفوح من بيوتها العريقة، وروائح الند والبخور تعبق في المتاجر الممتدة التي تحولت الآن إلى أكشاك متداخلة تعج بالناس الهائمين بين أزقتها دون هدف، ولم تعد تلك الأصوات التي كانت ترتفع من الباعة وهم يستخدمون لهجة أهل دنقلا المحببة».

موسيقى أصوات الباعة

ويستمر مع عبق الماضي: «فمن منا لا يتذكر بائع الطعمية وهو ينادي (الطعمية، تفتح النية، تخلي العجوزة صبية) أو القفشات الصادرة من الجزارين وهم يدعون المارة للشراء من ذبيحتهم التي كانوا يطوفون بها أرجاء السوق في الليلة السابقة لذبحها، يتبعهم الأطفال والمتطفلون وهم يرددون بأعلى أصواتهم «الجاموسة حلوة عروسة، الجاموسة حلوة عروسة» وصيحات الجمهور في سينما عمر أبو الحسن «شي لله يا سادات ويا ويكه الحجارة جات» تعبيرا عن غضبهم لتقطع عرض الفيلم، قبل أن تستبدل أجهزة العرض السينمائي بأخرى حديثة.

تقاليد راسخة

ويضيف واصفاً دنقلا أنها أحاطت نفسها بسياج قوي من العادات والتقاليد، «فهي مدينة متدينة، وهنالك نساء في دنقلا لم يرين السوق في حياتهن، فمن العادات المرعية ان لا تذهب المرأة إلى السوق مهما كان السبب، والمرأة التي يشتري زوجها الخبز من السوق تكون قد أتت بذلك أمرا عظيما في عرف أهل دنقلا».

شخصيات تاريخية

وقدمت دنقلا للسودان العديد من الشخصيات التاريخية بدءا من الإمام المهدي المولود في جزيرة لبب وهو مؤسس دولة المهدية، ومنها الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري والقائد العسكري عبد الرحمن سوار الذهب قائد ثورة نيسان/أبريل 1985 وهو أول جنرال عسكري يسلم الحكم لحكومة مدنية.

دنقلا مدينة التاريخ والحضارات القديمة في السودان
حكمها المسيحيون والمسلمون
صلاح الدين مصطفى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية