تولوز (فرنسا) ـ «القدس العربي» من راشد عيسى: بدأت في مدينة تولوز الفرنسية أخيراً الدورة الثالثة من تظاهرة «سينما فلسطين» التي تنعقد سنوياً في المدينة الوردية (نسبةً للّون الطاغي على عماراتها)، تلك التظاهرة التي تجهد لترسيخ نفسها كإحدى النوافذ على فن يشهد ازدهاراً فلسطينياً ملحوظاً، قياسا بالفنون الأخرى، وكذلك لا يخفى أن أساس فعاليات «سينما فلسطين» يأتي من باب التضامن والتعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني، من قبل ناشطين فرنسيين وعرباً عمل بعضهم بهذه الدرجة أو تلك في دعم القضية الفلسطينية.
بدأت التظاهرة بأفلام من بينها «إسماعيل» للمخرجة نورا الشريف (روائي قصير 2012)، يتناول مقاطع من سيرة الفنان التشكيلي الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط إبان نكبة عام 1948. كما قُدم فيلم «عيون الحرامية» (روائي 2014) لنجوى نجار، وفيلم «حجر سليمان» (روائي قصير 2015) لرمزي مقدسي، وهو مقتبس عن سيرة للكاتب الفلسطيني الراحل حسين البرغوثي بعنوان «الضوء الأزرق». كما تحتضن التظاهرة أفلاماً عديدة من أبرزها فيلم المخرجة الفلسطينية مي مصري «3000 ليلة» (روائي 2017). وفيلم المخرج المصري يسري نصرالله «باب الشمس» عن رواية معروفة بالاسم نفسه للكاتب الياس خوري، إلى جانب فيلم «المنعطف» (2015) لرفقي عساف، و«أمور شخصية» لمها الحاج (روائي 2016). كما تشهد التظاهرة ندوات حول هموم الإنتاج السينمائي.
«يا طير الطاير»
أما حدث الأيام الأولى للتظاهرة فهو فيلم هاني أبو أسعد الأخير «يا طير الطاير» (روائي 2015) الذي يجسد قصة صعود نجم الغناء الفلسطيني محمد عساف، وكيف خرج من مدينته المحاصرة غزة ليصل إلى استوديوهات البرنامج الشهير «آراب آيدول» في القاهرة متوّجاً في عام 2013 مسيرة ذلك الولد الغزاوي الحالم. ينجح أبو أسعد في «يا طير الطاير» في استثمار حكاية النجم الفلسطيني لرسم مشهد المدينة المحاصرة، المدمرة، التي تعاني شتى ضروب الموت والدمار وغياب أبسط مقومات العيش. لو أطفأتَ صوت الحكاية وراقبت المشهد خلفها لرأيت ذلك بوضوح، فليس في الصورة إلا السطوح المهدمة، وحيطان أقرب إلى السقوط، شوارع وساحات مليئة بالحفر، بيوت معتمة، بل إن الفيلم لم يهمل حتى أثاث البيوت العتيق والشراشف القديمة الفقيرة والملابس، وهنالك دائماً الوجوه الحزينة والمعذبة.
ستجد على الدوام هذه الثنائية البصرية، الفقر المدقع، وفي الوقت نفسه محاولات الناس اجتراح معجزة العيش فوق الدمار، هكذا يلحظ المرء فريقاً من الشبان يتقافزون فوق السطوح المدمرة، وولداً عاجزاً يجهد في قطع الطريق. يبدو وكأن ذلك هو بالضبط هدف الفيلم، أن يوصل صوت المدينة إلى العالم، والذريعة هي حكاية المغني. لكن تلك الثنائية ليست بدون مبرر فني، فهي بالضبط الحافز والملهم للولد الغزاوي محمد عساف، فحين ينتابه اليأس سيجد في حياة الغزّيين ضوءاً يساعده على استئناف المسير. كانت شقيقته التي ماتت صغيرة بفشل كلوي، القنديل الأكثر سطوعاً، حتى حينما رحلت، فقد حضرت من جديد عبر بنت أخرى تعاني المرض الكلوي نفسه ستكون بمثابة الحبيبة للبطل، والأهم أنها ستصبح صوت الأخت البعيد، وفي العمق صوت المدينة المصابة بشتى ضروب الفشل. لقد أراد أبو أسعد أن يكون فيلمه صوتاً للفلسطينيين، وبالفعل يصعب أن تجد أحداً يشاهد الفيلم بدون أن يتعاطف مع الغزيين في مأساة عيشهم.
مواساة الجمهور
يحيك المخرج أبو أسعد فيلمه بأدوات استخدمها من قبل في أفلام سابقة، فالتشويق و«الآكشن» لعبته الأثيرة، أنظر كيف يحوّل تفصيلاً هامشياً للغاية، ربما يكون مخترعاً أساساً ولا وجود له في تجربة عساف، عندما يصل إلى استديو «آراب آيدول» في القاهرة فيجد طابوراً طويلاً، كما يجد أن بطاقات الدخول المرقمة قد وزعت جميعاً، ولم يعد له دور، هكذا سيقوم الشاب بالقفز على الأسوار والتسلل ركضاً في أروقة المبنى، فنشهد عملية مطاردة تتوّج بأن يتخلّى شاب فلسطيني سمع صوته بالصدفة عن بطاقته مؤثراً إياه على نفسه، في لقطة مؤثرة أخرى معبّرة عن التعاطف والتضامن الإنساني. مشهد قد يلخص لعبة أبو أسعد برمتها في هذا الفيلم.
يضيف المخرج بعض المشاهد الميلودرامية من بينها حكاية الأخت التي تموت صغيرة، وبهذا تكتمل لعبة القبض على قلوب المتفرجين، وإذا ما أضفنا إليها عنصر الكوميديا التي تأتي لكسر قتامة هنا أو هناك، سنكون أمام تجربة لا همّ لها سوى مواساة الجمهور، والتعبير الأخير كان أبو أسعد قد استخدمه بالفعل لما يريده من وراء الفيلم. وربما لذلك بالضبط يمكن القول إن هاني أبو أسعد قد ارتكب أضعف أفلامه، رغم كل التأثير الذي سيتركه الفيلم. أراد المخرج أن يوحّد صوت الفلسطينيين (أنظر إلى عناصر ومقاتلي «حركة حماس» الأشدّاء وهم يترقبون مع الجماهير بقلق لحظة فوز محمد عساف)، كما صرّح في مناسبات عديدة، لكن ماذا يعني ذلك وهم مختلفون في كل شيء في الواقع؟ ما ضرورة توحيدهم على صوت مغن أو فيلم؟ وهل مهمة الفن أن يواسي، وأن يخفي المصائب التي ينوء الفلسطينيون من ثقلها؟