دي ميستورا والدور المفقود للأمم المتحدة

نيويورك (الأمم المتحدة) ـ «القدس العربي»: عندما عين ستيفان دي ميستورا ممثلا خاصا للأمين العام للمسألة السورية في تموز/يوليو 2014 بعد استقالة الأخضر الإبراهيمي كتبت في هذه الصحيفة أن دي ميستورا جاء ليدير الأزمة لا ليحلها. فمن غير المعقول أن ما فشل في إنجازه أكبر وسيطين في المنظمة الدولية، الأمين العام السابق كوفي عنان، والدبلوماسي الجزائري المخضرم، الاخضر الإبراهيمي، يأتي شخص أقل دراية وخبرة من سابقيه ويحقق ما عجزا عنه. دي ميستورا لم نجد في سجله أنه نجح في العراق ولا أفغانستان ولا لبنان ولا ناغورنو كاراباخ ولا كوسوفو. أضف إلى ذلك أنه سيظل ممسكا بالعصا من النصف ويعمل على مبدأ «في الحركة بركة» ويظل بين الحين والآخر يقدم مبادرات ثم يقوم بتقديم نقاط جديدة ويعود ويراجعها مرة وراء أخرى كلما خفت الاهتمام بجهوده.
الحقيقة أن الأمم المتحدة لم تعد هي الفاعل الأهم في العملية السياسية ولولا مرجعية «بيان جنيف 1» 30 حزيران/يونيو 2012 وقرار مجلس الأمن 2254 (2016) المتفق عليهما دوليا لانتهى دور الأمم المتحدة السياسي نهائيا. وفي رأينا أن الأمم المتحدة الآن ستبقى واقفةعلى السياج بانتظار إتمام التسوية السياسية خارج ملعبها ثم ترمى عليها مهمة إعادة الإعمار وإصلاح ما أتلفته الحرب.

المسارات الأربعة

منذ إندلاع الأزمة السورية 2011 وحتى اللحظة عملت الأمم المتحدة، أو على الأدق سمح لها أن تعمل، ضمن مسارات أربعة، تتعلق بالجوانب المتعددة والمعقدة لحالة نزاع بدأ سلميا لمدة ستة شهور أو أقل ثم تحول إلى مواجهات مسلحة بين النظام وأنصاره وبين مجموعات معارضة للنظام تحاول إسقاطه بالقوة إلى أن بدأ المتطرفون يتوافدون من أكثر من 80 بلدا لينضموا إلى جماعات إرهابية مسلحة مدعومة بمليارات الدولارات الخليجية كادت تحتل دمشق مع نهايات عام 2012 وبداية 2013 إلى أن تدخلت قوات حزب الله وقوات إيرانية إلى جانب النظام فبدأت تتغير المعادلة على الأرض لكنها لم تحسم إلى أن تدخلت روسيا في أيلول/سبتمبر 2015 وبدأت تتجه الأمور لصالح حسم المعركة العسكرية لصالح النظام وحلفائه.
في السنوات السبع من عمر الأزمة لعبت الأمم المتحدة عدة أدوار نوجزها في المسارات الأربعة:
أولا: المسار الإنساني

أخذت المنظمة الدولية على عاتقها منذ بداية الأزمة مهمة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة والتي يصعب الوصول إليها بالإضافة إلى تجمعات المشردين داخليا واللاجئين. ووصفت الأزمة الإنسانية في سوريا أنها أكبر كارثة إنسانية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد بلغ عدد المشردين نحو ثمانية ملايين ونصف مليون وعبر الحدو نحو تركيا والأردن ولبنان والعراق ما يزيد عن أربعة ونصف مليون وبقيت بعض المدن والبلدات محاصرة لسنوات مثل الفوعة وكفراية وبلودان والزبداني ومضايا والغوطة الشرقية ودير الزور التي كان يسطر عليها تنظيم «الدولة» فاضطرت الأمم المتحدة أن تقوم بعمليات إسقاط مواد تموينية من الجو.
قد اعتمد مجلس الأمن أربعة قرارات بالإجماع بدءا بالقرار 2139 (2014) الذي حدد مناطق عبور المساعدات الإنسانية من تركيا والأردن وطلب تعاون الدولة والجماعات المسلحة وعند تعذر تطبيق هذا القرار عاد المجلس وأقر بالإجماع القرار 2156 في تموز/يوليو 2014 مؤكدا على ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية بأقرب وأسرع الطرق وحتى دون موافقة النظام ما جعل عمليات الإيصال أصعب بكثير من ذي قبل.
ويعيش ما مجموعه ثلاثة ملايين شخص في مناطق محاصرة يصعب الوصول إليها في سوريا. ويوجد نحو 400000 مدني محاصرين في الغوطة الشرقية غالبيتهم من النساء والأطفال وبعض المسلحين الذين يسيطرون على المنطقة من الداخل وقوات النظام تحاصرهم من الخارج. وفي آخر تقرير لمنسق الشؤون الإنساني، مارك لوكوك، قال إن نحو 13.1 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية من بينهم 5.6 مليون في أمس الحاجة ومعرضون للخطر بسبب التشرد والانقطاع التام أو الجزئي للمواد الغذائية الأساسية.
كلمة حق تقال إن اللوم لا يقع على عاتق الأمم المتحدة فحسب بل على الأطراف المعنية، إذ إن القوافل كانت تضطر أحيانا لعبور 11 حاجزا لتصل إلى الفئات المحاصرة. بل إن بعض القوافل تعرض للقصف الجوي مثلما حدث للقافلة التي كانت في طريقها لريف حلب 18 أيلول/سبتمبر 2016 وأدت إلى مقتل 16 عاملا إنسانيا.

ثانيا: مسار حقوق الإنسان

شكل مجلس حقوق الإنسان ومقره جنيف بتاريخ 22 اب/أغسطس 2011 فريقا مستقلا برئاسة باولو بنيرو من البرازيل وعضوية كارن أبو زيد وهاني مجلي الذي خلف كارلا دل بونتي بعد تقاعدها. مهمة الفريق «التحقيق في كافة مزاعم انتهاكات القانون الدولي الإنساني في سوريا منذ اذار/مارس 2011». كما منح الفريق حق توثيق الجرائم ومحاولة التعرف والتأكد من مرتكبيها كي لا يفلتوا من العقاب في المستقبل. وقدمت اللجنة ثمانية تقارير لمجلس حقوق الإنسان حول كافة الجرائم التي تشملها ولاية الفريق كما التقى رئيس الفريق وأعضائه مرارا أعضاء مجلس الأمن، وقدموا تقريرا أوليا حول استخدام الأسلحة الكيميائية في الغوطة الشرقية 2013 قبل تولي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية المهمة. ومن التقارير المهمة التي قدمها الفريق تقرير خاص بالمجازر التي ارتكبها تنظيم «الدولة» بحق الأزيديين والتي صنفت من الفريق بأنها «جريمة الإبادة الجماعية».
وفي آخر تقرير قدم الفريق وصفا مروعا لمعاناة المدنيين على أيدي الجماعات الإرهابية وعلى أيدي النظام. ومما جاء فيه: «استهدف جيش تحرير الشام وتنظيم «الدولة» الإسلامية الأقليات الدينية بالسيارات المفخخة والتفجيرات الانتحارية والاستعانة بالقناصة واحتجاز الرهائن بما في ذلك داخل مناطق واقعة تحت سيطرة الحكومة السورية. ففي الراشدين (حلب) تسبب تفجير سيارة مفخخة في مصرع 96 شخصاً من بينهم 68 طفلاً نازحاً من الفوعة وكفرايا (إدلب) المحاصرتين سابقاً.
كما احتجزت بعدئذ الجماعات المسلحة 17 مدنياً على الأقل كرهائن في حين بقي آخرون في عداد المفقودين.
وأما القوات الحكومية فما زالت تتعمد استهداف المدنيين بما في ذلك من خلال استعمال الأسلحة الكيميائية داخل المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. ففي 4 نيسان/أبريل أطلقت القوات الجوية السورية غاز السارين على بلدة خان شيخون كجزء من حملة جوية تشنها على منطقتي شمال حماة وجنوب إدلب، ما أسفر عن مصرع ما يزيد على 80 شخصاً أغلبهم من النساء والأطفال.

ثالثا: مسار تدمير الأسلحة الكيميائية

بعد الهجوم على منطقة الغوطة بغاز السارين في 21 اب/أغسطس 2013 اعتمد مجلس الأمن القرار 2118 في 26 تشرين الأول/أكتوبر بالاجماع والقاضي بتفكيك ترسانة سوريا من الأسلحة الكيميائية بما في ذلك المعامل والمختبرات والمواد الخام. وكانت سوريا انضمت إلى الاتفاقية الدولية لحظر الأسلحة الكيميائية في 14 أيلول/سبتمبر 2013. وبسرعة قياسية تم تعيين الهولندية سيغريد كاغ للقيام بهذه المهمة خلال عام تقريبا، وأنجزتها ولكن في وقت أطول قليلا. لكن استخدام الأسلحة الكيميائية لم يتوقف بعد إعلان سوريا خالية منها. فأنشا مجلس الأمن «آلية التحقيق المشتركة» (جيم) برئاسة الارجنتينية فرجينيا غامبا بناء على القرار 2235 (2015) لتحدي الجهات الفاعلة والمستخدمة للغازات السامة كالسارين وأي مواد كيميائية أخرى وتحديد هوية الطرف الذي استخدمها.
وقامت روسيا مؤخرا باستخدام الفيتو لقتل هذه الآلية بعد أن حددت أن الجهة التي أرتكبت الاعتداء على خان شيخون هي طائرات النظام السوري واتهمت روسيا التقرير بعدم الحياد والانتقائية في المعلومات واتهمت أعضاء الفريق بأنهم ليسوا متوازنين جغرافيا.

رابعا- المسار السياسي

لم يشهد مجلس الأمن ربما منذ الأزمة الكورية انقساما حادا بين أعضائه مثلما حدث في التعامل مع الملف السوري. فقد استخدمت روسيا الفيتو عشر مرات والصين ست مرات. ومن هنا كان دور الأمم المتحدة السياسي مهمشا أصلا. لكن الملف السوري سحب من الأمم المتحدة ووضع بكامله في أيدي روسيا وإيران وتركيا. وكما تبلور عن اجتماعات أستانة إنشاء مناطق تهدئة قد يليها وقف إطلاق نار شامل بعد حل معضلة إدلب والغوطة والمناطق المحاصرة. أما اجتماعات سوتشي فهي ربما، الفصل الأخير في مسلسل الدراما السورية المعقد الذي استمر سبع سنوات. فالبلدان الثلاثة هي صاحبة القرار الميداني والسياسي وقد أشار الرئيس الروسي بوتين بعد لقائة بالرئيس الأسد أن على جميع الأطراف أن يكونوا على استعداد لتقديم تنازلات جادة. فالتسوية النهائية يجب أن تلبي طموحات الشعب السوري في إقامة دولة ديمقراطية تعددية يسودها القانون وتخضع لتناوب السلطة وتحترم حقوق الإنسان ولا مكان فيها للطائفية والمذهبية والعرقية والتقسيمات الأخرى.
في سوتشي سيتم طبخ القرار السياسي النهائي دون مشاركة من الأمم المتحدة ثم يقدم في مؤتمر كبير يضم المعارضة والنظام السوري في شهر شباط/فبراير المقبل، بعدها تبدأ العملية الانتقالية التي ستعود الأمم المتحدة لتعلب دورا جديدا لإدارة أكبر عملية حفظ سلام ربما في العصر الحديث تشمل إعادة اللاجئين والمهجرين وتوطينهم وإعادة الإعمار والبنى التحتية والإشراف على تطبيق خطة الطريق التي تتضمن كتابة الدستور الجديد والانتخابات التشريعية والرئاسية الحرة. لا نعرف إذا كان دي ميستورا سيبقى في المشهد السوري لغاية تلك اللحظة أم أنه سيأخذ حصة متواضعة من نجاح الحل السياسي ويرحل.

دي ميستورا والدور المفقود للأمم المتحدة

عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية