العرب السنّة في الموصل على وجه الخصوص أصبحوا في وضع لا يحسدون عليه طالما بات ينظر اليهم من قِبل بقية مكونات المجتمع العراقي على أنهم حواضن للمتطرفين والتكفريين والإرهابيين، ولم يعد أمرا غريبا ولامستهجنا أن تنهال عليهم في مواقع التواصل الاجتماعي الشتائم البذيئة التي يُقذف بها عناصر تنظيم الدولة بهدف النيل من كرامتهم الوطنية وهويتهم المذهبية والقومية.
في هذه الهجمة المستعرة لم يعد هناك من تمييز يفرزهم بمسافة بعيدة عن الدواعش، وبات أمرا طبيعيا أن يوصفوا أنهم وحوش ومتخلفون لا يعرفون معنى الشرف ولا الغيرة على عرضهم طالما أن مدنهم خضعت لسلطة تنظيم دولة الخلافة الإسلامية.
بداية الحملة
هذه الحملة الإعلامية المنظمة فرضت حضورها اليومي منذ أن سقطت محافظة نينوى تحت سلطة تنظيم الخلافة عام 2014 وتحديدا ما إن بدأت سياسة تهجير المسيحيين من الموصل وقتل الإيزيديين وسبي نسائهم في قضاء سنجار والقرى المحيطة به من قبل عناصر تنظيم الخلافة .
خلال الأعوام التي سيطر فيها التنظيم على محافظة نينوى تصاعدت وتيرة هذه الحملة الإعلامية يوما بعد آخر وانتظم في صفوفها طيف واسع جدا من العراقيين بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية وكلما ارتكب الدواعش جريمة ارتفعت وتيرة الشتائم واتسعت قاعدة الشاتمين وتعمقت مشاعرالكراهية ضدهم .
بدا واضحا أن هذه الحملة قد خرجت عن كونها مجرد رد فعل عفوي ازاء ما يرتكبه تنظيم (الدولة) من انتهاكات وجرائم بشعة بحق الأقليات وأتباع الديانات التي تدين بغير الإسلام، خاصة وأنها تبلورت واتخذت شكلا ممنهجا ومؤطرا في جيش الكتروني شبحي اصطف في صفحات ومواقع الكترونية، ويمكن ملاحظة ذلك في نمط محدد من العبارات والردود التي باتت تتكرر على ألسِنة رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ويشير تكرارها على أنها بمثابة أجندة صادرة من جهات سياسية تتولى توجيه وقيادة جيش من الشاتمين الشامتين بتكرار استعمالها، وبطبيعة الحال فإن مثل هذا الوضع في المقابل لابد أن يثير قدرا من الريبة إزاء من يرددها في اللحظة التي تجده يعبر عن سخطه ضد همجية الدواعش طالما كان رد الفعل الجمعي المشخَّص في عبارات الشتم والشماتة يتعمّد عدم التفريق ما بين تنظيم الدولة وعموم العرب السنة ويضع كليهما في سلة واحدة، بمعنى أن وراء ذلك تختفي عملية ممنهجة لخلط الأوراق بهدف شيطنتهم وتجريمهم وتحميلهم المسؤولية مناصفة مع عناصر تنظيم دولة الخلافة عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق بقية مكونات المجتمع.
وفق هذا السياق تمت عملية تزييف وتغييب للحقائق مع أن كثيرا منها موثق بالصوت والصورة بما يؤكد على أن العرب السنة قد دفعوا الثمن الأكبر قبل غيرهم في المدن التي سيطر عليها التنظيم والتي يشكلون فيها أغلبية سكانية كما هي مدينة الموصل نتيجة ما ارتكبه الدواعش بحقهم من جرائم بعضها يرتقي إلى مستوى الإبادة الجماعية، فعلى سبيل المثال في عام 2015 أقدم تنظيم دولة الخلافة في يوم واحد فقط على إعدام 2071 عربيا سنيّا من سكان الموصل، وكانت التهمة الموجهة إليهم هي التخابر مع القوات الأمنية الحكومية العراقية، وقد علق التنظيم قائمة باسمائهم على بوابة مبنى الطب العدلي الكائن في حي الشفاء الواقع في الجانب الأيمن من المدينة ولم يتم تسليم جثثهم إلى ذويهم وفي حينها اشارت التقارير الاستخباراتية إلى أن جثث المعدومين تم القاؤها في حفرة عميقة تقع خارج المدينة تم الوصول اليها فيما بعد وتصويرها من قبل القنوات الفضائية والطواقم الصحافية بعد تحرير الموصل.
التَّشفي من الضحايا
بلغت حملة دعشنة العرب السنة ذروتها مع بدء عمليات تحرير مدينة الموصل وتقدم القوات العراقية الحكومية وسيطرتها على مجريات المعركة وتحريرها للأحياء السكنية خاصة في الجانب الغربي حيث يشكل العرب السنة معظم سكانه. في هذه الحملة الإعلامية تجلت نبرة التّشفي إزاء ما يسقط من قتلى بين صفوف المدنيين نتيجة القصف المدفعي والصاروخي وقصف الطيران العراقي والتحالف الدولي هذا اضافة إلى تدمير البنى التحتية من جسور ومستشفيات وبنوك ومدارس ومبان حكومية ومساجد ودور عبادة.
من خلال حملة دعشنة عرب الموصل والتشفي بمآسيهم توحدت تعليقات عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي سواء بشكل فردي او من خلال جماعات منتظمة ولعل تدمير جامع النوري ومنارته الشهيرة الحدباء أبرز مثال على ذلك.
هذه الظاهرة الإعلامية كشفت عن نفسها بشكل صارخ في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أكبر من بقية القنوات الإعلامية الأخرى وذلك لسهولة استخدامها من قبل اي شخص لمجرد امتلاكه هاتفا ذكيا، وتستدعي هذه الظاهرة التساؤل عن الابعاد الاستراتيجية التي تختفي وراءها.
سقوط إعلامي
في كل الأحوال نجد أن الهدف الأقصى لهذه الحملة الإعلامية يتلخص في السعي لتمزيق النسيج المجتمعي وقطع آخر الخيوط التي تربط مكوناته الدينية والقومية مع العرب السنة على وجه الخصوص لأنهم يشكلون أغلبية سكانية وصولا إلى تهيئة المقدمات لإعادة تقسيم ما يعرف في المنطقة العربية، لم يعد غريبا ولا مفاجئا مثل هذا الاستنتاج بعد أن تم تداوله على نحو واسع في الأوساط السياسية والإعلامية خاصة بعد أحداث ما يعرف بالربيع العربي التي ابتدأت في مطلع العام 2011 والتي كان من أولى تداعياتها سقوط العديد من الدول والمجتمعات العربية في دوامة من العنف والاقتتال الداخلي لم تتوقف بعد مضي أكثر من ستة أعوام عليها كما في ليبيا وسوريا واليمن والعراق وليس هناك ما يشير إلى امكانية ايقاف هذا التداعي على المدى المنظور بل على العكس كل المؤشرات تذهب في اتجاه زيادة وتيرة العنف المجتمعي بما سيفضي إلى تغييب الانتماء الوطني الجامع للمكونات في مقابل تخندق قائم على أسس فرعية (عنصرية) وهذا المسار سيفضي بالتالي إلى تفتت الدول وتشظيها إلى دويلات قائمة على أسس مذهبية اودينية اوقومية.
برنارد لويس وخطة التفتيت
نحن الآن أصبحنا شهودا على نجاح الفرضيات التي سبق أن طرحها المفكر الأمريكي الجنسية والفرنسي الأصل (برنارد لويس) في الملف الذي قدمه عام 1978 إلى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر لمواجهة العالم الإسلامي خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تجلس على بحيرات هائلة من النفط وتستحوذ على معظم ثروات العالم هذا اضافة إلى ما يشكله المسلمون من خطر على هوية الغرب المسيحي وجودا ومصالح حسب وجهة نظر (لويس) التي ركز فيها على فكرة حتمية صراع الأديان في منطقة الشرق الأوسط، ولكي يتم وقف هذا الخطر الإسلامي لابد من التركيز على تفتيت المجتمعات في العالم الإسلامي اعتمادا على استراتيجية دعم الهويات الفرعية الدينية والإثنية.
لو تتبعنا مجريات احداث الربيع العربي لوجدنا عديد الادلة التي تؤكد على ان المنطقة العربية قد ساقت نفسها بنفسها إلى الفخ الذي توصل اليه برنارد لويس ونصبته الدوائر الاستخباراتية في الدول العظمى.
الثمن الفادح
إن الخسارة الحقيقية هنا في هذه المسألة تكمن في حالة العداء والكراهية التي شاعت في مجتمعات الشرق الأوسط والتي لم يسلم منها الجميع دون استثناء، بل كانوا الأدوات الفاعلة لإدامة هذه المشاعر كما خططت لها الدوائر الاستخباراتية الإقليمية والدولية. ولعل اسوأ ما في هذه الحالة اعتبار العرب السنة جميعهم دواعش حتى اولئك الذين لا يرتبطون مع التنظيم بأية صلة والذين تضرروا منه كثيرا .
إن المعركة مع قوى الإرهاب ممثلة في المواجهة الشرسة ضد تنظيم الخلافة كان ينبغي أن تكون ذات بعد وطني حيث تتاح الفرصة فيها لجميع العراقيين أن يشاركوا فيها بمختلف مكوناتهم الثقافية والمذهبية لأنها معركة وجود للجميع ، للدولة وللمجتمع ولبلد اسمه العراق وعلى هذا الأساس لا يمكن القبول بفكرة أن هناك طائفة ليس لديها الاستعداد للمشاركة فيها بحجة تخاذلها او تواطئها مع الإرهاربيين.
هذه التخريجات التي يتم تداولها منذ ان بدأت معركة تحرير الموصل كانت بمثابة مقدمة لجملة إجراءات اقدمت عليها سلطة التحالف الوطني الحاكمة بزعامة حزب الدعوة فيما بعد لمنع مشاركة العرب السنة في معركة التحرير،ودليلنا على ذلك:عدم الموافقة على تأسيس تشكيل عسكري بأسم(الحرس الوطني) كانت قد دعت اليه القوى السنية لأجل أن يكون قوة محلية في المحافظات ذات الأغلبية السكانية السنيّة لكي يساهم في معركة التحرير ومواجهة الإرهاب، وحتى عندما تمت الموافقة بعد مخاض عسير على تشكيل قوة عسكرية أخرى من أبناء محافظة نينوى اطلقت عليها تسمية (حرس نينوى) تم التعامل معها بعدم الاهتمام ولم يتم تجهيزها باسلحة حديثة كما هو عليه الحال في ميليشيا الحشد الشعبي، كما لم يسمح لتشكيل حرس نينوى بالمشاركة في معركة تحرير محافظة نينوى عندما بدأت المواجهة العسكرية وبقيت عناصره تنتظر الفرصة وهي قابعة في مقراتها.
وفق هذا السياق ليس صعبا ملاحظة إصرار قوى التحالف الوطني الشيعي الحاكم على استبعاد العرب السنة في الموصل من المشاركة في تحرير مدينتهم والاكتفاء بتشكيلات رمزية مسلحة عشائرية يقف خلفها نواب سنة يمثلون محافظة نينوى في البرلمان العراقي ويرتبطون بعلاقة خاصة مع نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية وزعيم كتلة دولة القانون الذي مايزال يملك نفوذا وسلطة على الأرض أكبر بكثير من سلطة رئيس الوزراء نفسه حيدر العبادي خاصة في ما يتعلق بحركة فصائل الحشد الشعبي، وهذا يعود إلى طبيعة العلاقة الوثيقة التي يرتبط بها المالكي مع طهران التي عبرت عن دعمها له وتأييدها القوي في أكثر من مناسبة وعلى لسان أكثر من مسؤول حكومي، وفي مقدمتهم علي خامنئي نفسه حتى ان هناك العديد من التقارير التي اشارت إلى ان طهران كان لها دور كبير في ايقاف الإجراءات القضائية التي اوصى بها التقرير النهائي للجنة التحقيق الخاصة باسباب سقوط الموصل التي شكلها البرلمان العراقي لأن اسم المالكي تصدر قائمة الاسماء التي وصلها عددها إلى 37 مسؤولا حكوميا وعسكريا وجدتهم اللجنة يتحملون مسؤولية سقوط المدينة.
تخوين الآخر
أمام عبارات الشكر والعرفان الموجهة للطائفة الشيعية التي أغرقت مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارهم تحملوا ولوحدهم معركة التحرير الباهظة ودفعوا الدم غاليا من شبابهم ليستعيدوا محافظة نينوى من الإرهابيين ويحرروا الأسيرات المسبيات الإيزيديات ليس من الصعب اكتشاف ما تحمله هذه الحملة الإعلامية الممنهجة من هدف محدد يتلخص في الإيغال في تمزيق النسيج الاجتماعي بابعاده الدينية والقومية والوطنية من خلال الاصرار على فكرة التخوين والتسقيط الوطني والاخلاقي للعرب السنة وقد تكاتف على شن هذه الحملة جهات مختلفة دينيا قوميا، لعل في مقدمتها ماكنة الإعلام التي تملكها وتمولها احزاب الإسلام السياسي الممسكة بالسلطة.
انتهت معركة تحرير مدينة الموصل بهزيمة تنظيم دولة الخلافة الإسلامية وعادت سلطة الدولة العراقية إليها، وتعبيرا عن شعور سكانها بعظمة وأهمية ما تحقق من نصر كبير منحهم فرصة الخلاص من سلطة الدواعش عمت مظاهر الفرح شوارعها رغم الثمن الفادح الذي دفعته المدينة بتدمير 800 في المئة من ابنيتها التحتية وخسارتها لأكثر من 40 الف قتيل مدني ، إلا أن هناك نقطتين مهمتين تستوجب التوقف عندهما، الأولى تتعلق بالأسباب التي أدت إلى سقوط الموصل عام 2014.
والنقطة الثانية تتعلق بتداعيات نتائج النصر على واقع ومستقبل السكان والمدينة.
أمّا بخصوص النقطة الأولى فعلى ما يبدو أن السلطة في بغداد لم تخرج بما يكفي من الدروس لكي تتجاوز وتتلافى وتستبعد ما كان له صلة في انهيار العلاقة ما بين الجيش العراقي وبقية الأجهزة الأمنية مع سكان الموصل وادارتها المحلية نتيجة سوء تصرف وفساد الكثير من عناصر الجيش والأجهزة الأمنية مع المواطنين (هذا مااشار اليه تقريرلجنة سقوط الموصل البرلمانية)فالتجاوزات التي حصلت بعد التحريرخاصة في الجانب الشرقي (الأيسر) من المدينة والتي يتحمل مسؤوليتها عناصرمسلحة تنتمي إلى فصائل الحشد الشعبي (كتائب سيد الشهداء) قوامها من المكون الشَّبكي الشيعي الذي يقطن خارج مركز المدينة وتحديدا في منطقة سهل نينوى كانت قد وصلت إلى حد الاشتباك المسلح في منطقة المجموعة الثقافية مع عناصر حرس نينوى المكلفين بحفظ الأمن داخل المدينة وهذا ما يبعث رسالة قلق وعدم اطمئنان حول مستقبل الأمن والأمان لدى سكان الموصل ،كما يمنح الفرصة مرة أخرى للإرهابيين لكي ينفذوا من هذه الثغرة ليعاودوا نشاطهم في التفجيرات والاغتيالات وابتزاز المواطنين.
اما النقطة الثانية المتعلقة بنتائج النصر فإنها مرتبطة بدرجة كبيرة بقضية دعشنة العرب السنة التي نجح الإعلام الرقمي في ترويجها وكسبها إلى درجة بات فيها من الصعب عليهم أن يرفعوا صوتهم احتجاجا على سوء الأوضاع المعيشية التي يعانون منها أو أي تجاوزات قد تقع عليهم من قبل عناصر محسوبة على السلطة المركزية لأنهم وحسب أجندة هـذا الإعـلام:
– كانوا حواضن للدواعش مما مهد الطريق لسقوط المدينة.
– أساؤوا إلى كرامة الجيش العراقي في وقت سابق لمّا رموا عناصره بالحجارة ساعة هروبه من المدينة عندما سقطت تحت سلطة الدواعش.
– لم يعلنوا اية صورة من صور المقاومة المسلحة ضد الدواعش طيلة الأعوام الثلاثة التي كانوا فيها خاضعين لسلطتهم.
– لم يدافعوا عن الأقليات التي تم تهجيرها من المحافظة بل ساهموا فيها واستولوا على بيوتهم وأملاكهم.
– لم يشاركوا في القتال إلى جانب القوات الحكومية والحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل.
كل هذه الأسباب التي هي بمثابة اتهامات تم الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي تضع الموصليين من العرب السنة في عنق الزجاجة، بما تجعلهم يشعرون بالانكسار والذل رغم فرحتهم بالنصر على الدواعش.
ما بعد التحرير
وعلى ما يبدو فإن هذه النتيجة تقع في صلب ما كان يسعى إلى تحقيقه نوري المالكي من أجندة منذ أن كان يتولى رئاسة الوزراء، فالأجواء ما بعد تحرير الموصل أصبحت اليوم ملائمة جدا لإحداث ما كان يعد له من تغيير ديموغرافي في بعض مناطق محافظة نينوى على أسس طائفية مثل قضاء (تلعفر) الذي يتقاسمه الشيعة والسنة، كذلك بعض مناطق سهل نينوى مثل ناحية (برطلة) التي يتواجد فيها وفي القرى التابعة لها أقلية شبكية ينقسمون ايضا في تبعيتهم المذهبية مابين شيعة وسنّة هذا إضافة إلى تأمين خط بري لنقل السلاح والمليلشيات من إيران إلى سوريا بعد أن تمر قوافل الشاحنات من محافظة ديالى التي تجاور الحدود الإيرانية إلى الموصل التي لها حدود مشتركة مع الأراضي السورية.
كاتب وباحث من العراق
مروان ياسين الدليمي