ذكرى أمسيةٍ شعريةٍ بعيدة

حين يفرغ الشاعر من قصيدته فإنه لا يتركها لمصير مجهول، بل يحرص على الوصول بها إلى الضفة المقابلة. أعني إلى من ينتظر وصولها بلهفة حارة. وهذا الذي يقف في انتظارها، هناك، قد يكون قارئاً منفرداً أو جمهوراً مكتظاً.
والقصيدة حين تصل المتلقي القارئ، فإنها تذهب إليه عارية من أيما إكسسوارات، أو أردية إضافية. ليس هناك إلاّ اللغة. لغة القصيدة وحدها ولا شفيع هناك سواها. يجلس إليها القارئ وحيداً في عزلته البيضاء، ويقطع كل تيارات الضوء التي تربطه بالعالم، ولا يتبقى هناك إلا ضوء اللغة الشعرية يتدفق بين عظامه دافئاً وحميماً.
أما إذا كان المتلقي مستمعاً، أو جمهوراً، أقصد تلك الكتلة البشرية المتراصة وغير المتجانسة في أحيان كثيرة، فإن لدى القصيدة ما يرافقها إلى هذا الجمهور، أعني قدرة الشاعر على الأداء الشفاهي المفعم بالحياة، إذا كان ذا ملكة متميزة في هذا المجال.
وكان يوسف الصائغ واحداً من الشعراء العرب الذين يهبون القصيدة عمراً آخر، من خلال ملكته الإنشادية الثمينة. وكما اجتمعت في تجربته الإبداعية مكونات شديدة التنوع، كالشعر والرواية والرسم والمسرح والمقالة الصحافية، فإن طريقته في قراءة قصائده، لم تكن تسقط في قالب واحد ينتهي بها إلى التكرار والنمطية.
حدث ذات مرة أن قدم قراءات شعرية بالغة التأثير من مجموعته المتميزة «سيدة التفاحات الأربع»، التي كتبها في موت زوجته في حادث مريع، تعرضا له معاً وهما في منطقة موحشة من الطريق البري إلى تركيا. وقف يوسف الصائغ، في حديقة اتحاد الأدباء، ليقرأ مجموعة من قصائده القصيرة في أمسية شجية. كان يجسد موت السيدة وهو يراوح بين صوته النائح ولوحة يرسم عليها وإشارات كانت تمت بعمق إلى لغة جسدية مفجوعة.
وكثيراً ما كان يوسف الصائغ يتألق حتى في إنشاد قصائده الطويلة مثل، «رياح بني مازن، اعترافات مالك بن الريب، انتظريني عند تخوم البحر، تسواهن، المعلم»، حيث يتيح له طول القصيدة أن يستثمر مديات صوته إلى حدود كبيرة .
ما زلت أذكر أول أمسية أراه فيها يقرأ بعضاً من قصائده. كانت بعيدة، ودائمة الرفيف مثل طائر يذوب في فضة الغيم، هكذا تبدو لحظة لقائي الأول بيوسف الصائغ، أو لحظة استماعي إليه للمرة الأولى. كان ذلك في بداية السبعينيات، في مهرجان شعري أقامته ثانوية للبنات في أحد أحياء بغداد الراقية. كانت الطالبات يصغين، مزهوّاتٍ، إلى أجسادهنَّ وهي تنمو وتتفتح. وكنا حينها مجموعة من الشعراء الشباب الذين يملأون الصحافة والحياة بالشعر والوعود والادعاءات. أمسية لا أملّ من تذكّرها، واستحضار جوها العابق بتلك الكاريزما التي يتمتع بها يوسف الصائغ في شبابه.
ظلت تلك الأمسية تتفتح في ذاكرتي، وتستعصي على النسيان تماماً. وكأنها أقيمت أمس. حين اتجه إلى منصة القراءة أحسست أن لخطواته وقعاً خاصاً، كانت مشيتهُ ووقفتهُ وصوتهُ مزيجا لا ادعاء فيه: من خفة دونما تهّور، واعتداد أقرب إلى الغرور. وكانت عيناه متوقدتين شرهتين، ووجهه يتوهج بالعافية والإقبال على الحياة. كنت مأخوذاً بنبرته الثملة المتهدّجة، وبتلك البُحَّة الحزينة التي كانت تفك عن الشعر أقفاله وتطلقه من قيد المكتوب إلى الشفاهي، ومن ملفوظ اللغة إلى لغة الجسد.
ومن عادة يوسف الصائغ، حين ينشد قصائده، ألاّ يعير اهتماماً لما يقع خارج فضائه الشخصي، بل كان يبدو مستغرقاً في ذاته، مشدوداً إلى نداءات خفية لا يحسها أحد سواه. كان ينشد قصائده وكأن اللذة المحض هي دافعه الوحيد إلى ذلك. وكان يعود بالشعر، من خلال طريقته الفريدة في الإنشاد، إلى تلك النشوة الصافية التي يؤججها ثراءٌ ابتهاليٌّ نادر، ورثه ربما، من تربية كنسيةٍ متجذرة، ونبرة توراتية منقوعة بالتراتيل.

٭ شاعر عراقي

ذكرى أمسيةٍ شعريةٍ بعيدة

علي جعفر العلاق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية