ذكريات مفعمة من عالم المونديال السحري ليست مجرّد كأس العالم (4): إيطاليا 1990

بين دورتين كرويتين يفصل بينهما أربع سنوات، كان الشاب الصغير قد نضج كثيراً، يستعدّ للتخرج من الجامعة في قسم الأدب العربي، تعرف فيها إلى عالم أوسع من عالم قريته، الأصدقاء الجدد، الشعراء الشباب، والكتب، والكتابة، كفاح الدرجات، المعدّل الصاعد الهابط، دورات امتحان الصيف المجنونة، التنافس على الدرجة، الطلاب المنتسبين، معسكرات التدريب الجامعي.
كان (إيدير) طالباً في كلية الحقوق في المدينة نفسها، وقد اقتربنا كثيراً في تلك الفترة، فكنا نعمل في التدريس، ونذهب في عطلة الصيف لتقديم الاختبارات الجامعية، حريصين على النجاح في الدراسة، في حين اكتفى فالكاو وجونيور بالتخرج من معهد إعداد المعلمين، و تناثر باقي أعضاء الفريق بين التعليم و الوظائف البسيطة، والعمل في الزراعة، في حين ما زال بعضهم على دروب الأمل.
القرية التي أضحت أهمّ معاقل القطن في الجزيرة تنافس فلاحوها في ضرب الرقم القياسي بكمية إنتاج القطن والقمح في مساحاتهم المحدودة، البيوت الطينية القديمة تهدمت وقامت مكانها بيوت من الأسمنت، نسبة كبيرة من المردود المالي ذهبت لشراء سيارات «بيك آب» حديثة تباع بضعف ثمنها نتيجة فوائد الأقساط المرتفعة، وودّعنا أجهزة التلفزيون الأبيض والأسود، لنشاهد الكاميروني أومام بيك يسجل هدف الفوز في مرمى الأرجنتين أبطال العالم. فيما كانت حفلات الزواج تأخذ حصة كبيرة من نقود الموسم، متبوعة بمصروف إطلاق النار الذي صار عادة مألوفة في مواسم التسعينات الذهبية.
كنّا في بيت جونيور نتابع المباراة الأخيرة للتأهل إلى الكأس بين مصر والجزائر، وكنا نشجع مصر فيما راح إيدير يشجع رفاق بلومي وماجر وقاسي سعيد، وفاز المصريون في مباراة القاهرة، وخرج إيدير غاضباً مثلما خرج الجزائريون في القاهرة، قبل أن تتجدد الفتنة الكروية بعد عشرين عاماً بالتمام والكمال.
وبين خيبتنا لخسارة الإماراتيين أمام الألمان بالخمسة، و خروج مصر بنقطة يتيمة في الدور الأول، رحنا نتابع أشباح البرازيل، و بقايا الوهج الأرجنتيني، والكرة الهولندية الواعدة بغوليت وفان باستن وريكارد ولاعبي الدفاع الصلب الذين أمتعونا في كأس أوروبا 1988 دون أن ننسى لاعب ألمانيا الفذّ لوثار ماتيوس وزميله بريمه.
وعلى أبواب التخرج من الجامعة خسرنا شيئاً من متعة الفرجة الكروية، المتعة التي نافستها أحلام جديدة في عالم الكتابة والوظيفة والعمل، أحلام قرية صغيرة ترى نتيجة عملها في الشتاء حين يتنافس رجالها على شراء السيارات والثياب الفاخرة، وتتنافس نساؤها على تجهيز فرش جديدة محشوة ببقايا القطن المتروك في الأعواد اليابسة.
وفيما كانت ألمانيا تثأر لنفسها من فرنسا، ومارادونا يودع الملاعب بطلاً مهزوماً، كنت أودع أيام الجامعة الجميلة، التي كانت مرآة جديدة كشفت لي جزءاً من شخصيتي.

عيسى الشيخ حسن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية