شتاء 1993 كنّا ثلاثة تونسيّين، في ضيافة بيت الشعر في ميونيخ: أنا وأولاد أحمد وزهرة العبيدي. كان من بين الحضور، في الأمسية التي ألقينا فيها بعض قصائدنا، الرسّام الألماني غليسمان وهو صديق للكاتب التونسي المعروف حسّونة المصباحي. كان يستمع إلى قصائدنا في أصولها العربيّة، ثمّ في ترجمتها الألمانيّة؛ بشغف لا يخفى، وهو الذي لا يفقه من العربيّة حرفا. إثر الأمسية، استضافني غليسمان في بيته، صحبة عامل تونسيّ مهاجر اسمه حميد يتكلّم الألمانيّة بطلاقة مثيرة.
كان البيت صورة من كنيسة قديمة أشبه بتلك التي يصوّرها الشاعر الإنكليزي فيليب لاركن (1922 ـ 1985) شاعر الظلال كما في نصّه «الحمامات».. تلك التي يراها الشاعر في ضوء يوم شتائي، ثمّ في نور القمر، ولكنّها سُودٌ مثل ظلالها الوهميّة.. شاعر الأشياء وهي تترنّح وتتهاوى أو هي تتبدّل وتتنصّل من طبيعتها أو حالتها الوقتيّة، من دون أن تفقد تماما صورتها النوعيّة، أو في قصيدته «زيارة الكنائس»: صحن واسع مثل البيوت العربيّة القديمة في تونس أو فاس أو دمشق أو القيروان أو الرباط.. لكن في فوضى مثيرة تقصّدها صاحبها.. لوحات معلّقة في كلّ مكان، حتّى في التواليت.. كتب أشبه بمخطوطات يتوكّأ بعضها على بعض؛ فيها أثر من رطوبة وغبار كذلك الحَبَب اللزج الذي يكسو الثمار.. آثار طلاء حديثة العهد.. لطخات من أحمر وأصفر خاصّة.. وقد عرفت أنّها بعض ألوانه الأثيرة التي يغنّيها قبل أن يرسمها أو يرسم بها وفيها.. نحاسيّات.. سجاجيد وزرابي مطويّة في هيئات مزرية، أو هكذا تلوح للوهلة الأولى.. وربّما هو نوع من الإهمال الذي يعرف كيف يتقنه ويجوّده فنّان مثل غليسمان.. بيانو صغير مركون.. معتِم صامت.. كأنّه عصَب مشدود.. نثار أزهار ذابلة.. وكان واضحا أنّ هذا الرسّام يعاني وحدة ثقيلة.. فلا أثر للمسة امرأة تضيء عتمة المكان.. إلاّ نساء الأساطير من «أمازنات» يقتادهنّ كيوبيد أعمى.. وكان غليسمان (أخبرني المصباحي بعد سنوات أنّه توفي وقد ضاقت به الحياة أو ضاق بها، بعد أن أخلت بلديّة ميونيخ البيت الذي كان ملكها، وأخرجته) كما يلوح من هيئته البسيطة؛ وهو الذي تخطّى الخمسين أو هي تخطّته؛ يعاني من إجهاد عقليّ أو جسدي.. غير أنّه ما أن أعدّ المائدة، واقتطع لنا من شريحة لحم سوداء.. وجبن.. وترشّف كأسه في بطء .. حتّى تدفّق في حديث رائق عن أثر الثقافة العربيّة في فنون أوروبا التشكيليّة.. قال لي إنّه يستحضر ذلك، بعد أن استمع إلى قصيدتي المهداة إلى بول كلي «عند أبواب القيروان» (عنوان لوحته عندما زار هو وماكي القيروان عام 1914. وقد حوّل المخرج التونسي هذه القصيدة إلى فيلم وثائقي ـ قصصي عام 1998، وشاركت في كتابة السيناريو والتمثيل).. وصديقنا التونسي حميد بيننا، ينقل ألمانيّته إلى عربيّتي، وعربيّتي إلى ألمانيّته؛ وهو يستمهلنا مستفسرا ـ والتونسيّون يتكلّمون عادة بعجلة وتوتّر، ويزدردون الحروف والأصوات ـ عن بعض الأسماء التي كنت أسوقها أو بعض المصطلحات والمفاهيم.. ثمّ نهض غليسمان، وأخذ يبسط سجاجيده وزرابيه المطويّة، ويأتي بلوحة من هنا أو هناك، أو يفتح مجلّدا من مجلّدات الرسم الكثيرة التي لديه؛ وهو يشير إلى خطوط وأشكال وأحجام وألوان، ليقنعني بأنّ ما فعله بيكاسو أو بول كلي وغيرهما… كان في نماذج غير قليلة، احتذاء لهذه التحف العربيّة من زخرفة حروفيّة ونباتيّة وأشكال هندسيّة؛ بما في ذلك أعماله هو التي كان أكثرها تنويعا على شكل المربّع.
ليس من مقاصدي في هذا المقال، أن أتتبّع الأثر العربي في فنون أوروبا وآدابها، فهذا موضوع له أهله من العرب وغير العرب. على أنّ ترسّم أثر كهذا ليس بالسهولة التي يمكن أن يتتبّع بها الباحث آثار العرب في علوم أوروبا وفلسفتها ومعمارها. وما أيسر فنّ كالأدب عامّة والشعر والرسم خاصّة؛ ينشأ في حيّز المجاز والاستعارة والكناية، أن تُردّ صور غير قليلة، بشيء من التأويل، وإلمامة بهلوان، إلى المثاقفة أو التداخل النصّي أو تأثير لغة في لغة أخرى. ولقد خاض في ذلك باحثون كثر، وساقوا أكثر من مثال: شكسبير في «تيمون الأثيني» والأرجنتيني بورخيس في بعض متاهاته. أمّا شكسبير، فقد يكون ـ رغم اختلاف الباحثين في نسبة المسرحيّة إليه ـ استوحى نصّه هذا من قصّة معروف الأسكافي في «ألف ليلة وليلة». ومعروف يحلّ ببلد غريب، ويتزوّج ابنة ملكها، وقد أوهم القوم بأنّه تاجر كبير يترقّب وصول قافلته، ثمّ يأخذ في منح الفقراء وذوي الحاجة، بلا حساب. وتنفد خزائن الملك، ويهرب معروف؛ لينزل ضيفا عند فلاّح. وفي غيابه ينفتح له باب سرداب مثل باب سمسم، كلّه جواهر ولآلئ ثمينة، ويظفر بالخاتم السحري. وأمّا تيمون شكسبير، فينفق من دون تفكير في الغد، وهو الذي لا يجد نفعا في جمع المال (صورة أخرى من طرفة بن العبد وهو يرى قبر نحّام بخيل بماله…). وإذ يباغته الفقر، يعمد إلى حراثة الأرض، فيصطدم جاروفه أو فأسه، بكنز من الذهب. ويعود إلى إنفاقه؛ لينزل مزيدا من اللعنات على البشر، كما يقول عبد الواحد لؤلؤة في دراسته للمسرحيّة. وأمّا بورخيس، فإنّه في بعض متاهاته؛ يكاد ينسخ قصّة عربيّة قديمة، من دون كبير إضافة. وقد أتى صنيعه الكاتب البرازيلي باولو كويلهو في «الخيميائي»، وهي رواية نالت شهرة واسعة؛ ولكنّني أعرف من البرتغاليّين والبرازيليّين، من يعتبرها من أدب «الكيتش» أو الأزهار البلاستيكيّة، أو من الهباء الأدبي الذي لا يعمّر طويلا. وقصّة بورخيس، قد تكون مأخوذة من ألف ليلة وليلة، ولكنّها سيقت أوّل ما سيقتْ مدوّنةً في كتاب المحسّن التنّوخي (القرن 4 هـ/10 م). وللقارئ أن يقارن بينها وبين قصّة بورخيس، ليدرك الشبه الكبير بينهما، وقد أعدت توزيعها لا أكثر ولا أقلّ.
مشهد 1(بصوت الراوي وهو بطل الحكاية في ذات الآن): ورثتُ عن أبي مالا جليلا، فأسرعت فيه وأتلفته؛ حتى أفضيت إلى بيع أبواب داري وسقوفها. ولم يبق لي شيء… وبقيت مدّة بلا قوت إلاّ من غزْل أمّي. فبينما أنا ذات ليلة، مستغرق في النوم؛ سمعت قائلا يقول لي في حلمي: غناك في مصر، فاخرج إليها. تزوّدت من بعض إخواني بنفقة السفر، وقصدت مصر.. لمّا وصلت مصر، طفت من ساعتي بأسواقها، فلم أظفر بعمل، ولا لاح لي شغل. وبقيت أيّاما على هذه الحال، حتى نفدت نفقتي.. تحيّرت وفكّرت في أن أسأل الناس، وأمدّ يدي على الطريق.. فلم تسمح نفسي. فقلت أخرج ليلا وأسأل، فخرجت بين العشاءين؛ فما زلت أمشي في الطريق، وتأبى نفسي السؤال؛ والجوع يحملني عليه، وأنا ممتنع؛ إلى أن مضى صدر من الليل..
مشهد2 (حوار):
ـ صوت (في نبرة حادّة): ماذا تفعل أيّها الرجل؟ ألم يبلغك أمر الأمير بمنع الطواف ليلا؟
ـ الراوي (بطل الحكاية): أنا يا سيّدي رجل ضعيف.. جائع.. وقد خرجت أسأل الناس.
لابدّ أنّك لصّ تتحيّن خلوّ الشارع، للسرقة.. أيّها العسس خذوه فابطحوه. ! ـ الصوت الأوّل: تتسوّل في هذه الساعة
ـ الراوي: يا سيّدي.. أنا اصدُقك الخبر.( يعود إلى سرد قصّته)، فقصصت عليه؛ وقد أدركت أنّه صاحب الشرطة قصّتي من أوّلها إلى آخرها.
ـ صاحب الشرطة: أنت رجل ما رأيت أحمق منك.. لقد ـ والله ـ رأيت مرّات في النوم كأنّ صوتا يقول لي: ببغداد.. في درب الطاق.. في محلّة الكرخ.. ( والراوي البطل متحدّثا إلى نفسه، بصوت خفيض): هذا دربي .. وهذي محلّتي..
ـ صاحب الشرطة: (يواصل رواية حلمه) دار يقال لها دار أبي عمر الحلّي.. (والراوي في نفسه): هذه والله داري.. وهذا اسمي..
ـ صاحب الشرطة: (يواصل روايته): فيها بستان.. وفيه سدرة.. (والراوي في نفسه): وفي بستان داري سدرة أيضا. ويقول صاحب الشرطة: وتحت السدرة، مدفون ثلاثون ألف دينار.. والصوت يقول لي في الحلم : امض فخذها.. ويسأل الراوي: ثمّ ماذا أيضا؟ ويقول صاحب الشرطة: والله ما فكّرت في هذا الحلم.. ولا التفتّ إليه.. حتّى ذكرت لي حلمك الساعة.. وأنت يا أحمق، تفارق بغداد، وتجيء إلى مصر؛ بسبب حلم..
ويعود الراوي إلى سرد قصّته: قوي قلبي بسماع الرجل، وقد أطلق سراحي. فبتّ في بعض المساجد، وخرجت مع السحر من مصر؛ فقدمت بغداد.. فقطعت السدرة، وأثرتُ تحتها؛ فوجدت جرّة فيها ثلاثون ألف دينار.
وأقدّر أنّ هذه ثروة سرديّة ولغويّة عميقة هي بمثابة روافد لمسالك الرواية، ولكنّنا لم نعرف بعد كيف نستثمرها ؛ على نحو ما فعل أيضا الإيطالي امبرتو ايكو في «اسم الوردة» حيث لغز المكتبة والكتاب المسموم، من لغز عربي قديم.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي