كثيرا ما طرحت قضية مواكبة الفنون عموما والرواية بالخصوص للربيع العربي، بشكل غير دقيق. هل كانت هذه الأخيرة قريبة أم بعيدة؟ هل انخرطت في التحولات أم انها بقيت على الهامش أم بكل بساطة وقفت ضد الثورات لأنها لم تر فيها ما رآه الآخرون؟ بل أكثر من ذلك كله، ألم تكن الثورات مجرد ترتيبات استراتيجية لتنفيذ مصالح غربية استعمارية بدأت التحولات الداخلية تتهددها؟ وكل الأسئلة تنحت مشروعيتها إما من التاريخ السابق أو من حاضر لا يسعف دائما لرؤية الأوضاع العربية بموضوعية في ظل ارتباكات كثيرة لا تسهل من مهمة الباحث.
المشكلة أيضا أن من يطرحوا اليوم مثل هذه الاسئلة، هم من النخب الثقافية التي ترى في الظاهرة الفنية أو الأدبية مسألة تكاد تكون آلية سبق ان انتقدوها في الفترة الستالينية السابقة التي رهنت الأدب بالمشروع السياسي والآيديولوجي وهو ما أطلق عليه وقتها بنظرية الانعكاس التي تفترض بسذاجة تحولا جذريا في البنية الفوقية، أي الثقافة واللغة والقناعات الدينية والقوانين وغيرها بمجرد حدوث تحول عميق في البنية التحتية.
نعرف اليوم طبعا ان للقيم الروحية والثقافية قانونها الخاص حتى ولو كانت التجاذبات قوية بين البنيتين. الرواية هي فن التحسس بامتياز. تحسس الأوضاع والحياة وأعماق البشر. لقد سبق رواد الفكر والأدب الفرنسيون الثورة بعشرات السنين لأن قرءاتهم الأدبية كانت من الصدق ما جعل افتراض الثورات أمرا ممكنا.
لم تكن كتاباتهم تبشيرا سطحيا ولكن قراءة عميقة للتحولات غير الظاهرة. لهذا فالرؤية العميقة ليست تلك التي تطلب من الأدب ضرورة الالتزام بالثورة أو الثورات والكتابة عنها ولكن تلك التي تعود إلى ما كتب منذ عشرات السنين لتتلمس بقوة بأن الأدب لم يكن صامتا ولا ميتا. إن السلسلة من الانهيارات التي قالتها الرواية العربية بطريقتها عبر رحلة المائة سنة الأخيرة وتحديدا النصف الاخير منها الذي غير الكثير من ملامح المجتمع العربي، تدل بقوة على أن الأدب والفنون تنخرط في الحياة باتساعها وليس في حدث قد يكون طارئا أو إيهاميا. كل الروايات التي اختارت السياسي والآيديولوجي ماتت وانهارت وتضاءلت حتى انتهت من المشهدية الأدبية.
في المئة سنة الأخيرة من الجهد الروائي العربي ظهر هذا التعطش للحرية والديموقرطية والبحث الدائم عن مجتمع آخر أكثر إنسانية وحبا وعدلا، من رواية زينب لهيكل التي لم تكن إلا تلك الرغبة لنزع الحيف عن المرأة ومنح المجتمع فرصة تتكافأ فيها العلاقة بين الرجل والمرأة، إلى معاداة هذا الغرب المستعمر ومحاولة خلق البدائل السياسية والثقافية وفق يوتوبيا كثيرا ما اصطدمت بمرارة الواقع الصعب والمتخلف. ربما كان انكسار اليقينيات هو أهم صفات هذه التحولات التي ميزت المائة سنة الأخيرة التي بدأت بمختلف اليوتوبيات التي صورتها الرواية العربية وانتهت إلى الأزمات المختلفة لتصبح الثورات العربية نفسها تجليا من تجليات التأزم الذي يبحث عن مخرج. ما كان يبدو قبل مدة قصيرة يقينا أصبح خيبة تضاف إلى سلسلة الخيبات المتراكمة. فكرة الوحدة العربية مثلا التي شكلت هاجسا سياسيا وثقافيا لجيل من الكتاب انتهت إلى سلسلة من التمزقات الكبرى جعلت من الأرض الواحدة أرضين. الرواية العربية ظلت قريبة من هذه التكسرات ومصغية لها ولمختلف الاختلالات على الرغم من المصادرات والقمع. فقد عبر عن ذلك عبد السلام العجيلي، نجيب محفوظ، حنا مينا، جمال الغيطاني.
صنع الله إبراهيم، الطاهر وطار وغيرهم. اقترب هؤلاء الكتاب من هذا الإرباك العربي ومن انشغالاته، ولكن برؤية نقدية استباقية كانت السبب الأول في المتابعات والخوف والمطاردات. فقد كانت الرواية العربية سباقة إلى رسم اللوحة الخفية لمجتمع متحول باحث عن طريق لم تكن ملامحه واضحة أبدا. دخلت الرواية في غمار التجربة الفنية العربية بالنقد والتحليل محملة بسلسلة من الاسئلة المعقدة لا تجد دائما اجاباتها الممكنة. هي ليست دراسات يقينية ولكنها وسائط تسمع بقوة إلى ما لا يسمعه الجميع. واجهت الرواية العربية عصرها بالانخراط فيه أولا والدفاع عن قيمه. الحرية. الاستقلال.
النضال ضد المستعمر فطورت سلسلة من الخطابات الوطنية الحية التي لم تمنعها عندما خلقت الاستقلالات الوطنية نموذجا دكتاتوريا جملكيا كسر يوتوبيا الخطاب الوطني. فتوغلت الرواية في نظمه الخفية. كتابات عبد الرحمن منيف. نبيل سليمان. بنسالم حميش. عز الدين التازي محمد ديب وغيرهم. هذه التعددية الكبيرة في الموضوعات وفي الرؤى جعلت الرواية العربية وسيطا فنيا للمقاومة. في كل منجزها الفني التاريخي شكل هاجس الحرية حجر الزاوية، لأنه بدونها لا يمكن التفكير في أية خطوة للتقدم والخروج من دائرة التخلف. فالرواية في النهاية هي الحرية بامتياز من حيث مساحاتٌها الواسعة والكبيرة.
فهي ليست فقط مرآة عاكسة ولكنها فضاء شديد الحساسية يمكنه ان يستبق ويلمس ويرى ما لا تراه العين. فما يحدث اليوم في الوطن العربي من ثورات وانهيار أيضا لهذه الثورات وتحول بعضها إلى حروب أهلية مدمرة وسقوط أخرى بين أيدي التيارات الاسلاموية المتطرفة، معقد ولا تنفع فيه الكتابة الانعكاسية.
ويحتاج إلى رؤية شمولية متعددة الجوانب وواسعة لا تكتفي باللحظة المعاشة التي قد لا تعني الشيء الكثير للأدب بانفصالها عن التاريخ ومجمل التحولات. نعرف مسبقا ان الثورات لا يمكنها ان تتم على الحرير فهي تبنى على الحلم ولكن أيضا على القتل والموت والعذاب والتشريد. إن الرواية التي تقول الثورة ليست دائماً تلك التي تعتمد خطابا ثوريا عاصفا مباشرا. رواية أنا كارنينا لتولستوي ومادام بوفاري لفلوبير والأحمر والاسود لستاندال ليست أقل ثورية من أشعار غارسيا لوركا أو أشعار ماياكوفسكي أو كتابات أراغون أو سارتر أو غسان كنفاني أو غيرهم، بل هي في صلبها لأنها تقرأ المجتمع في كليته وفي تفاصيله العميقه وليس فقط فيما يتجلى به على السطح.
واسيني الأعرج