رجال الأعمال قوة تناطح الدولة بقنوات فضائية وصحف خاصة… ومعركة السلطة مع منظمات المجتمع المدني خاسرة

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي» : الموضوع الأبرز في الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 29 مارس/آذار كان القرار المفاجئ الذي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعفاء المستشار هشام جنينة من منصبه، وتولي نائبه المستشار هشام بدوي القيام بأعمال رئيس الجهاز، ورغم ذلك فقد لوحظ أن الصحف لم توله اهتماما كبيرا، ربما لحظر النشر، خاصة أن نيابة أمن الدولة العليا ستبدأ في استدعائه والتحقيق معه.
وكان الرئيس السيسي من أشهر قد أصدر مرسوما بقانون يخوله إعفاء رؤساء الهيئات السيادية من مناصبهم، إذا دعت الضرورة لذلك، جرى ذلك قبل انتخابات مجلس النواب، وكان قد نشر وقتها أن المجلس سوف يشكل لجنة لاستجواب المستشار جنينة باعتباره مسؤولا أمام المجلس، بالإضافة للاستماع لأعضاء اللجنة التي أمر الرئيس وقتها بتشكيلها، لإعداد رد على الاتهامات التي أوردها، وجاءت في تصريح له لجريدة «اليوم السابع». ونشرت الصحف المصرية أخبارا أخرى مهمة أصدرها المجلس الأعلى لتأديب القضاة، الذي يرأسه رئيس محكمة النقض، أعلى سلطة قضائية بإحالة واحد وثلاثين قاضيا إلى المعاش، لثبوت توقيعهم على البيان الذي أصدروه من منصة الاعتصام في ميدان رابعة العدوية، وانحيازهم لفصيل سياسي هو الإخوان، وبراءة ثلاثة وعشرين قاضيا. كما أصدرت محكمة القضاء الإداري في الإسكندرية حكما يمنع هدم كنيسة في مدينة رشيد في محافظة البحيرة، مملوكة لطائفة الروم الأرثوذكس، كانت قد باعتها بعقد مسجل للغير الذي اشتراها لإقامة مبان على أرضها، وقالت المحكمة في حكمها أن الدستور ساوى بين المسجد والكنيسة، وهو صدر قبل توثيق عقد البيع في الشهر العقاري، وبالتالي هو الأوجب للنفاذ. أما اللافت في الأمر فهو أن المحكمة أشارت إلى أن البابا تواضروس الثاني بطريرك الأقباط الأرثوذكس هو الذي تدخل لمنع الهدم، وقالت المحكمة في حكمها أنه رمز ديني، وفي الحقيقة فإن طائفة الروم الأرثوذكس لا تتبع الكنيسة الأرثوذكسية في مصر وإنما كنيسة الروم في لبنان، أو سوريا، لأنها طائفة مختلفة شأنها شأن الكاثوليك والإنجيليين.
أما الموضوعات التي كانت أكثر اجتذابا لاهتمام الأغلبية، فلا تزال العبارة التي وردت في البيان الذي ألقاه أمام النواب رئيس الوزراء شريف إسماعيل، عن ضرورة اتخاذ إجراءات صعبة والتساؤل عن طبيعتها.. وإن كان زميلنا خفيف الظل في «الأخبار» عبد القادر محمد على قد فسرها أمس الثلاثاء بالقول في بروزاه اليومي «صباح النعناع»:
«بعد أن عرض شريف إسماعيل رئيس الوزراء برنامج حكومته على مجلس النواب قال فيه إن الحكومة ستتخذ العديد من القرارات الصعبة والشاقة التي طالما تم تأجيلها نصيحتي لمحدود الدخل أشتر ورقة توت قبل سعرها ما يولع». أما زميله الرسام هاني شمس فإنه اخبرنا أمس في العدد نفسه من «الأخبار»، أنه شاهد الفساد يفتح فمه وتظهر فيه أسنانه البيضاء بينما مواطن بائس وضعوا على عينيه عصابة عبارة عن بيان الحكومة وقال عن أسنان الفساد: – أنا مش شايف غير صفين لولي.
أما الموضوع الثاني الأكثر إثارة لاهتمام الأغلبية فهو مشكلة ارتفاع الأسعار بسبب تراجع الجنية أمام الدولار، وتخطيه في السوق السوداء حاجز العشرة جنيهات. والموضوع الثالث المهم للأغلبية كان نجاح الحملة التي قادها زميلنا وصديقنا أحمد موسى في برنامجه «على مسؤوليتي» على قناة «صدى البلد» ونقل فيها شكاوى أولياء الأمور من كثرة الحشو في الامتحانات، واتجاه وزير التربية والتعليم الهلالي الشربيني للاستجابة وتخفيف بعض المواد في امتحان الفصل الثاني، بسبب تكرارها. والموضوع الرابع الجاذب لاهتمامات الأغلبية كان مباراة منتخب مصر لكرة القدم مع نيجيريا في بطولة أفريقيا. وإلى بعض مما عندنا…

حظر النشر في قضية المستشار جنينة

ونبدأ مع قضية إعفاء المستشار هشام جنينة من منصبه وما قالته صحيفة «الأهرام المسائي» حكومية أمس في تحقيق لزميلينا محمود حامد وأحمد ياسين:
«كانت نيابة أمن الدولة العليا قد كشفت النقاب عن تفاصيل جديدة بشأن التحقيق في تصريحات الفساد المنسوبة للمستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، من خلال جمع المستندات والتقارير والمعلومات الخاصة بالجهاز، التي احتفظ بصورها وبعض من أصولها، مستغلا في ذلك صلاحيات منصبه رئيسا للجهاز الرقابي. وقالت النيابة ـ في بيان أصدرته مساء أمس: إنه استمرارا للتحقيقات التي تجريها في واقعة تصريحات المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بشأن تكلفة الفساد في مصر عن عام 2015، فقد أوردت رئيسة قسم الحوكمة في وزارة الدولة للتنمية الإدارية والمشرفة والمنسقة للجهات الخمس المعنية بإعداد تقرير الفساد، بأنه يختص بالفترة الزمنية بين عام 2008 إلى 2012، وأن تكون في إطار مفهوم الفساد المقرر بالاتفاقيات الدولية النافذة في مصر، وأنها تقتصر على الجرائم العمدية وأن الجهاز المركزي للمحاسبات غير معني بتحديد الفساد، وأن البيانات الواردة من اللجنة في هذا الإطار غير منضبطة، وأن تصريح رئيس الجهاز بشأن تكلفة الفساد في مصر خلال 2015 يتسم بعدم الدقة. وأفاد أعضاء اللجنة المشكلة من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات بما قررت به رئيسة قسم الحوكمة ذاته، أن التقرير تضمن احتساب مخالفات سابقة على عام 2012، وكذلك احتوى على أخطاء تمثلت في تكرار قيم الضرر. وتابع البيان أن تحريات الرقابة الإدارية أشارت إلى قيام رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بجمع المستندات والتقارير والمعلومات والاحتفاظ بصورها وبعض من أصولها، مستغلا في ذلك صلاحيات منصبه، وسوف تتم مواجهة رئيس الجهاز المركزي بما سلف، الذي سيكون محل بيان لاحق من قبل النيابة العامة، على اعتبار أن قرار حظر النشر في هذه القضية مازال ساريا عدا ما يصدر من بيانات النيابة فيها».

يوم المرأة المصرية

والموضوع الثاني في تقريرنا لهذا اليوم سيكون عن أبرز معارك النساء بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة المصرية الذي قال عنه يوم الاثنين في مقاله في جريدة «الوطن» زميلنا وصديقنا وزير الثقافة حلمي النمنم: «احتفلنا الأسبوع الماضي بيوم المرأة المصرية 16 مارس/آذار، وهو اليوم الذي خرجت فيه المرأة المصرية أثناء ثورة 1919 في مظاهرة نسائية كبرى، مشاركة في الثورة من أجل استقلال مصر، وسقطت في تلك الثورة عدة شهيدات برصاص جنود الاحتلال البريطاني ولما انتهت الثورة إلى دستور 1923، تم حرمان المرأة من أي دور سياسي. احتجّت بعض السيدات لأن الدستور نصّ على أن حقّ التصويت للمصريين جميعا. وردّ جهابذة القانون الدستوري بأن المقصود بالمصريين جميعا الرجال فقط، وهكذا كان على المرأة المصرية أن تنتظر وأن تناضل حتى نالت هذا الحق، التصويت والترشيح في الانتخابات العامة في دستور 1956، الذي بدأ تنفيذه اعتبارا من انتخابات مجلس الأمة سنة 1957، ودخلت سيدتان إلى البرلمان لأول مرة، وهما أمينة شكري من الإسكندرية ورواية عطية من القاهرة. اليوم لدينا في البرلمان 89 نائبة جئن إلى مواقعهنّ بانتخابات نزيهة وحرة ولدينا أربع وزيرات في الحكومة، وزيرة التضامن الاجتماعي وهو المنصب الذي تتولاه على الأغلب سيدة منذ أن دخلت د. حكمت أبو زيد الوزارة لأول مرة زمن الرئيس عبد الناصر».

لميس جابر: شفيت من مرض الناصرية

ورغم أن خالد الذكر حقق للمرأة لأول مرة في تاريخها الكثير من الإنجازات إلا أن امرأة دخلت مجلس النواب بالتعيين، وكانت ناصرية سابقة، وهي طبيبة الأسنان لميس جابر، احترفت شن الهجمات ضده والانحياز للعهد الملكي، واعتبرت نفسها مؤرخة للأسرة العلوية بعد أن عرض لها مسلسل تلفزيوني عن الملك فاروق.
ونشرت لها «الوفد» يوم الاثنين حديثا أجراه معها زميلنا خيري حسن قالت فيه، إنها شفيت من مرض الإعجاب بخالد الذكر وأضافت: «عبد الناصر بالنسبة لي كان مثلما كان بالنسبة للمصريين، لكن أنا تعالجت من مرض عبد الناصر الفكرة نفسها مرض، لكن لأن الإعلام الناصري وكتابه وعشاقه غيبوا وعي الناس ظل الكثير من الناس – خاصة الكتاب والصحافيين أو بعضهم – مغيبين ومرضى بنوع مرض سياسي اسمه عبد الناصر، أبي لم يعالج من مرض عبد الناصر مثل غيره من المصريين، لكن أنا – الحمد لله – اتعالجت عقبال الآخرين. وأنا أحضر لمسلسل الملك فاروق ذات ليلة وأنا أقرأ التاريخ من مصادر متنوعة، وقع تحت يدي كتاب بعد أن فرغت منه أغلقت صفحاته ومعها أغلقت صفحة عبد الناصر من حياتي الفكرية، واعتبرته هو السبب الأول في قتل العمل السياسي المصري، بل هو الذي خرب ودمر ودفن التجربة الديمقراطية في مصر منذ أن جاء للحكم».

الناعوت: جيلي كلَّه تغيّب
عن لقاء السيسي بالمثقفين

ومن «الوفد» إلى «المصري اليوم» في يوم الاثنين نفسه ومقال المهندسة والشاعرة الجميلة فاطمة ناعوت التي أرسلته من كندا تعبر فيه عن حزنها لعدم دعوتها للاجتماع قالت: «ليس جديدا أن يُكرّمَ الأديبُ في أصقاع الأرض كافّة ويُقدّم للمحاكمة أو يُسجَن داخل بلاده، أمرٌ يحدث كلّ يوم وفى كل مكان وأنا في طريقي الآن إلى تورنتو في كندا للتكريم، ستكونُ المرةَ الأولى التي لا أشارك فيها في لقاء الرئيس السيسي بالمثقفين منذ أصبح رئيسا لمصر، وحتى قبل أن يتقلّد مقاليد الحكم أثناء حملته الانتخابية، لم أتلقَّ دعوة للمشاركة هذه المرة، ربما لسفري، وربما لأن جيلي كلَّه قد تغيّب عن هذا اللقاء الذي لم يحضره إلا الرعيلُ الأول من الأدباء والكتّاب الكبار، وربما لأن عليّ حكما ابتدائيّا بالسجن سنواتٍ ثلاثا لو كنتُ حضرتُ ذلك اللقاء لكنتُ تكلّمتُ مثلما فعلتُ في لقاءاتي السابقة معه، عن قضية التعليم التي تؤرّق ليلى ونهاري. في لقائي الأخير بالرئيس عبد الفتاح السيسي ضمن وفد الأدباء والمثقفين قلتُ له بالحرف: «التعليم يا ريّس الثقافةُ كيف بوسعك أن تساعدنا لنجعلها مشروعا قوميّا؟» فأجاب بالحرف: «أنتم يا أستاذة فاطمة ضميرُ هذا الوطن، انطلقوا وأشيعوا الثقافة والتنوير وأنا في ظهركم». أول مبادئ إشاعة الثقافة يا ريّس هي أن يعبّر كلُّ مثقف عما في رأسه من أفكار تنويرية، من دون خوف من محاكمة أو سجن، ثم تُقارَع الفكرة بالفكرة حتى نخلق حالا من العصف الذهني، الذي به تتقدم المجتمعات. شكرا على توجيهك للبرلمان بسنّ قانون يحمى الدستور ويحمينا من تغوّل الغُلاة».

تدني إدارة المؤسسات الثقافية

وكانت زميلتنا الجميلة في مجلة «البوابة» رشا يحيى في انتظار لميس وفاطمة في يوم الاثنين نفسه فقالت غاضبة ومستنكرة: « أثار اجتماع الرئيس بالمثقفين بعض التساؤلات حول ترشيحات هذه الشخصيات، فرغم أن اللقاء ضم بعض القامات العالية من المفكرين المحترمين، إلا أنه ضم أيضا الكثير ممن يجب ألا ينالوا شرف مجالسة الرئيس، فقد ظهر بعضهم مبتزا ومستغلا للظروف المحيطة بالرئيس، ولكن مثقفي الرئاسة الذين يرونهم يؤثرون على الشارع المصري، طالبوا الرئيس بإطلاق سراح الأستاذين البحيري وناجي بغض النظر عن سلوكهما المهين للمجتمع قبل الدين. كيف لمثقفين أن يطالبوا رئيس الدولة «علنا» بأن يتدخل في القضاء؟ هل تلك ثقافة يريدون ترسيخها؟ أم صورة يبعثونها للأعداء في الداخل والخارج لتشويه صورة مصر وقضائها؟ أليس من الأجدى أن يطالبوا أنفسهم بإيجاد آلية للانضباط والحفاظ على الحرية المسؤولة وليس الخروج على الآداب العامة والثوابت الدينية، وأن يطالبوا بتشريعات وقوانين وليس تدخلا رئاسيا؟ هل سأل أحد منهم عن ضابط وجندي اختفيا في الهجوم الإرهابي الأخير في سيناء؟ ألم يشغلهم أن يسألوا ماذا تفعل الدولة من أجلهما وما وصلت إليه فرق البحث؟ هل ناقشهم سيادة الرئيس في تدني إدارة المؤسسات الثقافية التي يصفقون لها ولا يعلمون أنها في أسوأ أحوال التدني وأن ما يحيطها من أضواء براقة خداع بصري؟ هل واجههم بسلبياتهم وسوء أدائهم حتى أصبحوا عبئا على الدولة بدلا من أن يكونوا معينين لها؟ المثقفون يا سادة يفترض أنهم من يبنون الأمم بالفكر والسلوك الحضاري والقصص والشعر والأفلام وتجسيدهم لحياة أبطالنا من الضباط، لإذابة الفجوة بينهم وبين من يجهلون حياتهم، وترقيق القلوب عليهم.. وإقامة الندوات الثقافية الجذابة لتجيب عن الأسئلة الحائرة بكل أريحية.. وليس الجلوس في أبراج للتأفف والازدراء والعبث بمصير شعب قوامه أكثر من «90 مليونا» لمجرد تحقيق مصالح ذاتية على جثة وطن».

حوارات فكرية بمنهج عقلي راق

أما زميلتنا الجميلة في مجلة «روزاليوسف» زينب منتصر فقد أشارت يوم الاثنين في مقالها في جريدة «الأسبوع» الأسبوعية المستقلة الذي تكتبه تحت عنوان «شبابيك» إلى معركة حدثت في برنامج تلفزيوني عن دعوة لإباحة الشذوذ قالت عنها: «توقفت أمام التصريحات التي قذفتها في وجهنا نوال السعداوي مؤخرا في برنامج تلفزيوني، وقد تعودنا على تلك الأفكار التي تتجاوز فيها حدود الجرأة وتذكرنا بالمجتمعات الغربية التي هي نبت منها، لا بيئتنا ومجتمعنا الذي له خصوصية معينة. تلك المجتمعات بعد أن بلغت درجة من الإشباع الفكري والتمرد، صار الاستثناء قاعدة، مثل نظرائهم مثلا للشواذ الذين يسمونهم مثليين وكأنهم يرددون قول أديبنا إحسان عبد القدوس: أنا لا أكذب ولكنني أتجمل. نوال ترى في ذلك شيئا طبيعيا ثم ترفض تعدد الزوجات. فيرد عليها د. جابر عصفور بعقلانية شديدة وموضوعية أيضا، بأنها حرة فيما تعتقد، لكنه يختلف معها في أن «الشذوذ» ليس من مجتمعنا، وأن المرأة مقدرة وتعدد الزوجات له ضوابط دينية، وهذا شيء محمود للغاية. وتدخل على الخط د. آمنة نصير وتتشدد في رفض تلك الأفكار جملة وتفصيلا، لكن يحسب لها أنها لم تكفرها، ولم تقذفها بالتهم وازدراء الأديان ولا حجارة من سجيل! وإنما برهنت على أن تلك الأفكار ليست من صحيح الدين. نعم هذه هي نوعية الحوارات الفكرية التي نحتاجها والتي تتسلح بمنهج عقلي إنساني راقٍ، الذي به نفيد ونستفيد، بل نتقدم صوب استعادة الخصوبة الفكرية المصرية التي افتقدناها منذ عقود».

هل الدفاع عن النساء جريمة؟

ومن مجلة «روزاليوسف» إلى «المصري اليوم» وفي يوم الاثنين نفسه نقرأ مقال الكاتبة مُزن حسن، ومما جاء فيه: «اعتادت الحركة النسوية على مدار تاريخها مواجهة منعطفات عدة، صعودا وهبوطا، تأخرا وتقدما، نجاحات وإخفاقات، انتكاسات وإنجازات ولو بطيئة، لكن في كل مرة كان الثمن حاضرا؛ بداية من الاتهام وربط مفهوم تحرير المرأة بالفجور والفسق، انتهاء بالمعاقبة بالسجن لنساء دفعن من أعمارهن في السجون أو تحت الإقامة الجبرية مقابلا لما طالبن به من حقوق.
اليوم تواجه الحركة النسوية تحديا جديدا، حيث تحريك قضايا ومحاولات تشويه وانتقادات لما قامت به مجموعات نسوية من أنشطة علنية وتحركات سلمية، خاصة في السنوات الأخيرة، ومن بين تلك التهديدات ما تتعرض له «نظرة للدراسات النسوية» كإحدي المنظمات غير الحكومية العاملة في هذا الشأن. لكن قبل الإلزام بالرد الرسمي المفروض قانونا، فهناك أقوال أخرى نقاشها أصبح ضرورة، أو استجابة لضرورتين إن أردنا الدقة.. ضرورة يفرضها ما نقوم به من عمل يستهدف مجتمعا حقه علينا أن يعرف، وأخرى في مواجهة التشويش حيث تختلط الحقائق ولربما تضيع أو تغيب عن عمد.
الاتهامات الموجهة لنا كنسويات قانونا تتراح عقوباتها من السجن ستة أشهر إلى خمسة وعشرين عاما، ومجتمعيا فهناك محاولات تشويه عملنا ودورنا المعني بإتاحة مساحة آمنة لنساء وفتيات هذا الوطن. في المجمل فنحن «نتآمر ضد هذا الوطن بكيان غير شرعي، وجزء من مؤامرة تستهدفه» هكذا للأسف يقدم الأمر للجمهور، أو هكذا تقول حملة الاستهداف ضمنيا. وما زلت لا أعلم هل مثل تلك الاتهامات هي فقط في إطار الاتجاه المتزايد نحو تأميم المجال العام، أم لأن مجتمعاتنا ما زالت تضع قضايا النساء في إطار تصفية الخصومة السياسية كحلقة أضعف؟ أم ترى أن الدفاع عن نساء هذا الوطن جريمة أم كل تلك الأسباب وهو الأرجح؟».

الاقتصاد والقطاع العام

وإلى القضية والمحورية لكل شيء وهي الاقتصاد والأزمة الخانقة وكيفية الخروج منها وتشجيع الاستثمار، وفي الوقت نفسه إصرار النظام على أن يكون له دور بارز ومؤثر في الاقتصاد، وبدأ النقاش يوم الاثنين في «الأهرام» أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في القاهرة الدكتور جلال أمين بقوله عن جذور الأزمة: «كان لابد إذن أن تتفجر أزمة في سوق الصرف، كما رأينا منذ أيام قليلة، ولكنها جاءت فوق تل من المشكلات المتراكمة: انخفاض في معدل نمو الناتج القومي، زيادة في الديون الخارجية والداخلية، زيادة العجز في الميزان التجاري وميزان المعاملات الجارية وعجز الموازنة العامة وزيادة معدل البطالة، مع ارتفاع معدل التضخم، مما لا يخلو من طرافة الاقتراح الذي قدمه البعض بأن الحل هو في الاستعانة بآراء ثلاثة أو أربعة من الاقتصاديين المصريين المشهورين، الذين حققوا شهرة عالمية لذكائهم وسعة علمهم، ما سمح لهم بالعمل في مؤسسات دولية لمدة طويلة، إذ قيل إن مثل هؤلاء هم من يستطيعون تقديم الحلول الحاسمة لمشكلة الاقتصاد المصري. وأنا أعتبر هذا طريفا لعدة أسباب منها، التساؤل عن السبب في عدم الأخذ بهذه الفكرة منذ زمن طويل، وترك الحالة الاقتصادية تتردى على هذا النحو، مع وجود هؤلاء الخبراء واستعدادهم بالطبع لتقديم أي خدمة تطلب منهم من أجل الاقتصاد المصري، ومنها أيضا أن هذا الاقتراح يصور حل مشكلة مصر الاقتصادية وكأنها مثل حل معادلة رياضية، ولا يميز من المعرفة الفنية بالعلاقات بين المتغيرات الاقتصادية وبين إدراك اعتبارات الاقتصاد السياسي، التي تحتم الاعتراف بأن مشكلات من نوع مشكلات الاقتصاد المصري تحتاج إلى اتخاذ مواقف سياسية ترى الصورة الاقتصادية كجزء من صورة اجتماعية وسياسية أشمل وتوازن بين المصالح الاجتماعية المختلفة».

إنقاذ اقتصاد مصر أم إنعاش البورصة؟

وإلى جلال آخر وموضوع الاقتصاد نفسه، وهو زميلنا وصديقنا في «الأخبار» ورئيس المجلس الأعلى للصحافة جلال عارف، وقوله في يوم الاثنين أيضا في عموده اليومي «في الصميم» عن حديث طارق عامر محافظ البنك المركزي مع زميلتنا الجميلة لميس الحديدي في برنامجها على قناة «سي. بي. سي»: «قال محافظ البنك المركزي، المطلوب استثمار أجنبي حقيقي يأتي معه برأسماله، ونعطيه كل التسهيلات ليعمل على أن يكون هدفه الأساسي التصدير، ليأتي بالعملة الصعبة، وليس ليستنزف أموال بنوكنا في التأسيس، ثم يطالبنا بتوفير الدولارات ليحول أرباحه من السوق المحلية للخارج. النقطة الثانية التي نتوقف عندها هي، تأكيد طارق عامر على أن ظروف الدولة تحتم امتلاك الأدوات المصرفية والبنوك العامة، التي تمكنها من إدارة الاقتصاد بطريقة سليمة وتوفير الموارد المطلوبة لاستيراد السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج، وللتحكم قدر المستطاع في الأسعار لضمان الاستقرار في المجتمع، لهذا تحتفظ الدولة بالبنوك العامة التي تحقق منذ أن قاد فاروق العقدة عملية إصلاحها أرباحا قياسية وتعطي للدولة الفرصة لتنفيذ سياساتها الاقتصادية ودعم الصناعة والزراعة المحلية، وتضيف إليها الآن تطوير بنك التسليف الزراعي ووضعه تحت إشراف البنك المركزي لخدمة هذا القطاع الأساسي، ويترافق ذلك مع عودة الوزارة الخاصة بقطاع الأعمال. ويبقي السؤال هنا، كيف يترافق الإدراك بضرورة امتلاك الدولة للأدوات المصرفية والبنوك العامة لتقود عملية التنمية المنشودة مع التخلي عن 40٪ من حصة مصر في البنك العربي الأفريقي و20٪ من بنك القاهرة بحجة إنعاش البورصة، إنقاذ اقتصاد مصر ودعم تنميته أم إنعاش البورصة هذا هو السؤال؟».

المواطن مازال ينتظر حياة كريمة

وفي عدد «الأخبار» نفسه قال زميلنا وصديقنا رئيس تحريرها السابق محمد حسن البنا:
«عندما ظهرت الشركات والمؤسسات العامة، لم تكن تخسر وكان إنتاجها يملأ الدنيا، لكن الفساد والرشوة والمحسوبية والإدارات الفاشلة طالتها، وأصبحت عبئا على الدولة، ولا تستطيع الموازنة تحمل مرتبات العاملين فيها، لكنها تملك أصولا من ذهب وخبرات نادرة، وبدلا من إعادة هيكلتها واستثمار هذه الأصول تفكر الحكومة في الحل الأسهل، وهو التخلص منها وطرحها في البورصة، المهم الآن من سيشتري؟ أغلبية المواطنين لا تقدر على شراء الأسهم، لأن الحكومة تمص دمنا ليل نهار في أسعار من نار، من إذن معه المال نفر من رجال الأعمال نهبوا البلد واستأثروا بأرضها وخيراتها تحت سمع وبصر الحكومة، هربوا أموالهم إلى الخارج والحكومة الآن تبحث عن مديونياتهم للضرائب واسترداد الأرض منهم، لكن من يقدر على هؤلاء؟ بعد أن أصبحوا قوة تناطح الدولة بقنوات فضائية وصحف خاصة وأصبحوا مقربين من السلطة كما كانوا أيام مبارك.. المواطن مازال ينتظر حياة كريمة، بالفعل وليس بالكلام الأجوف والبيانات المدهونة بالزبدة في مجلس النواب الذي لا يعيش مع الشعب».
تقليد تجربة بولندا في تصفية القطاع العام

ومن بين الصحف الخاصة المملوكة لرجال الأعمال «المصري اليوم» التي طالب فيها زميلنا وصديقنا سليمان جوده في عموده اليومي « خط أحمر « بتقليد تجربة بولندا في تصفية القطاع العام بقوله موجها كلامه لوزير قطاع الأعمال أشرف الشرقاوي: «أقترح شيئا عليه فهذا الشيء هو أن يطلب تقريرا من سفيرنا في بولندا عن الطريقة التي تعاملت بها الحكومات البولندية المتعاقبة مع حكاية القطاع العام، منذ أن تخلصت بولندا من نظام الحكم الشيوعي، وسوف ترى كيف أن بولندا حين تحولت عام 1991 من دولة القطاع العام إلى دولة أخرى لا مكان لشركة خاسرة فيها، فإنها أتت بورقة وقلم وقالت لمواطنيها بوضوح لا يحتمل أي لبس، إن عدد شركات القطاع العام عندهم هو كذا، وإن 37 منها فقط هي التي سوف تستبقيها الدولة لاعتبارات محددة، وإن ما عدا ذلك سوف يتم طرحه للبيع وفق خطة معلنة ومتدرجة، وإن البيع ليس من الضروري أن يكون لمستثمر أجنبي ،وإنما يجوز أن يكون للمواطنين أنفسهم ليصبحوا هم المالك وليكونوا عندئذ هم الجمعية العمومية التي تحاسب رئيس الشركة إذا خسر مليما واحدا في آخر كل سنة».

إعادة هيكلة الشركات الخاسرة

لكن زميلنا في «المقال» معتمر أمين أصاب سليمان بالإحباط عندما قال في اليوم نفسه: «عودة وزارة قطاع الأعمال للحياة مرة أخرى في ظل قيادة حازمة وأمينة متمثلة في الرئيس السيسي، مع الأخذ في الاعتبار أن وزير الزراعة السابق في عهد السيسي يحاكم الآن في قضية رشوة، يجعلنا ننظر بعين الترحيب لعودة تلك الوزارة للعمل مع بعض التحفظات، هل عادت الوزارة من أجل تصفية الشركات المملوكة للدولة؟ واقع الأمر أن هذا غير وارد على الإطلاق، فالرئيس السيسي له أكثر من حوار تكلم فيه عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد المصري، بسبب بيع نوع معين من الشركات المملوكة للقطاع العام، ومنها الحديد والإسمنت، بحيث أصبحت الكلمة العليا لرجال الأعمال على حساب الدولة ومصالحها أحيانا. كما تكلم عن ضرورة عودة الإنتاج في كل الشركات والمصانع المتعثرة، لذلك من غير المتوقع أن تتم ترجمة فكر الرئيس إلى خطط لبيع القطاع العام وقطاع الأعمال، لكن المتوقع أن تتم إعادة هيكلة الشركات الخاسرة، لكي تصبح رابحة، كما أننا نتوقع أن تتم طرح نسبة من ملكية كل الشركات العامة في البورصة المصرية لما في هذا من مكاسب لا حصر لها للشركات والمجتمع والاستثمار، وفي هذا الإطار لابد أن تتضمن خطة الوزارة لإعادة هيكلة الشركات الخاسرة والناجحة على حد سواء، آلية تسمح بفصل الملكية عن الإدارة كما تسمح بالاستعانة بالشركات الخاصة لإدارة الشركات العامة بعد الإنفاق على الأهداف وتحديد المستهدف المتوقع من الإنتاج والأرباح».

الخلط بين القانوني والسياسي

ونعود إلى «المصري اليوم» لنقرأ مقال الكاتب عمرو الشوبكي عن معركة السلطة مع مؤسسات المجتمع المدني التي يقول عنها عمرو إن السلطة: «ستخسرها وستضرها أكثر مما ستفيدها، لأنها أولا معركة خلطت فيها بشكل فج بين القانوني والسياسي، وضمت ثانيا منظمات تعمل في مجال التنمية ولا علاقة لها بالسياسة، مع أخرى حقوقية تعمل ولو بشكل غير مباشر في السياسة تحت تهمة وحيدة هي التمويل الأجنبي. والسؤال: لماذا ستخسر الحكومة المصرية هذه المعركة وستضطر للتراجع عما تقوم به؟ الحقيقة أن هناك عدة أسباب وراء الخسارة المقبلة، فهناك الموقف الدولي الضاغط في معركة وضعت 173 جمعية ومنظمة مدنية رهن التحقيق، وفي سلة واحدة، في حين أنه كان يجب على الدولة أن تجيب عن السؤال: هل معركتها مع هذه الجمعيات سياسية أم قانونية؟ أم بالأحرى هل يتعلق بخطابها وتوجه بعضها الحقوقي، وموقف قلة منها لم تُضبط مرة ولو سهوا تدين الإرهاب أو تنعى شهداء الجيش والشرطة في سيناء وغيرها، وبالتالي فإن الأمر يحتاج لمواجهة سياسية وليست أمنية، أم أن هذا الهجوم هو نتيجة مخالفات مالية وإدارية قامت بها بعض هذه المنظمات، ويصبح الأمر في حاجة إلى سلطة رقابة مثل الجهاز المركزي للمحاسبات وليس سلطة تحقيق؟ مدهش أن معظم هذه المنظمات تعمل في مجال التنمية ولها إنجازات كبيرة على الأرض في مواجهة البطالة والفقر والأمية، مثل الهيئة القبطية الإنجيلية وغيرها الكثير، كما أن خطاب كثير منها لا يعارض النظام الحالي، ودور بعضها في الدفاع عن قضايا المرأة والمواطنة مؤكد، فهل يمكن أن تواجه الدولة كل منظمات المجتمع المدني بتهمة التمويل الأجنبي الذي سمحت به على مدار عقود واكتشفت فجأة أنه عيب وحرام… لا يواجه الحكم أي مخالف في الرأي، سواء كان تيارا سياسيا أو منظمة حقوقية، برأي سياسي آخر، إنما بهجمة أمنية، كما أن الدولة كما هي العادة لم تقترب من مؤسسات تلقت ملايين الدولارات من الخارج من دون أي رقابة، ومارست تخريبا حقيقيا داخل المجتمع، ولكنها لم تُمس لأنها تنافق السلطة القائمة وتخوّن من يعارض أو ينتقد من أجل الإصلاح، في حين لاحقت آخرين لأنهم معارضون وليس لأنهم مخالفون لقانون وضعته الدولة وتطبقه على الجميع. النجاح حين تدخل معركة أن تكون مسلحا بكل أدوات الفوز والانتصار، أما أن تدخل معركة وأنت تجمع حولك كل أدوات الخسارة فهذه موهبة استثنائية لا حسد عليها».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية