هذه المرة، كانت الرحلة في الأراضي الفلسطينية لحظة فرح في مسارها العام، على الرغم من جرح المستوطنات التي تخترق الأراضي لدرجة أن أصبح جليا أن مآل الفكرة الصهيونية صار واضحا، على الأمد المتوسط أو البعيد، بتحويل المدن الفلسطينية إلى كانتونات معزولة عن بعضها بعضا، بحيث يصبح من المستحيل التفكير بعدها في دولة بعد سرقة كل مقوماتها، وكأن النهب الاستيطاني القانوني بين قوسين، الذي أعقب أوسلو، لم يكن كافيا.
نرى اليوم بين المدينة والمدينة، والهضبة والأخرى وبين الوادي والوادي، مستوطنات تظهر كنباتات الفطر، ستتحول في وقت قريب، إلى معابر إجبارية محرمة على الفلسطيني داخل أرضه، وإلى أداة قهرية لتمزيق أوصال الضفة الغربية أو ما تبقى منها.
في الوقت الذي ستتقاطع المستوطنات فيما بينها مشكلة كيانات كبيرة وقوية قادرة على الضغط على الحكومة الإسرائيلية والكنيست، للمزيد من التمدد في ظل زمن التطرف الذي أصبح يحكم العالم. وكأن المسألة مسألة وقت لا أكثر.
لم يبق أمام الفلسطيني إلا الإصرار على صناعة الأمل الصعب والمكوث على أرضه.
ما لاحظته من أمل في حياة تصنع في السر من خلال العمل الدائم في ظل ظروف شديدة القسوة تبين أن هذا الأخير حفظ جيدا درس 48، في ظل عالم يعيش عقدة ذنب صنعها في أربعينيات القرن الماضي، ولا علاقة للعربي بها.
محافظة طولكرم منحتني يقينا أذهلني في أن الموت ليس قدرا والاستسلام ليس مآلا. لا خيار لتخطي حاضر قاس إلا بالعمل الجاد والتفكير في المستقبل بعيون مفتوحة على كل التوترات المحيطة. سمة ارتسمت بقوة في محافظة طولكرم بمختلف بلدياتها المحيطة بها، على الرغم من حائط العار الذي اقتطع الكثير من الأراضي الفلسطينية ومزق القرى والمدن المحيطة على شاكلة باقة الشرقية وباقة الغربية، حيث يمتد حائط الفصل العنصري مثل ثعبان بحثا عن مساحات أخرى لابتلاعها. ليدرك الزائر كم أن آلة الاحتلال قاسية وإجرامية أيضا، لا تفكير لها إلا بمنطق القوة والنهب والإذلال. ويصنع الظالم قبره. فهي لا تفكر لا في الإنسان، ولا في الطبيعة، ولا في منطق التقسيم والنهب إذا كان لذلك منطق، باحترام ما وقعت عليه على الأقل.
أربعة رؤساء بلديات وأربع إرادات متكاملة وأحلام تصل أحيانا درجة الجنون. عندما توقفت سيارتنا القادمة من رام الله عند مصنع الحجاز، في بلدة عنبتا، برفقة الغالية أسمهان التي تركت كل شيء، وسخرت كل جهدها لمرافقتنا، كان في استقبالنا مديره السيد مناف حجاز، اندهشت أولا من الطبيعة الحية والغنية والجميلة، التي لا شيء يقلقها إلا العلامات المنتصبة هنا وهناك لاحتلال شديد القسوة، واندهشت ثانيا أن قوة هذه الأرض المجروحة التي تنشأ فيها الإرادة مثلما تكبر النباتات المقاومة على الرغم من شح المياه. عندما توغلنا في عمقه بعد القهوة العربية، لم أتوقع أن أجد مصنعا حقيقيا بتلك القيمة والمواصفات العالمية الدقيقة وتوظيف لطاقة عمالية نسائية معتبرة.
في فلسطين، الإرادة ليست لغة ولكنها فعل حقيقي. تصنع المعجزة على الرغم من كل الموانع والتخوفات من عدو يتربص بكل حلم. يبدو لي أن الفلسطيني، يحتاج إلى نسيان فكرة أنه تحت آلة ظالمة، ليستمر في العيش والحلم. مواصلة العمل والإنتاج والتفكير في المستقبل، هي في حد ذاتها جرأة وشجاعة وانخراط في الحياة. غير ذلك، معناه انتصار آلة الموت. التفكير بشكل دائري لا يفضي إلا إلى مزيد من اليأس؟ هذا لا يعني مطلقا أنه تخلى عن قضيته الأساسية التي لا مستقبل كبير يقوم من دونها. مضايقات السوق والاحتلال لا يمنعان مطلقا صاحب المصنع من العمل والتخطيط الدائم. حتى الإجابة عن سؤال الصعوبات، قال: المستقبل لفلسطين ولقدراتنا الإبداعية الخلاقة.
في بلدية عنبتا، استقبلنا رئيس البلدية المهندس ثابت عمر، كان جميلا ورائعا في حبه لضيوفه، الاستضافة بكأس شاي مع المرامية، كان لها طعم الاكتشاف. بانشغال وطني كبير، شرح لنا وضعية بلديته والصعوبات ووضعية الساكنة في المنطقة، والجهود التنسيقية التي يقوم بها مع أصدقائه في المحافظة. ربما كان أهمها هو محاربة اليأس والدفع إلى المبادرة وتشجيعها، لأن المعاناة المالية التي تعاني منها البلدية والسلطة نفسها، مفجعة، لا تمنح أي أفق، وهو ما يشجع الناس للذهاب نحو مشاريع صغيرة مفيدة يعملون على تطويرها.
تتكفل بلدية عنبتا بالمشروعات الكبيرة والبنية التحتية، كالطرقات ومجاري المياه والمرافق الصحية، والكهرباء. الباقي ينشأ على إرادة المواطن، على الرغم من المعاناة اليومية. كل اليأس الذي قرأته في البلدان العربية الكثيرة التي زرتها التي تعيش زمن الموت المبرمج، لم أره في عيني الفلسطيني. في عز القسوة والصعوبات والاستحالات أحيانا، يجد الفلسطيني اللغة التي تضعه في أفق آخر، الرغبة القصوى في التخلص من ظلم الاحتلال وبناء وطن يقول حاضره، وجريء في التعامل مع ماضيه.
واصلنا طريقنا نحو طولكرم، بعد أن انتقلت إلى سيارة أسمهان التي رأيت الكثير من الأشياء الجميلة بعينيها وحيويتها وتفاؤلها الدائم. كانت تريد أن تريني قسوة التمزقات في الأراضي الفلسطينية ولكن أيضا ما خلق الله وإرادة الناس. دخلنا طولكرم المدينة التي تشبه المدن العربية بجمالها وخطوط حزنها أيضا. كان الفطور العربي الذي يذكر بالمطبخ الفلسطيني الذي يتم نهبه من طرف الاحتلال، مثله مثل بقية المعالم الحضارية: أقراص من الجبنة البلدي، والزعتر الأخضر، في مطعم جميل ومغر بالبقاء طويلا، علي بابا. مثله مثل مطعم تنورين الذي كان مكان غذائنا. السمة العالية هي طيبة الناس ورغبتهم في الحكي وتقاسم الفرح أكثر من الألم. الألم نعيشه كما قال أحدهم، نحتاج فقط إلى بعض السعادة والإحساس بأننا لسنا وحيدين في عالم من التسلط والظلم. بعدها انتهى بنا المقام، إلى بلدية طولكرم، حيث كان في استقبالنا رئيس بلدية طولكرم، الأستاذ إياد الجلاد بنباهته وذكائه ودقة ملاحظاته، وعدد من أعضاء المجلس البلدي الذين كانت قلوبهم مفعمة بالنور والحب. وكان تكريمهم بقوة حبهم وقلوبهم الحية. في قاعة الغرفة التجارية كان اللقاء مدهشا مع القراء والمثقفين. فلسطين تعيدني دوما إلى سؤال النور: من قال إن العرب لا يقرأون؟ في السنة الماضية، في مدينة نابلس كانت الكثافة نفسها والقوة نفسها. أرى في ذلك ليس فقط فرحا جميلا، ومشتركا رائعا، ولكن أيضا أملا قادما، إذ لا قوة تقهر من يقرأ ويحلم. الوقت كان قاهرا ولكنني عدت وفي قلبي كوكبة من الأحبة والأصدقاء يشكلون اليوم جزءا مهما من حاضري وذاكرتي. استقبلتنا بعدها بلدة عتيل الجميلة التي ذكرتني بالكثير من المرتفعات الأوروبية. مزرعة الفراولة أكدت لي مرة أخرى أن لغة التحدي والحياة تصنعها الأيادي الحية، ولا شيء مستحيلا. رئيس بلدية عتيل الذي استقبلنا كان شارحا لكل ما يحدث من منجزات ومعجزات في هذه المناطق.
استضافنا في حديقة النخيل حيث الدبكة الفلسطينية التي تشي بالفرح ولغة الحياة المنتصرة دوما على القبور التي غرسوها فينا. الفرح ليس مناهضا للمقاومة. ما زلت أحتفظ بكوفية الطفل الجميل الذي دبكت معه ومع الفرقة، سرقوا طفولته مبكرا لكنه يستعيدها بالفرح المتخفي في عينيه. لم أر إلا حبا وحماسا وفرحا لا يحد بهذه الزيارة. يجب أن تنتهي فكرة الاتهام بالتطبيع البغيض، التي على الرغم من نبلها في جوهرها، إلا أنها، للأسف، ترفع في كل لحظة، كسيف ديموقليس في وجه كل من يحاول أن يقاسم إخوته مرارة الوضع. ما الذي يقود كاتب وناقدة، نحو أرض هي تاريخ كبرنا عليه، سوى الإحساس المشترك بأننا نستطيع أن نفعل الحد الأدنى؟ أن نكون على الأقل قريبين في المأساة.
أجمل ما حدث على مرتفعات عتيل، هي لحظة اكتشاف الدكتورة رزان إبراهيم، ابنة طولكرم، الرجل المسن الذي حكى لها عن تفاصيل تاريخ عائلتها. ظل يروي التفصيل الدقيق عن كل أهلها الذين غيب الموت والمنافي معظمهم. بدت لي في لحظة من اللحظات، طفلة صغيرة لم ترتو من الحكايات التي تتوالد في رأس الرجل فجأة ترسخ شيء فيها بالعودة. العودة إلى تربة كانت مجرد حلم أو تخييل. بالخصوص عندما زارت بيتهم القديم الذي غادره الجميع، لكن الإحساس بالمكان وأصدائه، يوقظ الحواس، بالخصوص حاسة الحياة والتاريخ. تاريخ الذين يقفون كشجر الزيتون في مواجهة عواصف الخوف والموت والإفناء التي ينتهجها الاحتلال.
في المنحدرات، مررنا على رئيس بلدية باقة، الأستاذ عبدالرحيم جانم الذي قادنا برفقة رؤساء البلديات التي زرناها، نحو جدار الفصل العنصري، الذي يفصل باقة الشرقية عن باقة الغربية، قبل أن نعود إلى مدينة طولكرم ومنها إلى قرية فرعون حيث انتصر كرم إسمهان على كل تعب اليوم، لاستلام زعتر المنطقة الخاص والمميز. قبل أن نصعد رأس تلة في ضاحية أكتابا، في بيت أسمهان الجميل بحديقته التي سرقتُ منها شتلات عديدة من نبتة المرامية الساحرة. من بين كل الوجوه التي سكنتني، وجه مبهر بنوره وطفولته، وجه حبيبتي لينة التي تبنت ذاكرتي المتعبة، ورافقتني، وفي كل مرة تذكرني بحقيبتي التي أنساها هنا وهناك، وأنا في غمرة اكتشاف قلب فلسطين الحي. وعدت لينة بالعودة إلى فلسطين، ووعدتني بتسليمي غرفتها للإقامة المقبلة فيها. هذا هو القلب الفلسطيني الحي الذي يشرق المستقبل منه. يقين واحد لن ينكسر. فلسطين أكثر من وجدان. أكثر من لغة. أمل كبير، يقاوم اليأس المستشري عربيا.
واسيني الأعرج