مرة جديدة تظهر الشرطة لتشعل شرارة حركة احتجاجية واسعة في بلد عربي تمكن في السنوات الماضية من التعامل مع ارتدادات الربيع العربي. وبعد مصر وتونس يبدو أن الأجهزة الأمنية العربية لم تتعلم الدرس، أو أنها لا تستطيع أن تستوعبه، وعلاوة على ذلك، تصعد الشرطة في أكثر من بلد عربي من تعاملها الشرس والمفتقد للإنسانية مع المواطنين لدرجة السحق في عربة مخصصة للتعامل مع النفايات.
الدلالات التعبيرية للحادثة الأخيرة في المغرب مرعبة، فالمغاربة يشعرون، كما عبر أحد المتظاهرين، بأنهم جميعاً مطحونون في عربة (الأزبال)، ومع أن الوقائع المتسارعة في المغرب تشير إلى أن حركة الاحتجاج يمكن السيطرة عليها، خاصة بعد أن اتخذت بعداً عرقياً ومناطقياً عززته الهتافات التي شددت على أمازيغية الضحية، إلا أن الواقع في المدى المتوسط والبعيد يؤكد على ضرورة إجراء مراجعة لنظرية الأمن في العالم العربي، أو معظم دول العالم العربي تحرياً للدقة، وإعادة تقييم العقيدة التي تشكل أساساً لسلوكيات رجال الأمن في المغرب وغيرها من الدول العربية.
العنف الممنهج لا يمكن أن يعزى لأسباب طبقية، فالشرطي يبدأ في ممارسة العنف بغض النظر عن خلفيته الاجتماعية أو رتبته الوظيفية، ويتساوى في ذلك الرجال ذوو الرتب المنخفضة والضباط الكبار الذين يفترض أنهم درسوا القانون في كلياتهم التأهيلية، ويظهر أن الخلل يتأتى أساساً من تعريف المؤسسة الشرطية في المجتمع. القضية تكتسب جانباً يمكن تفهمه من الناحية التراكمية، فقيمة المواطن لدى السلطة في العالم العربي تؤول للصفر تقريباً، فالمواطن في النهاية لا يحدد شكل السلطة، من خلال الممارسة الديمقراطية، ليدفع الموجودين في الحكم لمعاملته بوصفه الرافعة التي وصلت بهم إلى مواقعهم، وفي ظل تغول الفقر في المجتمعات العربية فإن المواطنين في معظمهم ليسوا من دافعي الضرائب، ولكن من متلقي الدعم الذي يجعل السلطة تعتبرهم رعايا إن لم يكونوا عالة عليها، مجرد أفواه جائعة وأياد ممدودة تستعد لتخطف ما تتفضل به السلطة عليهم، وتتناسى السلطة بالطبع مسؤوليتها عن وصول المواطنين إلى هذه الحالة، خاصة أن تقاليد السلطة في أكثر من بلد عربي قامت على الانفصال الفكري والعرقي والثقافي بين الشعب والحكام، وكان ذلك واضحاً في مصر المملوكية وتونس والجزائر وسوريا والعراق، وحتى مع إزاحة المماليك والأسر الأجنبية فإن عقيدتهم الاستعلائية على عامة المواطنين وحرصهم على وضع حدود صارمة بينهم وبين عامة المواطنين، وهو الذي توارثه خلفاؤهم ممن أسسوا السلطة الوطنية، بمعنى انتمائها للكتلة البشرية نفسها التي تشكل الشعب، دون أن تكون ملتزمة بمصالحه بوصفه رسالتها ومسؤوليتها الأساسية والجوهرية.
الشرطي الذي يخرج من صفوف المواطنين يدرك هذه الحقيقة، ويدرك أن بانتقاله لصفوف السلطة، ولو من خلال حمايتها وخدمتها يكتسب قيمة لا تتوفر لغيره من عامة المواطنين، ومن أجل المحافظة على هذه القيمة فإنه يعرف أن مهتمه الأولى تتمثل في حماية السلطة، ويبقى الحصول على القيمة مختلفاً عن إظهار القيمة من خلال مظاهر الإفراط في استعراضها، وحيث أن هذه القيمة ليست أصلية في نفسية الشخص، ولا تقوم على أسس من الإنجاز الشخصي أو المؤهلات الموضوعية، فإنها في حقيقتها هشة وضعيفة في اللاوعي الخاص بمن يحملها، وعليه فهو بحاجة دائماً لأن يمارس عملياً بعضاً من المزايا التي يحوزها من خلال وظيفته وتشتمل على إذلال الآخرين وقهرهم بما يجعله يتلمس عملياً قيمته من خلالهم، ويحصل كذلك على اعترافهم بقيمة غير موجودة أصلاً وترتبط فقط بموقعه وزيه الرسمي.
الشرطي في حالات كثيرة يجد في الفقراء والبسطاء ضالته من أجل عملية التعويض النفسية، فهو عادة يتجنب مخاطر أن يكون الشخص موضوع استعراضه للقيمة (مسنوداً ونافذاً) بما يمكن أن يلحق الضرر بالشرطي بشكل أو بآخر، كما أنه يعرف أن المواطن الفقير ليس من ممولي منصبه بأي صورة كما يعتقد أو يتوهم، وفي داخله أيضاً يشعر بأن الفقراء والمهمشين يمثلون خطراً على الطبقة التي يتوجب عليه حمايتها ولذلك يتعامل معهم بمنطق الردع المفرط ليذكرهم بوجوده حارساً على وطن آخر غير الذي ينتمي له عامة الناس.
في الدول العربية التي ما زالت تعيش تضامنية القبيلة أو العشيرة يتخذ سلوك الشرطة نهجاً أقل حدية، فالصدام مع مكون متكامل يمتلك هويته الخاصة يختلف عن التعدي على شخص منفرد لا تبتعد علاقاته الاجتماعية عن أسرته وعن جيرانه وزملائه الذين يعايشون معه الظروف نفسها، وفي المقابل يوفر المجتمع العشائري نوعاً من الحماية قائماً على أساس صيانة الهيبة الخاصة بمختلف أبناء العشيرة، إلا أن ذلك يحمل مخاطره أيضاً بتعويض النقص في القيمة أمام بعض الفئات إلى الفئات العائمة في المجتمع والتي تندمج في حياة المدينة وتفقد أواصرها مع المجتمعات الريفية أو البدوية التي تستطيع أن تخلق حالة من المواجهة مع رجل الأمن.
الشرطة العربية ليست منفردة في ممارسة العنف، فالشرطة في أمريكا اللاتينية وبعض مناطق افريقيا وآسيا تمارس العنف الجسدي والإرهاب النفسي، ولكن معظم هذه المجتمعات تعاني من الوضعية الفصامية بين السلطة وعامة الشعب، فالسلطة في باكستان احتكارية في يد مجموعة من العائلات والجنرالات بينما عشرات الملايين من المواطنين يعيشون بوصفهم أفواهاً مفتوحة لتلقي الفتات والتصويت في الانتخابات بين المرشحين من الطبقة والخلفية ذاتها.
كما أنه من الظلم أن تلحق سلوكيات الشرطة العربية في الدول الكثيفة السكان وضعيفة الإمكانيات الاقتصادية مع سلوكياتها في دول أخرى ما زالت على الأقل تمتلك الإمكانيات الكافية لتجنب وجود الاحتكاك بين المواطنين الذين يطاردون لقمة العيش والشرطة التي تحاول ترويضهم والتأكد من أن سعيهم في هذه المطاردة لن يؤدي إلى تضرر الممولين الحقيقيين لوجود السلطة وحلفائها، وعلاوة على ذلك، فإن الصراع بين الشرطة والمهمشين في حالات كثيرة ما يكون في خدمة مصالح الفاسدين الذين يستطيعون وضع الطرفين في المواجهة، وعادة ما يكونون من ممثلي الحكم المحلي والبلديات وغيرها من مظاهر السلطة التي تتعامل مع القاعدة الواسعة من المواطنين وتجني المكاسب من الإتاوات المفروضة على الباعة الجائلين ومن أصحاب المحلات الذين يرون أنهم يدفعون للدولة من أجل اتاحة فرصة العيش الكريم دون مزاحمة البائع المتجول الذي لا يدفع رسوم الدولة وضرائبها، وفي هذه الوضعية فإن الشرطي يصبح أيضاً ضحية لتلاعب منظومة الفساد الواسعة والمتجذرة والموهوبة في تحقيق مصالحها، حيث أن خطواته التنفيذية عادة ما تكون تلبية لتوجيهات من أجهزة الحكم المحلي.
الفساد يعرف الخلفية النفسية لـ(المواطن والمخبر والحرامي) ويقف بكثير من اليقظة والحذر لتفويت فرصة التحالف التي جعلها المخرج داود عبد السيد ثيمة في فيلمه المتميز، وما يحدث أن الجميع يعيش حالة الخوف والرعب ويتخذ موقعه للدفاع عن ذاته، سواء بالالتجاء إلى طائفة أو مجموعة عرقية على حساب الوطن والدولة العاجزة عن تحقيق أساسيات وجوده الإنساني، أو من خلال المنافسة في صناعة التهديد والهيبة الكاذبة والفارغة، وبذلك فإن طريق الخراب يتمدد على أرضية من مخلفات المهشمين نفسياً الذين يسحقون أيضاً في ضاغطة (أزبال) عملاقة تأكلهم نفسياً ومعنوياً، ومن المستبعد أن تكون جثة الشهيد ابن الحسيمة محسن فكري هي الأخيرة التي ترتقي الموت بطريقة مذلة وعبثية.
كاتب أردني
سامح المحاريق