ما إن أبتعد عن هموم منطقتنا العربية قليلا إلا وأجد نفسي غارقا فيها. وعندما أحاول الكتابة في موضوع يبدو ألا علاقة له بما تعيشه الأمة من محن وأزمات قاتلة، أعود إلى السؤال الأبدي لماذا تقدمت كل بقاع الأرض إلا بلادنا؟
لماذا ينعم الناس بالاستقرار والطمأنينة والأمن والحرية إلا شعوبنا؟ الجواب يتعلق بالعلاقة بين الحكومات والشعوب. ففي كل دول العالم المستقر تعمل الحكومات على سعادة شعوبها وحل مشاكل البطالة والبيئة والجريمة والاقتصاد والعدالة، وغير ذلك من أمور تتعلق برفاه الناس ومستقبلهم. تتنافس الأحزاب جميعها على من يقدم خدمات أكثر للشعب، ومن يحمل هموم غالبية الناس. وبعد انتخابات تنافسية شفافة يصل الحزب الأكثر تعبيرا عن مطالب الجماهير إلى مقصورة القيادة فيبدأ تطبيق برامجه وتنفيذ ما وعد به، فإذا رجحت موازين إنجازاته في دورته الأولى وطلب الحكم ثانية منحت له الفرصة، وإلا فيتم طرده واستبداله بحزب آخر وقيادات أخرى. ما يجري في وطننا العربي عكس ذلك تماما.. مسؤولية الشعب أن يخدم زعيمه وأن يضحي بحياته من أجل بقاء الرئيس الملهم، أو الملك الأب إلى الأبد، ويأتي من بعده أبناؤه المدللون وكأن الحكم قطعة أرض أو عقار. هم فوق القانون وفوق المساءلة وفوق النقد. من يتعرض لأحدهم بنقد تتلقفه السجون وخبراء التعذيب، ويلحق الأذى بأهله وأقاربه وأصدقائه وأملاكه، ويتهم بالعمالة والخيانة والتآمر على قلب نظام الحكم الذي هو منحة إلهية لا يجوز التشكيك فيها أو الطعن في قداستها أو إثارة سؤال حول مؤهلات من هو في سدة الحكم حتى لو كان أميا وجاهلا وعييا لا يستطيع نطق حروف لغة قومه.
هذا ما خطر لي وأنا أعد رسالة للقراء حول زيارة هي الأولى لمدينة بودابست الجميلة. فقد دأبت على كتابة رسالة لقراء الصحيفة عن كل بلد أزوه، أقدم فيه ما يمكن أن نستفيد منه كأمة ما زالت تتخبط بحثا عن مكان لها بين الأمم، لعلها تساهم في بناء حضارة الإنسانية. ولأعترف أولا أن عنوان المقال عن زيارة بودابست الجميلة التي يخترقها نهر الدانوب ويضم جناحيها برفق، بودا الجبلية وبست السهلية منذ عام 1873، إقترحه علي الزميل الشاعر والكاتب والدبلوماسي الفلسطيني عبد الحميد الدكاكني، الذي وصل هذه البلاد قبل نصف قرن من الزمان وعاش تجربة نادرة من تاريخ هذه البلاد التي سجلت أول انتفاضة شعبية قادها الطلاب ضد الحكم الشمولي عام 1956، وتم قمعها بالحديد والنار بعد تدخل مباشر للقوات السوفييتية، وكانت من أوائل الدول التي تململت على الهيمنة السوفييتية عام 1989، وقررت أن تفتح الحدود مع النمسا قبل أن ينهار النظام الشيوعي في موسكو ويخرج آخر جندي روسي من البلاد بتاريخ 19 يونيو 1990، وتحتفل البلاد باستعادة حريتها وبناء نظامها كما تريد، لا كما يملى عليها من الخارج. مر على التحول أكثر من 25 سنة اتجهت البلاد نحو الاستقرار وأصبحت قوة اقتصادية تحتل الموقع 49 على مؤشر التنمية البشرية ومعدل دخل للفرد يصل 15000 دولار ليحتل الموقع 57 وتصنف هنغاريا تنمويا ضمن فئة الدول «عالٍ جدا» على مؤشر التنمية البشرية. ومع أن البلاد أصبحت عضوا في الاتحاد الأوروبي عام 2004 إلا أنها ما زالت تستخدم عملتها المحلية، والمسألة تتعلق ببعض الهيكلة المالية كي يتم إلغاء الفورنت واستبداله باليورو.
الأمن الحقيقي ينبع من الحرية
وأنت تسير في الشوارع الفسيحة تشعر بأن جوا من الأمن والراحة النفسية يعلو الوجوه، فلا أحد يعكر صفو جماعة تحتفل في الساحات أو الحدائق العديدة، أو أمام كنيسة أو في سفن سياحية تتهادى في نهر الدانوب شمالا وجنوبا. مدينة بودابست من أكثر المدن الأوروبية أمنا وأمانا، وتنام على أكثر من 80 نبعا طبيعيا يؤمها نحو خمسة ملايين سائح سنويا، ما جعلها سادس مدينة سياحية في أوروبا، وأفضل مدينة للعيش فيها في أوروبا الشرقية على مؤشر وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجلة «الإيكونومست». السياح يملأون الشوارع والمطاعم والمتاحف وشركات النقل السياحي المسماة هوب أون – هوب أوف (أي إصعد وإنزل كما تشاء) منتشرة في كل مكان، لأكتشف أن أصحابها فلسطينيون، كما أكد لي اثنان من المرشدين السياحيين شاب مصري وآخر فلسطيني من جنين، وهما من بين العديد من الطلاب العرب الذين يستغلون إجازة الصيف لتأمين مصاريفهم السنوية. وكما شرح لي رجل الأعمال خالد السعدي من أبناء بلدة عرابة، فالفلسطينيون والسوريون والعراقيون والأتراك يسيطرون على الكثير من الخدمات، كالفنادق ومطاعم الوجبات السريعة. واكتشفت أن الفندق الذي أسكن فيه يملكه فلسطيني. بعض هؤلاء العرب استقروا في المدينة منذ أيام الشيوعية ثم ترسملوا بعد انهيارها، وأصبحت معظم أعمال المدينة التي يسكنها مليونان أي خمس سكان البلاد، مقسومة بين العرب واليهود. في ساحة إليزابيث في قلب المدينة يتسامر الشباب حتى ساعات الصباح يحتسون البيرة ويغنون ولا تسمع مشاجرة واحدة أو صراخ غاضب أو هذيان سكران.
بيت الرعب ـ 60 شارع أندراسي
أن تزور بودابست ولا تزور «بيت الرعب» تبقى الزيارة ناقصة. هذا هو مقر الأمن السياسي (أيه إتش في) الجهاز المحلي التابع للكي جي بي السوفييتي لمدة 40 سنة أو يزيد، إبان الحكم الشيوعي، وكان يطلق عليه اسم «بيت الولاء»، وهو مسؤول عن ملاحقة معارضي النظام منذ طرد السوفييت النازيين عام 1945، وحتى رحل آخر جندي سوفييتي 1990. دخل الجيش الأحمر البلاد ليحررها من النازية، ولكنه بقي فيها بعد أن اختار زعيما محليا يتكلم باسم الحزب وهو يانوس كدار. تم تحويل المقر إلى متحف عام 2002 يحمل اسم «بيت الرعب» حيث تملأ الجدران صور الآلاف الذين عذبوا وقتلوا في هذه المكان، وتشاهد بأم العين غرف التعذيب وأدوات التعذيب التي كانت تستخدم لكل من يشك في ولائه. في الطابق الثاني من المتحف غرفة واسعة مليئة بالإضبارات التي تحتوي ملفات التحقيق مع الآلاف. وفي كل غرفة تمر بها هناك جهاز تلفاز يعرض شهادات من عاشوا هذه المرحلة ونجوا منها، أو من كانوا يمارسون التعذيب وتحت الصورة ترجمة باللغة الإنكليزية. زنازين التعذيب مفتوحة للزائرين تشير إلى حقبة سوداء من تاريخ الاضطهاد والتعذيب الذي عاشته البلاد خلال أكثر من 40 سنة، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الدولة القائمة على الرعب والتعذيب وأجهزة الأمن والسجون وآلات الموت لن تعمر طويلا، وأن نهايتها إلى مزابل التاريخ. ولعل درسا من هذا المكان يصل إلى أنظمة الفساد والرعب في عالمنا العربي مفاده أن نظاما يبني شرعيته على كتم الأفواه والتعذيب وزرع الرعب في قلوب الناس لا بد هالك.
الوجود اليهودي في البلاد ـ من هنا بدأت فكرة الدولة اليهودية
أريد أن أعرف اين ولد ثيودور هيرتسل، صاحب كتاب «الدولة اليهودية» الذي نشر عام 1896» ومؤسس الحركة الصهيونية الحديثة التي بدأت كحلم لحل أزمة التمييز والاضطهاد، التي كان يعاني منها يهود أوروبا، ثم أدت في النهاية إلى اقتلاع شعب من وطنه ورميه إلى المنافي والمخيمات. ذهبت إلى كنيس شارع دوهاني، ثاني أكبر كنيس في العالم، يتسع لثلاثة آلاف زائر/مصل. أمام الكنيس وضعت لافتة كتب عليها تيفادارهيرتسل. قالت المرشدة إن بيته لم يعد موجودا، فقد أقيم مكانه هذا المتحف التابع للكنيس اليهودي. كانت هنغاريا رابع دولة تحتضن الوجود اليهودي في أوروبا بعد روسيا وبريطانيا وفرنسا. لكن العدد تقلص كثيرا من نحو 600 ألف قبل احتلال النازية وبدء ترحيل مئات الألوف من اليهود إلى معسكرات الاعتقال في ألمانيا والنمسا وبولندا، بمعدل قطار في اليوم، ولم يبق منهم الآن إلا نحو 80 ألفا. في ساحة الكنيس مقبرة جماعية تضم رفاة 2281 وجدهم الجيش الروسي ميتين من الجوع والبرد والتعذيب، عندما حرروا المدينة من النازيين في 18 يناير 1945. وفي ساحة الكنيسة لوحة مثبتة بأسماء ضحايا اليهود الهنغاريين الذي رحلوا إلى معسكرات الاعتقال، كما أن النحات الهنغاري المشهور إمري فارغا نحت بالمعدن شجرة الصفصاف الباكية، وثبت على كل ورقة معدنية اسم أحد ضحايا النازية من اليهود الهنغاريين. هنغاريا لديها نقطة ضعف عندما يتعلق الأمر باليهود وإسرائيل، وتحاول أن تتذلل أكثر لإرضاء الجالية اليهودية فيها وإقامة أفضل العلاقات مع إسرائيل وكانت من بين الدول التي امتنعت عن التصويت لصالح رفع مستوى تمثيل فلسطين إلى دولة مراقب.
الهجرة الداخلية والخارجية
البلاد ما زالت تعاني من العديد من المشاكل الاقتصادية. فما زلت وأنت تمشي في شوارعها تُصدم بعدد المشردين في الشوارع، والذين ينامون في المحطات والأسواق والمسقوفات، ما يعني أن الرأسمالية المنفلتة كالعادة لها ضحاياها الكثيرون.
الرواتب في الدوائر الحكومية منخفضة جدا وأسعار الخدمات البيتية كالماء والكهرباء مرتفعة والمتطلبات الاستهلاكية كثيرة، ولا يستطيع الشباب تحقيق أحلامهم مثل رفاقهم في أوروبا الغربية. ويؤكد الدكاكني أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أدى إلى هجرة نحو نصف مليون هنغاري، انتشروا في أوروبا الغربية بحثا عن فرص أوسع، ما حرم البلاد من كثير من المهنيين والعقول والخبرات. كما أن البلاد أصبحت معبرا للمهاجرين غير الشرعيين الذين يتسللون من الحدود الصربية. ولا تجد هنغاريا مشكلة في ترحيلهم إلى ألمانيا أو النمسا. كما أن هنغاريا مرت بأزمة اقتصادية حادة عام 2008 على إثر الانهيار الاقتصادي العالمي، واضطرت أن تلجأ إلى صندوق النقد الدولي لإنقاذها، مما أثقلها بالديون وتحاول في السنوات الثلاث الأخيرة أن تتعافى من أزمتها، حيث نجحت في خفض نسبة العجز إلى نحو 3٪ بعد عملية إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والنظام الضريبي، ما أعاد الثقة للمستثمرين الطامعين في السوق الهنغاري. وما عليك إلا أن تقف مبهورا أمام فندق «الفور سيزون» على شاطئ الدانوب الذي يملكه الوليد بن طلال، حيث تصل الكلفة إلى ألف يورو في الليلة. لكن الملاحظ أن زوار المدينة من العرب قليلون، فقد منحتهم إسطنبول، محطتنا القادمة، ما يريدون.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز في نيوجرزي
د. عبد الحميد صيام