رعب الحالة الليبية

صارت ليبيا على حافة هاوية، إلى حد أن اسم ليبيا التي نعرفها قد يصبح في خبر كان، فلم يعد من أثر لوجود دولة، ولا لمعنى الثورة، بل مجرد ميليشيات تعد بالمئات، تتصارع على جثة دولة كانت، وتقيم إمارات صغيرة، وتتلقى التمويل من جهات إقليمية بالمليارات، وبدون فرصة ظاهرة لحسم الوضع السياسي والعسكري، ولا بناء جيش ولا شرطة ولا حكومة تدير شؤون البلاد والعباد.
وقد لا يخفى الأثر المدمر لديكتاتورية القذافي، التي طالت لما يزيد عن أربعة عقود، وجعلت من ليبيا حقل تجارب جنونية، واندفعت في مغامرات ومقامرات باسم الوحدة العربية تارة، وباسم الوحدة الأفريقية تارة أخرى، وباسم النظرية العالمية الثالثة في أغلب الأوقات، وهو ما حول «الجماهيرية العظمى» إلى حكم عائلي للقذافي وأولاده، وحطم الجيش الليبي، وحوله إلى كتائب بأسماء الأولاد. وبعد أن ذهب القذافي، وبتدخل مباشر من حلف الأطلنطي، حطم البنية الأساسية الهشة أصلا، واستبدل كتائب المدن والجهات بكتائب أولاد القذافي، وفتح مخازن السلاح الليبي للكافة، ونشأت العصابات والميليشيات متكاثرة كالفطريات، كلها تنتحل صفة ثورة 17 فبراير، بينما لم يبق من هذه الثورة شيء بالمرة، فالتدخل الأجنبي حطم معنى الثورة، وحداثة تجارب المجتمع المدني الليبي حطمت معنى السياسة، وانتهينا إلى جنون آخر يفوق جنون القذافي، وإلى بلد مهدد بالتقسيم إلى عشرات الكيانات، وليس فقط إلى أقاليم «برقة» و»طرابلس» و»فزان»، وعلى نحو ما كانت عليه ليبيا قبل توحيدها على يد الملكية السنوسية سنة 1951.
وقد يقال لك ان ليبيا تحولت إلى أفغانستان جديدة، أو أنها قد تتحول إلى حالة صومالية، وفي هذه الانطباعات بعض الصحة، لكنها أقل سوءا من المصير المرعب الذي ينتظر ليبيا، لو ظلت الأحوال على ما هي عليه، فأفغانستان والصومال أقل أهمية من ليبيا، وأقل خطورة على المشهدين الإقليمي والدولي، فليبيا بلد شاسع المساحة بما لا يقاس إلى الصومال أو أفغانستان، مساحة ليبيا تزيد على المليون و800 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكان ليبيا محدود جدا، يقيمون على مساحة عشرة بالمئة من أرض البلد، وعددهم الكلي حوالى ستة ملايين ونصف المليون نسمة، وهي واحدة من أغنى بلاد الدنيا بثروتها البترولية، فلديها أكبر عاشر احتياطي بترولي في العالم، وهو ما يفسر ضراوة التدخل الأجنبي الذي حطم ليبيا، واستهدف تحويلها إلى أرض مفتوحة، بلا دولة تحكم. فتحويل ليبيا إلى إمارات صغيرة، وإلى دويلات متهافتة، وتفتيت ليبيا يفيد السيطرة الأجنبية الأوروبية والأمريكية، فليس لدى الليبيين من مورد حياة آخر يضارع أهمية البترول، الذي يشكل 94% من إجمالي الدخل، وفي حال تجزئة ليبيا، فسوف يجري الصراع على أشده للسيطرة على حقول البترول، لكن المتصارعين جميعا سوف تكون لهم الأولوية ذاتها، وهي تصدير البترول للدول الأجنبية التي حطمت ليبيا، وبدعوى الانتصار لثورة ديمقراطية انتهت إلى خراب مستعجل، وإلى حروب لا تتوقف، يكتوي بنارها الليبيون أولا، وعلى نحو ما جرى في تحطيم مطار طرابلس وأسطول الطيران المدني الليبي بالكامل، وبقذائف ميليشيات تسمي نفسها «إسلامية»، صمتت وخرست حين أمرها الأمريكيون بالتوقف لتسهيل خروج طاقم السفارة الأمريكية برا إلى تونس (!).
ومصيبة ليبيا الكبرى في الميليشيات الإرهابية، التي تريد فرض سطوتها بالسلاح، وتعيش على سرقة موارد البلد، وعلى المليارات المتدفقة عبر الموانئ والمطارات السرية، ولا تبالي بإرادة الشعب الليبي، التي ظهرت ساطعة في نتائج انتخابات مجلس النواب الجديد، وأكدت رفض الشعب الليبي العارم للتنظيمات المسماة بالإسلامية، وسواء كانت من الإخوان، أو من جماعات تنظيم «القاعدة» أو من جماعات حليفة، فقد حصل هؤلاء جميعا على ما يزيد قليلا عن عشرة بالمئة من مقاعد مجلس النواب الجديد، وهو ما يفسر انفلات الأعصاب الذي انتاب هذه الجماعات وميليشياتها، وحملها على شن الحروب الانتحارية من طرابلس إلى بنغازي، وبهدف تحطيم مجلس النواب قبل أن يبدأ جلساته، وبث الرعب في قلوب أعضائه، وحملهم على الخضوع لتوجيهات زعماء الميليشيات «الإسلامية»، وتهديدهم بالاغتيال، إن هم فكروا في إعادة بناء ليبيا، أو تشكيل حكومة تقوم بحل الميليشيات، وبناء مؤسسة عسكرية وأمنية منضبطة، تحفظ وحدة التراب الليبي، وترعى الحياة اليومية للمواطنين، وتسترد السيطرة على حقول البترول والمطارات والموانئ، وتبني دولة مؤسسات حقيقية، تحول الديمقراطية إلى أداة لبناء مجتمع ودولة، وليس إلى فوضى ترعى فيها الذئاب، وتحول ليبيا إلى مزرعة واسعة لإرهابيين من كل أنحاء الدنيا، ينتحلون صفة الإسلام الذي هو منهم براء، فقد دخل الشعب الليبي في الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، وكل الليبيين مسلمون موحدون بالله، وعلى مذهب واحد سائد هو مذهب الإمام مالك، وليسوا بحاجة إلى مذاهب الشياطين على طريقة «داعش» و»القاعدة» وأخواتها .
ولا نظن أن التدخل الأجنبي مجددا يفيد في إنقاذ ليبيا، فالتدخل الأجنبي يحطم ولا يبني، ولم يشهد الوطن العربي ولا العالم الإسلامي حالة واحدة، كان التدخل الأجنبي فيها مفيدا، فالتدخل الأجنبي حطم العراق، ويكاد يحطم سوريا، وحطم ليبيا في زمن ثورتها على ديكتاتورية العقيد القذافي، والأمريكيون والأوروبيون الذين تدخلوا في ليبيا لا يريدون تكرار التجربة، فقد تحقق هدفهم، وانتهى الأمر، تحققت غايتهم في تمزيق ليبيا، وفي تحويلها إلى دولة فاشلة بامتياز، وقد سارعوا في الهروب بسفاراتهم حين اشتعلت النار، وتركوا من خلفهم أجهزة مخابراتهم تعمل على إذكاء الحرائق، وتشجيع نوازع التفتيت، وتجزئة ليبيا، ورعاية المصالح ذات الأولوية في ضمان تدفق البترول الليبي، وتهجير أكبر عدد ممكن من النخب الليبية المثقفة إلى خارج البلد، وترك ليبيا مرتعا لعصابات الجهالة، واستخدام العصابات الإرهابية في الضغط وتهديد أمن دول الجوار الليبي، وباتجاه مصر والجزائر وتونس بالذات.
وبين دول الجوار الليبي العربية، تبدو تونس في الوضع الأخطر، فالجزائر لديها جهاز أمني وعسكري شديد الاحتراف، ولديها خبرة قتال طويلة في مواجهة جماعات «القاعدة» وأخواتها، ولدى مصر أقوى جيوش المنطقة العربية، وبوسعها تقييد دواعي الخطر الإرهابي القادم من ليبيا، ثم ان الدولة المصرية كيان هائل راسخ يستعصي على التحطيم الإرهابي، بينما تبدو تونس الأصغر في قلب الخطر، فالجماعة الإرهابية «أنصار الشريعة» التي تنشط في تونس، هي امتداد للأصل الليبي، وقدرات الجيش والأمن التونسي محدودة، والأراضي الليبية تحيط بالأراضي التونسية إلا من جهة البحر الأبيض المتوسط، وصحيح أن المجتمع المدني التونسي قوى ونشيط، غير أن الدولة لا تبدو كذلك، ولا توجد قوة سياسية حاسمة في تونس تستطيع أن تبني حكومات متجانسة، وحزب النهضة شبه الإخواني في تونس لا يبدو مرشحا للفوز الانتخابي النسبي الذي حققه من قبل، وهو ما يعنى أن الفرص متاحة فقط لحكومات ائتلافية مزعزعة في تونس ذات النظام البرلماني، بينما النظام في الجزائر رئاسي، وفي مصر كذلك، وقد شاركت مصر والجزائر وتونس في مبادرة سياسية وأمنية بخصوص ليبيا، غير أن تونس لا تبدو متحمسة بدرجة حماس مصر والجزائر نفسها، رغم أن الخطر وارد أكثر في حالة تونس، وهو ما قد يصح الالتفات إليه بعيدا عن المكايدات الصغيرة، ودعم دور الدول الثلاث بمظلة عربية جامعة، تنتصر لوحدة ليبيا، ولإعادة بناء دولتها على أسس ديمقراطية، وبإرادة الشعب الليبي الحرة، وقبل أن نستيقظ على خبر اختفاء بلد كان اسمه «ليبيا» (!) .

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية