في 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1995 ألقى الرئيس الألماني السابق رومان هرتسوغ خطابا مرجعا، بمناسبة تسلّم المستعربة المعروفة آنا ماري شميل جائزة السلام؛ عن نسبة مبيعات الكتب الألمانيّة، وهي من تقاليد النهضة الألمانيّة، المرموقة. هذا الخطاب، ولست بصدد تلخيصه، يرسم صورة «موضوعيّة» لعلاقة الشدّ والجذب بين الغرب والإسلام؛ ويطرح على العرب والمسلمين عامّة جملة من القضايا والتحدّيات. والإسلام كما جاء في هذا الخطاب «أحد التحدّيات التي تواجهنا [الغربيّون]» في حين أنّ اليهوديّة «هي رفيقنا طوال ألف عام من التجارب الإيجابيّة والسلبيّة… ووسائل الإعلام الألمانيّة محقّة عندما تؤكّد أنّ ذكر كلمة «الإسلام» تعني في أذهان كثيرين الربط بينها وبين العقوبات الشديدة مثل الإعدام وقمع المرأة والتعصّب الديني والأصوليّة المتشدّدة». ولكنّه يستدرك، ويشير إلى أنّ في هذا الربط قصرَ نظر؛ ذلك أنّ تاريخ العالم «شهد تنويرا إسلاميّا هو النهضة التي حافظت للغرب على قسم كبير من أصول المعرفة اليونانيّة الأصليّة…»، فضلا عن أنّ العالم الإسلامي «لا يمثّل وحدة واحدة مثل العالم الغربي، وهو ليس أصوليّا على الإطلاق». وهناك إسلام في أندونيسيا، ليس هو الإسلام في إيران، ولا في دول آسيا الوسطى المسلمة التي وضع ساستها مبادئ للحكم من بينها العلمانيّة، كما جاء في نصّ الخطاب.
على أنّ أهمّ ما يسترعي انتباهنا في هذا الخطاب المرجع، اعتراف صاحبه بأنّ تاريخ أوروبّا «الدموي والوحشي الطويل» ممّا يعلّم الأوروبيّين ألّا يعارضوا حقوق الإنسان، وأهمّها الحريّة، وكذلك الإشارة الذكيّة إلى أنّ مفهوم الأصوليّة «الذي نتشدّق به بسهولة» كثيرا ما يقود إلى الخطأ؛ فما هو أصوليّة «ليس إلاّ أداة سياسيّة للتعبير عن المشاعر الدينيّة، أو التحوّل إلى الشموليّة». وسؤالنا هو لِمَ يتخذ بعضنا من الدين أداة حيث تكون الحاجة الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة، وفقدان الحــقـــوق هي التــربة المنـــاسبة للسيطرة على الناس أو على «المغلوبين» منهم؟ وهو سؤال تتفرّع عنه أسئلة شائكة، نحاول أن نأتي على بعضها، ولكن دون أن نقطع فيها برأي.
هل يستوفي الخطاب الديني ـ وهو المهيمن اليوم في العالم الإسلامي ـ مسار التّحرّر إذ يتوسّل بمناهج تراوح بين النّقد والشكّ والتّأسيس لبدائل معرفيّة؟ أليس هذا الخطاب، حتّى وهو يراجع مضامينه نقديّا، خطابا مغرقا في التّنظير بحيث تكون الحريّة المنشودة لديه حرّية مفارقة للواقع؟
إنّ ما يدعو إلى مثل هذا التّساؤل هو الإحراج الذي نصادفه عندما نراجع بعض المقاربات الفكريّة أو السياسيّة التي تعتبر الحركات الدينيّة قد أوغلت في التعالي وشطّت حتّى أنّها نسيت الأفق الواقعيّ للإنسان. ذلك أنّ عنايتها بالإنسان لا تتجاوز تمثّله في صورة مجرّدة تعكس في الأصل ما تطمح إليه هذه الميتافيزيقا الدينيّة؛ وليست الصّورة الفعليّة للإنسان. فهي إذن واهمة في ما يخصّ رهان التّحرّر لديها ما دامت تتغافل عن مقوّمات أساسيّة لوجود الإنسان ذات أبعاد واقعيّة أو مادّية أو فيزيائيّة حاملة لقيم تسهم في تشكيل ملامح الإنسان، منها على سبيل التّمثيل فقط الحضور الجسديّ للإنسان وما يشتمل عليه من انفعالات حيويّة وإرادة مباشرة للحياة، فإذا بتحرير العقل (بمعنى اليقين) على حساب الجسد دليل على اغتراب الوعي؛ على نحو ما نرى في التنكيل البشع بالجسم البشري، عند طوائف من المستبدّين الدينيّين إسوة ببعض الحكّام. ولعلّ ذاك من معاني التّحرّر التي يمكن أن نظفر بها لدى بعض أهل الفلسفة من الذين اشتغلوا على تحرير الوعي من طابعه التّجريديّ. ولا يتسنّى له، على هذا النّحو أن يتحرّر ما لم يحرّر إرادة الجسد ممّا علق بها من قيم دونيّة. أي لا بدّ، بتعبير نيتشه، من التفلسف بـ»المطرقة» فيهوي بها الفيلسوف على كلّ الأوهام التي شطرت الإنسان إلى نفس وجسد وحبسته في ثنائيّة متفاضلة.
وعلى هذا الأساس فلا بدّ لفعل التّحرّر أن ينقلب أوّلا ضدّ الفلسفة نفسها بما أنّها لم تفعل غير نسيان الحقائق وتزييفها، وهي لا تتوانى عن تسمية أوهامها حقائق. على أنّ مثل هذا الموقف النّيتشوي ينبّهنا إلى كون رهان التّحرّر يسقط في الوهم عندما يتّبع رهانا أحاديّ الاتّجاه. فإذا عاودنا التّفكير في آليّة الشكّ من حيث هي آليّة تحرّر فإنّه يمكن التّفطّن إلى كونها آلية قطعت، في الحقيقة، صلتها بالتّحرّر عندما حبست فكرة العقل في ما تسمّيه «اليقين». إذ أنّه يمكن إجراء الشكّ على نحو مغاير يبيّن كون الخطاب الميتافيزيقي يقع ـ إذا تعلّق بما تصوّره الحقيقة في حدّ ذاتها ـ في مفارقة؛ إذ في التعلّق باليقين إخفاءً لتناقض بين الفكر والواقع. ومن ثمّة فلا حرّية للفكر، أو هي حرّية مزعومة، طالما كان الصّدام بينه وبين الواقع قائما. وعلى أيّة حال فهذا ممّا يفترض أن ينبّهنا، إلى مسار آخر يتعيّن على الفكر أن يقطعه باتّجاه الحرّية، ألا وهو مسار الوفاق بين الفكر والواقع؛ وليس بالضرورة أن يتمّ ذلك على نحو تبريريّ على نحو ما نجد عادة عند كثير من الأصوليّين، وإنّما يمكن أن يتمّ ذلك على نحو جدليّ. فبأيّ معنى يمكن أن نراهن على الحرّية ضمن هذا الأفق الدّيالكتيكيّ؟
قد لا يتسنّى لنا أن نجترح إجابة مناسبة لهذا السّؤال ما لم ننتبه إلى كون مراهنة الوعي على التّحرّر إنّما هي مراهنة محكومة بمنطق التّطوّر التّاريخيّ، أي أنّه لا يجوز للوعي أن يقفز على متطلّبات الواقع، بل يتعيّن عليه أن يستغرق فيها استغراقا يجعله يحيط بقوانين الواقع وحيثيّاته. ولا أحد كما يقول ميرلوبونتي، بميسوره أن يعرف ما تستطيع الحرّية أن تفعل، ولا أن يتخيّل ما قد تؤول إليه العادات والعلائق البشريّة في حضارة لا يراودها هاجس التّنافس والضّرورة. و نقدّر أنّه تبعا لذلك فإنّ وعيا لا يتفطّن إلى حركة الواقـــع الجدليّة بما هي حركة تاريخيّة نوعيّة؛ قد يقع في ظنّه أو وهمه مباشرة؛ أنه يمكن الظّفر بالحرّية في كُلّيتها، والحال أنّ التّطوّر التّاريخيّ يجعل العلاقة بين الوعي والتّحرّر علاقة تتقدّم هي أيضا في تناسب جدليّ.
غير أنّنا بهذه الطّريقة نحيل إلى مبدأ «الحتميّة التّاريخيّة». فإذا كانت هذه تفيد معنى الضّرورة العقليّة حيث «الحرّية هي وعي الضّرورة» على نحو ما يقول هيغل؛ وإذا كانت المادّية الجدليّة تجعل حركة التّاريخ معقودة على الصراع الطّبقيّ؛ وأنّه لا تحرّر دون تحرّر اجتماعي؛ فإنّ ما نقصده لا هذا ولا ذاك؛ وإنّما هو كيف نوفّق في المراهنة على الحرّية المستندة إلى ضرب من العلاقة بين الوعي والممارسة، بل إلى تحويل الوعي نفسه إلى مراس؛ حيث التحرّر صراع ضدّ الأوهام والأخطاء والظّنون، وتجذير لإرادة الحياة وانخراط في الواقع المعيش ومساهمة في الحركة الحضاريّة…
لكنّ مثل هذه المزايا لا تعفينا من الوقوف على بعض المآخذ حيث مراهنة الفكر على الحرّية تنبّهنا إلى تخبّط الإنسان عامّة، بين هذا التّصوّر وذاك؛ بحثا عن حرّية كلّما ارتاح إلى تصوّر حولها لاحت له مقتضيات للنّقد والتـّنسيب تجعله يؤجّل الحكم بكونه حرّا. فإذا به كلّما حدّد أفقا لتحرّره اكتشف أنّه في الحقيقة ضرب من السّلطة يكرّس اغترابه: سلطة العقل يظنّها فضاء لحرّيته، وسلطة الدّولة يعقد عليها آماله، وسلطة الدين أو الأخلاق ينزع إليها، وغير ذلك ممّا يكشف عن مدى أوهام الحرّية لديه.
وفي الجملة فإنّه ليس لمقاربة كهذه أن تنغلق على أفق واضح لرهان الحرّية بالنّسبة إلى الفكر ما دام هذا الرّهان مطلوبا باستمرار. ولكن يمكن أن تكون عنوانا أو مدخلا للتّفكير في مفارقات أخرى قد يجوز تلخيصها في مفارقة واحدة هي مفارقة التّحرّر والاغتراب على صعيد أنطولوجيّ، ولكن على أصعدة أخرى أيضا ذات بعد عمليّ نلامسه ضمن دوائر العمل والسّياسة والأخلاق… وبخاصّة في مجتمعاتنا العربية والإسلاميّة عامّة حيث التحدّي الحضاري بين الغرب والإسلام كما يروّج له الأصوليّون وفئات غير قليلة من الغربيّين؛ أشبه بمعادلة رياضيّة أو مشكلة تتعلّق ببنية كلّ منهما.
ونختتم بمثل ما افتتحنا، ففي خطاب الرئيس الألماني الأسبق، إشارة أخرى ذكيّة إلى نسبيّة القيم الغربيّة، قد تسلّط الضوء، على هذا التحدّي الذي يتّخذ اليوم شكل «صراع». يقول الرئيس هرتسوغ: «النهضة الإسلاميّة تتعارض على ما يبدو مع بيئة الحضارة المسيحيّة، والتي يمكننا وصفها اليوم بكونها أصوليّة مسيحيّة… وقد طوّرنا عالمنا إلى أقصى حدود العلمانيّة، فكيف نعيش في ظلّ هذا التناقض؟ هل نريد عن قصد تحديد كلّ المسلمين باعتبارهم أصوليّين متشدّدين فقط؛ لأنّنا لا نمتلك أيّ تعاطف مع المشاعر الدينيّة المخالفة لنا، أو لا نريد إظهار أيّ تعاطف معها؟».
٭ كاتب تونسي
منصف الوهايبي