روسيا ومصر والسعودية و«الانقلاب» في سوريا

ثمة تطورات متلاحقة شهدتها الموازين السياسية والعسكرية في الحرب السورية، أدت إلى ما يشبه الانقلاب في حساباتها المعقدة، ما يستوجب التوقف مليا لتبصر آثارها على المآلات المحتملة لهذه المأساة، التي انتصف عامها الخامس دونما ضوء في نهاية النفق.
ومن غير شك فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أضحى يلعب دورا محوريا في هذا المجال، حتى أن دولا مثل المانيا اعلنت انحيازها إلى الطريقة الروسية في معالجة الأزمة السورية، لتنضم عمليا إلى دول أوروبية أخرى مثل، فرنسا والنمسا وبريطانيا أصبحت تقبل، بشكل أو بآخر، ببقاء الرئيس السوري بشار الاسد في السلطة، وإعطاء الاولوية للقضاء على تنظيم «داعش» الإرهابي مع البحث في تسوية سياسية بين النظام ومعارضيه. وكان الدور الروسي قد اكتسب زخما مهما عندما حظي بدعم شبه معلن من أطراف إقليمية مؤثرة مثل مصر والإمارات والأردن، إبان اجتماع زعمائهم مؤخرا في ضيافة بوتين. كما أن السعودية التي اصبحت تواجه عزلة متزايدة في الاصرار على اسقاط الاسد، كشرط مسبق للحل، امتنعت عن انتقاد روسيا، في إدراك ضمني للتغيرات في توازنات القوى الاقليمية، خاصة بعد أن اصبح الاتفاق النووي الايراني واقعا لا مفر منه، أثر فشل المحاولات الهستيرية الاسرائيلية لاسقاطه. كما أن الاجتماع الخليجي الاخير في الرياض لم تصدر عنه كلمة واحدة تنتقد ما سمي بـ»التقارب المصري السوري»، كما توقعت بعض التقارير.
ويجدر هنا التوقف عند محطات محددة لعلها تساعد في رسم ملامح ما يمكن أن يكون تسوية ممكنة، أو مجرد فشل جديد يطيل الازمة ويزيدها تعقيدا.
اولا- اختار الدب الروسي أن يلقي ثقله عسكريا في الساحة الحربية السورية، التي تشبه الرمال المتحركة اللانهائية من كر هنا وفر هناك، دونما ملامح حسم لأي من المتحاربين. وحسب رؤية دبلوماسي روسي مخضرم يعرف المنطقة جيدا منذ عام 1970 عندما كان موظفا شابا في السفارة الروسية في القاهرة، وأسهم حينئذ في بناء الحائط الصاروخي المصري، الذي مهد ضمن عوامل اخرى للانتصار على اسرائيل، فإن التعزيزات العسكرية الاخيرة قد تؤدي في النهاية لتحقيق الحل السياسي في سوريا. وهو يصر على انه لم يعد مجديا في ظل المعطيات الحالية عقد اجتماعات مع المعارضة، سواء في جنيف أو موسكو. معتبرا أن بوتين اقتنع متأخرا بما قاله الاسد منذ سنوات، وهو أن اغلب المعارضين السوريين ليسوا سوى مجموعة من المتشددين المتعطشين للسلطة، دونما أي رؤية حقيقية لمصلحة سوريا وشعبها. وبكلمات أخرى فقد حان وقت التفاوض بالسلاح، سعيا إلى انجاح مفاوضات السياسة. وفي الوقت نفسه قررت موسكو توفير شبكة أمان للنظام السوري تمكنه من التركيز على محاربة «داعش»، عبر تحالف دولي حقيقي وليس كرتونيا، كالذي شكلته الولايات المتحدة. وبالطبع لا يمكن استبعاد أن الدب الروسي ربما يعتبر أن سوريا تقترب من سيناريو التقسيم، وهو يريد أن يحصن نفوذه في الساحل السوري، لحماية قاعدته البحرية في طرطوس من احتمال أن تصبح في مرمى صواريخ المعارضة المدعومة تركيا وامريكيا إذا حققت تقدما جديدا في الشمال الغربي. وهكذا يؤسس عمليا لمشروع اقليم مقابل للمنطقة التي تسعى تركيا بموافقة امريكية على اقامتها شمال حلب.
ثانيا- ترفع المبادرة الروسية عنوانا من الصعب الوقوف ضده، سواء دوليا أو اقليميا، الا وهو «محاربة الارهاب»، وهو هدف معلن ومصلحة مؤكدة لأغلب الأطراف المؤثرة في الأزمة، بل انه يجمع نظريا حتى بين بعض أشد الخصوم فيها مثل ايران والسعودية وتركيا ومصر. وفي الوقت نفسه فإن القطب الروسي قرر أن يملأ الفراغ الذي يتركه ضعف الادارة الامريكية وتخبطها بتثبيت أقدامه في الشرق الاوسط، خاصة بعد أن فشلت رؤى اطراف اقليمية بشأن مستقبل سوريا، حتى إن لم يقروا بذلك، مستفيدا من مواقف براغماتية متزايدة لدول اوروبية وعربية تتقاطع مصالحها عند القضاء على «داعش». وهو في الوقت نفسه لا يتبنى موقف الدفاع عن شخص الرئيس الاسد، لكنه يعتبر أن ابقاء الدولة اساسي حتى لا تتحول سوريا إلى ليبيا جديدة، ما سيشكل تهديدا على الجميع بما في ذلك روسيا وبعض الدول التي تعتبر أن مجرد اختفاء الاسد سينشر الامن والاستقرار في البلاد، وهو امر لا يمت للواقع بصلة.
ثالثا- مع الاهتمام الاعلامي الواسع بموضوع العلاقات السورية المصرية، كان لافتا أن الرئيس بشار الاسد حرص على توضيح الامر مجددا امس الاول في حديثه إلى وسائل الاعلام الروسية، عندما أكد أن تلك العلاقات «امنية وليست سياسية»، وهو الكلام نفسه الذي نشرته «القدس العربي» نقلا عن مصدر دبلوماسي مصري قبل اسابيع، واكد فيه «ان التعاون الامني بين الدول لا ينقطع وليس مرتبطا بالعلاقات السياسية». الا أن الأسد اعرب ايضا عن «سعادته للتقارب المصري الروسي»، وهذه اشارة إلى الاهمية السياسية والاستراتيجية والاخلاقية لانضمام مصر إلى التحالف الجديد ضد الارهاب، بغض النظر عمن لا يستطيعون التمييز بين رأيهم في النظام الحاكم في القاهرة والمكانة الفريدة لهذا البلد، الذي يجعل واشنطن وموسكو تتسابقان لدعمه عسكريا والتحالف معه. اما المصريون فيصرون على عدم اضفاء اي صبغة سياسية على العلاقات مع دمشق، ليس فقط حرصا على العلاقات مع السعودية، كما يروج البعض، بل لأنهم يرفضون ما ارتكبه النظام هناك من جرائم حرب ضد شعبه، لكنهم يحتاجون في الوقت نفسه إلى بقاء الدولة السورية، لمنع سقوط البلاد بالكامل في ايدي الارهاب ما سيكون كارثة تحل بالامن القومي العربي كله. وحتى اذا صدقت الانباء عن استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي لمدير المخابرات السوري علي مملوك، فإن هذا يبقى في اطار تلك العلاقات الامنية، خاصة أن مملوك زار جدة مؤخرا والتقى مسؤولين سعوديين كبارا.
اما الانتقادات الاعلامية للقاهرة، فقد افادت النظام المصري في الحقيقة من جهة انه اظهر استقلاليته عن السعودية التي يحتاج إلى مساعداتها، لكنها فشلت في ضمه إلى معسكر الساعين إلى سقوط الاسد مهما كان الثمن.
اخيرا، هل حان وقت الفرز في المواقف والسياسات بعيدا عن الأماني أو الأحكام الاخلاقية أو المتاجرة الاعلامية بدماء الضحايا؟ ولا يتعارض هذا مع حقيقة أن بشار الاسد يتحمل المسؤولية مع الجماعات الارهابية عن المأساة السورية، لكن السياسة كانت وستبقى فن الواقع وليس فن الأحلام.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية