«ريحة الذكرى» وطعم القصائد… ألوان من الشعر الشعبي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من كمال القاضي: رغم المسافة التي فصلت شعراء العامية، بعضهم أو معظمهم عن القصيدة الرومانسية وانشغالهم بالقصيدة الاجتماعية والسياسية، إلا أن شاعراً رقيقاً لا يزال ممسكاً بتلابيب الرومانسية متعلقاً بالحب كمتنفس أخير في حياة ملأها الضجر والصخب وصارت موحشة، سيد يونس شاعر يتجاوز المحنة ويصدر ديواناً رومانتيكياً بعنوان «ريحة الذكرى» ينعى فيه حياة أخرى كان أجمل ما فيها الحب، ويرسم صوراً عاطفية بأثر رجعي لحالات عاشها وما زالت تسكنه، فبين ما كان ويكون يغزل خيوطه آسفاً حيناً متفائلاً أحياناً، فهو لم يهجر ذاته الرومانسية بعد، إذ لا يزال هناك وقت يمكن للإنسان أن يعيشه محباً متجرداً من كدره وضجره وسخطه، وعلى ضوء هذه القناعة يكتب الشاعر قصائده ويرسلها إلى من يحب، أصدقاء رحلوا أو أشقاء سافروا أو نخبة تتشبث بمكانها في الحياة وهو معهم، ويستجدي سيد يونس من ذلك الحب الذي يسكنه أن يفجر طاقات الوجد بداخله ويبقي عليه إنساناً فيقول: شكلني تاني إلى الأفضل ـ نسيني كل التجاعيد – رجعني عصفور طاير ـ من تاني ـ زقزقته على كل الأشجار.
وبين العنوان «ريحة الذكرى» والرغبة الملحة في العودة إلى كنيته الرومانسية الأولى، نلمح خاطراً يمتد عبر كل القصـــــائد مفاده النزوع إلى مرحلة البراءة الأولى كي ينأى بنفسه عن الجمود الذي صار عنواناً للمشاعر وحالة التبلد التي أنهكت الروح واغتالت معاني الحب فهو يرفض الواقع الخشن ويرغب في الارتداد إلى الطفولة والصبا ليجدد مشاعره ويرطب قلبه بحب منتظر.
وعلى المنوال ذاته والحالة الوجدانية نفسها وتحت عنوان «مشاعر دافئة» يعاود يونس القول: مش عارف ليه البنت إللي حبيتها بجد وماكنتش قاصد أقولها كلام الشعر المتذوق إللي بيلعب على أوتار البنات الطازه ـ مش عارف ليه اتعمدت أديها إحساس بسذاجتي ـ وإنه مايهمش أكون مفتاح لسكة تبحث فيها عن إجابات.
هنا يعترف الشـــاعر بعفوية مشاعره وسذاجة تجــــاربه الرومانســــية، لكنه لا يتــخلى عن إيمانه بالحب كمفهوم أساسي للحياة، وهو لا يختصر العلاقات العاطفية في التجاوب الشعوري بينه وبين محبوبته، وإنما يرى الحب ترجمة لنقاء الروح والوفاق بين كل العناصر والأضداد فبالحب ينصلح الإنسان وبصلاح الإنسان ينصلح الكون كله وفي ذلك تضمين لكل المعاني الإيجابية والعلاقات السوية. ولا يتجاهل سيد يونس من معاني الحب الخالص رائحة الذكرى التي تفوح فتجدد العشق القديم وتذكر بمآسر الراحلين، حيث يشير في ديوانه إلى الوفاء كصفة يتحلى بها المخلصون ويربط بين الوفاء كنازع وصفة إنسانية وبين الحب كصورة من صور البقاء والديمومة، وفي الإهداء نراه يودع الراحلين من أصدقائه في القلب، كموطن يليق بهم ووطن يعيشون فيه دلالة على رفعة مكانتهم ومقامهم عنده ويصفهم بالنبلاء كتعريف لهم يستحقونه عن جدارة. في ديوان «ريحة الذكرى» تتداعى الصور والأخيلة ويبقى الحب وزناً وقافية ومعنى.

«ريحة الذكرى» وطعم القصائد… ألوان من الشعر الشعبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية