زيارة أولاند الخاطفة إلى الجزائر تثير التساؤلات وشهادته بخصوص صحة بوتفليقة تفجر الجدل! 

حجم الخط
7

الجزائر ـ «القدس العربي»: زار الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند الجزائر للمرة الثانية منذ وصوله إلى السلطة، ولكن هذه الزيارة كانت مختلفة نوعا ما عن الأولى التي قام بها مباشرة بعد انتخابه سنة 2012، وهذا الاختلاف أثار الكثير من الجدل وأسال حبرا في الجزائر وفرنسا بخصوص خلفياتها وأسبابها.
أولاً، يجب التذكيرُ أن العلاقات التي تربط الجزائر وفرنسا استثنائية بصرف النظر عن الماسك بزمام الأمور في البلدين، فالماضي المشترك الذي صنعته 132 سنة من الاستعمار جعل علاقة البلدين غامضة وحل شيفرتها من الصعوبة بمكان، فهي مزيج من الحب والكراهية والرغبة في الابتعاد والاقتراب في الوقت نفسه، ولكن يبدو من المستحيل ( على الأقل في الوقت الراهن) تطبيع العلاقات الجزائرية – الفرنسية لتصبح علاقات عادية، مهما حاول الطرفان التظاهر بأن علاقاتهما عادية وبعيدة عن أي عواطف، لان هذه العلاقات مرهونة بماضٍ استعماري لم تتم تصفية رواسبه ومخلفاته بعدُ، وبعد أكثر من نصف قرن من استقلال الجزائر، لم تكن خلالها فرنسا بعيدة عما يجري في مستعمرتها السابقة، فبحسب بعض الإحصائيات يوجد خمسة ملايين جزائري في فرنسا، سواء تعلق الأمر بأولئك الذين يعيشون بطريقة قانونية أو غير قانونية، وحتى أولئك الذين ولدوا في فرنسا لأبوين جزائريين أو لأحدهما ولم يحصلوا على الجنسية الجزائرية.
ورغم أن العلاقات بين البلدين ساءت كثيراً في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ( يمين) إلا أنها تحسنت كثيراً خلال فترة حكم الرئيس أولاند، الذي عمل على تحسين علاقات البلدين، من خلال تهدئة ملف الذاكرة، الذي كان دائما السبب في توتر العلاقات، إذ أدان أولاند خلال زيارة الدولة التي قام بها إلى الجزائر في كانون الاول/ديسمبر 2012 النظام الاستعماري، وأوفد وزيرا للمشاركة في الاحتفالات المخلدة للذكرى السبعين لمجازر الثامن من أيار/مايو1945. 
ورغم أنه لم يكن هناك أي داعٍ لزيارة الجزائر مجددا، إلا أن لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي فاجأ الجميع في منتصف شهر أيار/مايو لما أعلن على هامش زيارة تدشين مصنع لتجميع عربات الترامواي في مدينة عنابة ( 600 كيلومتر شرق العاصمة)  أن الرئيس أولاند سيزور الجزائر منتصف شهر حزيران/يونيو لانه «اشتاق إليها» وبأنها ستكون زيارة مجاملة، وهو الوصف الذي أثار استغرابا في البلدين، لان رؤساء الدول يقومون إما بزيارات رسمية أو زيارات دولة، ولكن زيارات المجاملة لا مكان لها عادة، خاصة عندما يتعلق الأمر برئيس دولة بحجم فرنسا. وظلت الحيرة قائمة تجاه التسمية التي ستطلق على هذه الزيارة الثانية وغالبا الأخيرة بالنسبة لأولاند في ولايته الرئاسية الأولى، التي من المستبعد أن يُنتخب على إثرها لولاية ثانية، بالنظر إلى تراجع شعبيته، وفي الأخير استقر الرأي على تسمية «زيارة « فقط دون إضافة أي كلمة أخرى.
وقبل أيام من موعدها تبين أن الزيارة لن تتجاوز مدتها ساعات معدودات، خلافا لزيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي في 2012، والتي دامت يومين، وبدا واضحا أن زيارة تستغرق بضع ساعات لن تمكن من مناقشة كل الملفات التي يجب أن تُناقشْ، كما أن نوعية الضيوف الذين رافقوا الرئيس أولاند دليل على أن الزيارة تختلف عن تلك التي قام بها مباشرة بعد دخوله قصر الاليزيه، آنذاك رافقه عدد كبير من رجال الأعمال ورؤساء كبريات المؤسسات الفرنسية، وهذه المرة اقتصر الحضور على بعض النواب والمثقفين الذين لديهم ارتباط عاطفي بالجزائر، مثل المؤرخ بنجامين ستورا المختص في تاريخ الثورة الجزائرية.
الرئيس الفرنسي وصل إلى العاصمة في حدود الثانية بعد الظهر، وكان في استقباله عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة ( الشورى) الرجل الثاني في الدولة بروتوكوليا، والذي يستقبل الرؤساء، لعدم قدرة الرئيس بوتفليقة على استقبالهم بنفسه في المطار بسبب وضعه الصحي، ثم انتقل إلى مقام الشهيد، وبعدها التقى مع رئيس الوزراء عبد المالك سلال، ثم اجتمع مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ودام اللقاء ساعتين، بعدها عقد الرئيس الفرنسي مؤتمرا صحافيا، تحدث فيه عن الزيارة وعن لقائه مع الرئيس الجزائري، ثم التقى ممثلي الجالية الفرنسية في الجزائر، وتناول العشاء الذي نظمه رئيس مجلس الأمة، وغادر في حدود الساعة الحادية عشر ليلا راجعا إلى باريس.
أولاند دافع خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده عن قدرة الرئيس بوتفليقة على أداء مهامه، وأشاد بالقدرات الذهنية الهائلة للرئيس الجزائري، وقال انه وجده ملما بكل الأحداث التي يعرفها العالم، وأثنى على حكمته التي أكد الحاجة إليها لحل الأزمات، حتى وإن كان قد اعترف ان الرئيس يجد صعوبة في التنقل، وأنه (أي أولاند) كان يعرف ذلك منذ زمن! مضيفا بأنه ليس طببيا ولم يأتِ إلى الجزائر كطبيب.
أولاند نفى أن تكون لزيارته أي علاقة بترتيبات انتقال الحكم، مشددا على أنه تطرق لملفات تخص العلاقات الثنائية، في مقدمتها التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني، بالإضافة إلى ملفات إقليمية مثل الوضع في ليبيا ومالي وباقي دول افريقيا التي تعرف توترات ونزاعات، مؤكدا على أن البلدين يتقاسمان النظرة نفسها تجاه هذه الملفات.
أحزاب المعارضة شككت في أهداف ونوايا هذه الزيارة، ودعت بعضها إلى إضفاء الشفافية على العلاقات بين البلدين، مؤكدة أنها تأتي في وقت تعيش فيه السلطة السياسية أزمة وعزلة بسبب تزايد ضغوط المعارضة، وأنها تأتي كمحاولة لإخراج السلطة من أزمتها وعزلتها بمنحها نوعا من الشرعية الخارجية.
الصحافة الجزائرية والفرنسية تساءلت بدورها عن الأهداف الحقيقية لهذه الزيارة، وكذا خلفية التصريحات التي أدلى بها الرئيس الفرنسي عن الوضع الصحي للرئيس والتي راح الإعلام العام والخاص المحسوب على السلطة يفتخر ويستشهد بها كأنها شهادة طبية لا يُشق لها غبار، أو كأنها شهادة انتصار على المعارضة، متسائلة عن المقابل الذي يجعل الرئيس الفرنسي يقحم نفسه في شأنٍ داخلي جزائري، في حين أن الصور التي التقطها الإعلام الفرنسي للقاء الذي جمع بين بوتفليقة وأولاند تعطي انطباعا آخر غير ذلك الذي شهد به الرئيس الفرنسي.

كمال زايت

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية