«زي عود الكبريت» كولاج سينمائي من أفلام قديمة في تجربة حسين الإمام الأخيرة

حجم الخط
0

ظل حلم الاخراج يراود الفنان حسين الإمام لفترات طويلة، ولم تدركه الفرصة إلا في أواخر أيامه، حيث أنجز فيلمه «زي عود الكبريت» مستحدثاً تجربة سينمائية جديدة تقوم فكرتها المحورية على السخرية والدمج بين القديم والمعاصر على خلفية حكاية بوليسية ابتدعها لتكون هي الرابط بين المشاهد التي اختارها البطل من أفلام قديمة توحي بالزمن الذي ينتمي إليه. فهو يرى في أوجه الحداثة التي طرأت على المجتمع المصري اختلالا في القيم والأخلاق وصور التحضر الإنساني، ومن ثم يستحضر الماضي ويعيش فيه وفي الوقت نفسه لا يسلم ذلك الماضي من سخريته اللاذعة إذ يقتطع من الأفلام القديمة ما يدل من المشاهد على سذاجة السينما المصرية ونمطيتها في فترات سابقة ويعتمد على المفارقات في استخلاص الكوميديا البادية في الجمل الحوارية للأفلام القديمة والتركيبة الإنسانية والاجتماعية للأبطال السابقين الذين يورد منهم في سياق الفيلم أسماء ونجوم لها وزن وثقل وتاريخ أمثال، محمود المليجي وفريد شوقي وسراج منير وسامية جمال وتحية كاريوكا وسمير صبري وحسين رياض باعتبارهم علامات تجارية ورموز فنية عاشت طويلاً في الوجدان المصري وشكلت ثقافته السينمائية والمعرفية.
يركز حسين الإمام في فيلم «زي عود الكبريت» الذي شاركته فيه البطولة زوجته سحر رامي على مفهوم الشرف ومعناه ويشير إلى الشيزوفرينيا الاجتماعية التي عانى منها المجتمع طويلاً نتيجة اختصاره معنى الشرف في عذرية الفتاة، بينما يمارس كل فرد فيه سلوكيات تهزم فكرة الشرف وتبددها نهائياً وهنا يوجه حسين الإمام نقداً شديد اللهجة لجملة الأفلام التي طرحت هذا المفهوم وكرست له بما فيها الأفلام التي أخرجها والده مخرج الروائع حسن الإمام، ذلك الذي أسرف في استخدام المشاهد الجريئة للتعبير عن أزمات المجتمع والأفراد عبر عشرات القصص والروايات.
واستمراراً للمنهج الساخر يمد المخرج الخيط الدرامي الكوميدي ليبرز ما يتصوره عيوباً في سينما الأبيض والأسود المصرية التي قدمت أنماطاً من الحكايات البوليسية المتكررة عن عالم العصابات وتهريب المخدرات وعلب الليل والنساء والكباريهات بأشكال تجارية اعتمدت على الإثارة والتشويق، لا سيما أن جرائم القتل الغامضة كانت دائماً وأبداً هي العامل المشترك في كل الأفلام التي يبني عليها المخرجون العقدة الأساسية في الحبكة الدرامية وغالباً ما مثلت المرأة العنصر المثير في معظم القصص البوليسية والعاطفية، وهو ما ألمح به دور سحر رامي الذي كان أشبه بضيف الشرف، حيث استخدمها المخرج في الإيحاءات الكوميدية الساخرة من أداء بعض الممثلات الرائدات كراقية إبراهيم وفاطمة رشدي وغيرهن من اللواتي كن يمثلن بطريقة كلاسيكية قديمة في الأداء والتعبير تتشابه في الحركة والإيقاع وطريقة الأداء.
الفكرة التي قدمها حسين الإمام في محاولته الإخراجية الأولى والأخيرة جديدة تماماً على السينما المصرية وإن لم تكن جديدة على السينما العالمية بشكل عام فقد تم تقديمها في أحد الأفلام الأمريكية الكوميدية والذي طرح صوراً فنية من أفلام قديمة قدمت ملامح من شكل المجتمع الأمريكي وسماته في وقت سابق.
في الفيلم المصري «زي عود الكبريت» يعلن المخرج والبطل انحيازه لمصر القديمة وبالتحديد الفترة الملكية قبل قيام ثورة يوليو، فقد دلل على ارتباطه العاطفي بهذه المرحلة بما عرضه في المقدمة من صور للعائلة المالكة، الملكة نازلي والملك فاروق والأميرة فوزية، ولم ينس في هذا الإطار أن يشير إلى المجتمع المختلط والتركيبة الاجتماعية الراقية المكونة من ألوان الطيف المصرية واليونانية والأرمينية واليهودية والإيجريجية وغيرها، متأسياً على زمن طمست ملامحه ثورة يوليو 52، وهو اجتراء يشوب الفيلم ويقلل من قيمته، خاصة أنه يفتقد للموضوعية ويشي بانحياز شخصي لمرحلة سياسية واجتماعية كانت مليئة بالاضطرابات. غير أن المخرج وكاتب السيناريو الراحل حسين الإمام ذاته قد استفاد من إنجازات ثورة يوليو التي أتاحت له فرصة التعليم والتثقيف كأحد أبناء الطبقة المتوسطة التي تمتعت بمزايا كثيرة في فترتي الخمسينيات والستينيات.
وبالعودة للفيلم نلحظ هناك تغييبا لفكرة المقارنة بين زمانين مختلفين، فالمخرج يعرض صوراً مجمعة من أفلام قديمة لمرحلة واحدة من عمر مصر مستخدماً اللونين الأبيض والأسود وبراعة المونتاج الفائقة فقط للإيحاء بالماضي، بينما كان عليه أن يستخدم الألوان الطبيعية للتعبير عن شكل الحياة والمجتمع في بعض الأفلام الحديثة طالما أنه يستهدف الفروق الشكلية ومظاهر القبح والجمال لإبراز المعنى بوضوح ولو في مشهد النهاية فحسب.
لقد أوحى الخط الدرامي الواحد بمسحته الكوميدية الخفيفة بوجهة نظر واحدة تبناها حسين الإمام ليفرضها على الجمهور دون محاولة لعرض وجهة النظر الأخرى فيما رآه نمطيا وقديما وكلاسيكيا ومثيرا للسخرية!

«زي عود الكبريت» كولاج سينمائي من أفلام قديمة في تجربة حسين الإمام الأخيرة

كمال القاضي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية