سر غياب الفيلم الديني عن السينما المصرية!

حجم الخط
0

منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً أو يزيد وأزمة الفيلم الديني مستمرة، وبرغم استنكار السينمائيين أنفسهم لهذه الظاهرة إلا أنها لم تجد سبيلاً للحل كأنها اتجاه وليست مشكلة ومما يدل على أن الظاهرة السلبية مصنوعة هو ذلك الحماس الشفوي من كل الأطراف، المنتجين والمخرجين والجمهور فالجميع يرحبون بأية مشروعات سينمائية جديدة من هذا النوع وهو الأمر المثير للغرابة والدهشة وربما الاستفزاز أيضاً!
لو قلنا إن العقبة الأساسية أمام الفيلم الديني أو التاريخي هي الإنتاج فحسب فلا بد من استعراض الأعمال الدرامية التلفزيونية التي قفزت فوق هذه المشكلة ونجحت في التغلب عليها بالبحث عن حلول جذرية بما مكنها بالفعل من إنجاز العديد من المسلسلات ذات التكلفة الباهظة فرأينا أعمالاً كبرى سابقة ولاحقة ناقشت سير وأحداث مثل مسلسل لا إله إلا الله والوعد الحق وعلى هامش السيرة والفرسان ومؤخراً كان مسلسل عمر بن الخطاب، وهو الأكثر نجاحاً طوال السنوات القليلة الماضية ، هذا بخلاف مسلسل آخر عن الشخصية الإسلامية المرموقة ذاتها بعنوان يحمل الاسم نفسه والمضمون بعينه مع اختلاف في طريقة العرض والكتابة ومواطن القوة والإبهار والعظمة في شــخصية الخليفة العادل الفاروق رضي الله عنه.
هذا المسلسل يعد نموذجاً أمثل في كيفية إعداد الشخصية الدينية والتاريخية وتقديمها بما يضمن لها النجاح على المستويين الفني والمادي ، ولو أن منتجي السينما كان لديهم الاستعداد لإعادة هذه النوعية من الأفلام إسوة بما تم تقديمه في الخمسينيات والستينيات لأصبح لدينا أضعاف ما قدمته السينما المصرية خلال تلك الحقب المهمة التي وعت ضرورة الفيلم الديني والتاريخي فأنجزت أفلام مثل وإسلاماه والشيماء وظهور الإسلام وانتصار الإسلام وبلال مؤذن الرسول ومجموعة الأعمال الأخرى التي أنتجتها الفنانة ماجدة الصباحي عن الخلفاء الراشدين تحت عنوان عظماء الإسلام ، وهدفت من ورائها لتخليد أسمائهم وحياتهم ليكونوا دروساً مستفادة ونبراساً للأجيال على مر العصور، وهي الرسالة المنوط بالسينما حملها وتوثيقها إذ لا يعقل أن ينحصر دور السينما فقط في توثيق التاريخ المعاصر والعناية برموزه وشخوصه دون الاتساق مع التاريخ الفائت الزاخر والزاخم بالفتوحات والانتصارات.
هناك اعتقاد آخر بأن الرقابة على الأعمال الدينية والتاريخية تكون عادة متشددة فيما يتصل بالشخصيات والأحداث والوقائع لضمان صحتها وتدقيقها وهو ما يخشاه المنتجون والمخرجون ، حيث تؤدي المصادرة في حالة الخلاف على المضمون السينمائي إلى خسارة كبرى لا يستطيع المنتج تعويضها وتصيب المخرج بالإحباط ويتم الاستناد في هذه الفرضية إلى فيلم الرسالة للمخرج السوري مصطفى العقاد الذي أفنى وقتاً طويلاً في الطواف بالسيناريو على جميع المؤسسات المنتجة والدول راجياً الدعم والمساندة، وبعد أن تمكن من إنتاج فيلمه الأهم اصطدم بالأزهر الشريف الذي اعترض عليه ومنع عرضه في مصر لمدة اقتربت من ربع قرن كون المخرج أظهر فيه شخصية سيدنا حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فضلاً عن ظهور ناقة الرسول أيضاً داخل الكادر وهو أمر رآه الأزهر بدعةً وخروجاً على المألوف والمتفق علية بين العلماء فيما يتعلق بمسألة تصوير المقدسات الدينية وعدم جوازها شرعاً.
هذه السابقة البعيدة يبرر بها البعض تجميد الفيلم الديني منذ وقوعها وحتى الآن كأن مصطفى العقاد بإنجازه فيلم الرسالة قد أجهض كل المحاولات والتجارب اللاحقة وهو زعم مغلوط لأن النجاح الذي حققه فيلمه كان من المفترض أن يكون حافزاً على الاستمرار في تكرار التجربة بمزيد من التجارب المماثلة، مع الأخذ في الاعتبار تفادي ما يمكن أن يؤدي إلى صدام رقابي مع أي من الجهات المسؤولة عن إجازة الأعمال التاريخية والدينية ذات المضامين الحساسة التي تتطلب الدقة والمراجعة ولزوم ما يلزم من ضمان صحة المعلومات والتواريخ والمراحل ليخرج المصنف الفني إلى النور مكتملاً بغير نقصان ولا تشويه، ولا أتصور أن ثمة تعارضاً بين هذه الاعتبارات الصحية ووجهات النظر التي يتم بموجبها تناول الحدث أو الشخصية ، طالما المقصود هو الأمانة في ما يتم تقديمه فنياً وتاريخياً.
ناقد مصري

سر غياب الفيلم الديني عن السينما المصرية!

كمال القاضي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية