«سعودة» المتلقي العربي والفضاء اللبناني الساخر

في السخرية السياسية والاجتماعية، تتفوق معظم الفضائيات اللبنانية على اختلاف انتماءاتها بسقف الحرية العالي جدا، وهذا السقف موروث لبناني لم تستطع الحروب الأهلية ولا كواتم الصوت ولا أي سلطة أن تخفض منسوبه، فاللبناني مجبول على التحدث بحرية، لذا هو الأكثر قدرة على الاندماج في مجتمعات الغرب سياسيا وبسهولة.
طبعا هناك استثناءات في بعض البرامج التي تصبح السخرية فيها مسخرة، كما أن هناك برامج مشغول عليها بعناية تستحق المشاهدة.
«هيدا حكي» برنامج ترفيهي فارغ المضمون، مقدمه عادل كرم حظي بالنجومية منذ سنوات من خلال «سكتشات كوميدية» تغير اسمها أكثر من مرة لتصبح أخيرا تحت عنوان «ما فـــي متلو»، والفــــرق بـــين «هـــيدا حكي» و «ما في متلو» أن الأول مجرد حـــكي مطلق على عـــواهنه قد يجذب مشاهدين يبحثون عن أي ضحكة مجانية، والبرنامج بشكل عام نسخة عادية لبرامج الحوار الساخرة الأمريكية لجون لينون وديفيد ليترمان .
«ما في متلو»، وأحد أبطاله عادل كرم أيضا، برنامج «سكتشات كوميدية» ساخرة، قد يكون أحدها مجرد دقيقة يتم فيها تحويل نكتة جيدة إلى مشهد جميل، أو فكرة سياسية أو اجتماعية تتم صياغتها بقالب تمثيلي كوميدي مسل ولطيف، ولا يخلو من ضربات تحت الحزام على الطريقة اللبنانية في التجاذبات السياسية بين الأطراف المتنازعة وحسب هوية المحطة.
قبل سنوات، خاضت شبكة «أم بي سي» تجربة هذا النوع من البرامج، من خلال نسخة تقليدية مشوهة لأشهر برنامج أمريكي عريق وهو «ساترداي نايت لايف»، وحولته إلى برنامج تحت اسم «سي بي أم» بعكس حروف إسم الشبكة، وحشدت فيه كوميديانات من العالم العربي واستنسخت بهرجة وشكل البرنامج الأمريكي، وكانت النتيجة مسخرة لأن المحاولة اليائسة في توحيد قومية الضحك العربي كانت فاشلة.
وعلى سيرة المسخرة، مرة أخرى لا يتفوق أحد على الدكتور السياسي النووي توفيق عكاشة الذي يجهد نفسه لتقديم ذاته بكل جدية مفرطة حد الاستهبال، لينتهي عرضا ساخرا بلا قصد منه… ولو قصد أن يقدم السخرية لما نجح بهذا الشكل.

«أم بي سي» السعودية

.. ولأن من حكم بماله ما ظلم، فلا تثريب على صاحب محطات «أم بي سي» فيما يبثه من برامج، أو خلاف على الهوية البرامجية لمحطاته، رغم تعريفه لها بأنها محطة كل العرب!!
لكن، مؤخرا، أصبحت أعرف عن السعودية وتفاصيلها الداخلية أكثر مما أعرف عن مسقط رأسي الذي خرجت منه، وذلك بسبب عمليات غسل الدماغ المستمرة من خلال برامج سعودية بالكامل، بدءا من «أكشن يا دوري»، التي تجعلني أفكر بالفرق السعودية كجزء من أندية أوروبا، أو برنامج «الثامنة» للغاضب دوما داوود الشريان، حتى نشرات الأخبار التي صارت تعمل على تزويدي بتفاصيل إصلاح منهل صرف صحي في عرعر مثلا، وتدخلني في حوارات مع محللين مختصين بقطاع المياه العادمة.
«آراب أيدول»، لم يخرج عن تلك الاستراتيجية بسعودة ثم خلجنة المحطة، رغم التنوع العربي الذي أصبح ديكورا لازما فيه، فأحلام.. مصرة على أن تكون القائم بأعمال منتج البرنامج، وتقطع حديثها الذي لم أفهم منه شيئا بالأصل، لترسل تحية إلى نادي كرة قدم سعودي، وطبعا الجمهور «في بيروت» صفق لتحيتها الكروية إذعانا لإشارة مدير الاستوديو المكلف بتوجيه التصفيق والتحكم بشدته حسب الحالة وما يرده عبر السماعات من غرفة الكنترول.

«آراب أيدول» ومجوهرات أحلام

وعلى سيرة «آراب أيدول»، فقد آلمني خروج الجزائري الأمازيغي «أجراد» من تصفيات البرنامج، ولا شك أن هذا الشاب بحضوره الهادئ والطاغي حجما وصوتا، استطاع أن يشكل قيمة مضافة لبرنامج يكاد يفقد قيمته الفنية لحساب قيمة ما ترتديه أحلام من مجوهرات واكسسورات.
شخصيا، أسرني هذا الفن الذي قدمه أجراد، وشيئا فشيئا بدأت تذوقه والانزلاق إلى مجاهيله التي لا أعرفها، وهي مشكلتي ومشكلة الشرق العربي عموما، لكن ومنذ سمعت أجراد، وأنا أبحث في الفن الجزائري والمغاربي بشكل عام، والأمازيغي بشكل خاص، لأكتشف استمتاعا في بعض المقطوعات ممــــا يؤكد أن الموسيقى لغة الروح العالمية.
خروج أجراد، تحصيل حاصل، في تصويت لا يخضع لرقابة فعلية، كما أشار علي أحد الأصدقاء حين تساءل عن شفافية التصويت، ومن يستطيع أن يضمن مصداقيته، خصوصا إذا علمنا أن أجراد يمثل أربعين مليون جزائري تقريبا وأضعاف هذا الرقم من المغرب العربي وقد انتهى الشاب أن يكون الممثل الشرعي والوحيد عنهم.
أنا لا أقول أن التصويت خادع، لكن أقول أنه مضلل لو أخذنا معايير القيمة الفنية المضافة، وبعيدا عن لجنة تحكيم تترأسها فعليا أحلام، أخذت البرنامج بكل ما فيه نحو قفشاتها وتقليعاتها الغريبة كل أسبوع، إلا أنني أشعر بالحزن أحيانا على شباب وضع كل طموحاته بين يدي محكمين مهتمبن بالضحك والهمهمات بين بعضهم أكثر من الاهتمام بقيم فنية قد تكون هي الأساس لبرامج كتلك.

«كازية» كريستيان البلجيكي

وفي النشرات الاقتصادية التي أضطر للتوقف عندها لا حبا فيها لكن كرها في التوقف عند محطات أخرى، أو انتظارا لبرنامج بعدها، فإنني نادرا ما أنتبه لأسعار النفط وانخفاض أو ارتفاع مؤشراته، على أهمية الأمر طبعا.
منذ وصلت أوروبا مهاجرا، وأنا أراقب من نافذة منزلي اللوحة الإلكترونية التي تتصدر «كازية» كريستيان البلجيكي.
من خلال قراءة سعر البنزين تقريبا أدرك ما يحدث في الشرق الأوسط، وعادة عندما ينخفض السعر أتخيل أزمات متصاعدة أكثر، وكلما ارتفع السعر أتصور هدوءا نسبيا يسود المنطقة.
كريستيان نفسه شخصية مثيرة، فهو بلجيكي لا يخفي عنصرية كامنه فيه لكن لا يظهرها، وهو متقاعد من الجيش البلجيكي وقد خدم مع قوات الناتو في دول عدة في العالم، وانتهى في محطة الوقود التي ألحقها بكراج تصليح سيارات ولا يقبل الخدمة إلا على المزاج والطلب وغالبا لون وعرق وهوية الزبون.
أنا مقبول لديه لأن عيوني الزرقاء استطاعت تضليله، وهو يعتقد اني من أصول روسية ولم أصحح له الفكرة، كي تستمر الخدمة.
أكثر ما يستفز كريستيان من العرب، هو مبدأ المفاصلة، لذا يكره تقديم الخدمة لهم كما قال لي، فهو يتفق معهم على سعر، ويمضي بخدمته حسب الأصول وحين ينتهي ويأتي صاحب السيارة العربي لاستلام «دابته»، يخرج الزبون عن الاتفاق ويبدأ بمفاوضات المفاصلة على السعر المتفق عليه أصلا!!
كريستيان لا يستوعب الأمر، وهو يرى أن الاتفاق يعني اتفاقا..لا جدال فيه.
كريستيان، لا يعرف أن مبدأ المفاصلة هو عنوان التفاوض عند العرب، ليس في المحلات التجارية وحسب بل في قضايا الأوطان كذلك.
فارق السعر.. أو فارق التاريخ متساويان عند المفاوض العربي.. والمفاوضات حالة تسوق متكاملة.

٭ إعلامي أردني يقيم في بروكسل

مالك العثامنة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية