سفر

حجم الخط
9

على غير عادتي سافرت إلى لبنان ثلاث مرات متتالية، وأعتقد أنني خلال هذه السفرات الأخيرة رأيت لبنان الذي لم أعرفه من قبل. وأدركت تماما ما قصده مارسيل بروست بقوله إن السفر الحقيقي ليس أن نكتشف مناظر طبيعية جديدة، بل أن نكتسب عيونا جديدة.
وأدركت أيضا أن زيارة بلد للمرة الأولى يجب أن تكون قائمة على خريطة طريق لمعرفة مواقع الجمال فيه، أما الزيارة الثانية فهي لقراءة الناس، والثالثة لاكتساب أفكار جديدة وارتداء حياة جديدة.
«لامارتين» العظيم الذي خلع حياته القديمة خلال زيارته للبنان وللشرق عموما، بدءا بتركيا ارتدى حياة جديدة وترك شيئا من روحه هناك بين جبال عالية والمتن في وادٍ نال شرف التسمية باسمه.
وإن كان عمق التغيير الذي أصابه لم يأت له بمكاسب مادية ولم يحفظ له مركزه في الدولة، ولم يحقق له مداخيل تبقي انتماءه العائلي النبيل المرموق محميا، إلا أنه تسلّق سلم الشعر والفكر حتى بلغ قمته، وأهم من ذلك توغّل في قلوب أجيال ولا يزال.
وأعتقد أن السفر هو الذي أنضج فكره وإلا بقي طفلا مدللا بين الطبقة المخملية الفرنسية حتى وفاته. كونه خرج من تلك القوقعة فقد كان صعبا أن يظل بليد العواطف، مخدّر الضمير تجاه ما يحدث حوله. وقد قال: «لا يكتمل الإنسان حتى يسافر كثيرا ويغير أفكاره وحياته عشرين مرة» وتلك كانت شهادة نابعة من تجربته الشخصية.
حضرني لامارتين وحضرني غيره من الشعراء والكتاب، الذين قرأت بعضهم وقرأت عن بعضهم الآخر. ويحضرني دوما الكاتب الفلسطيني إبراهيم نصرالله بسفرته الفريدة إلى جبال كليمنجارو، وأعتقد أنه الكاتب العربي الأول الذي قام بهذه السفرة، وخرج عن المألوف، وثاني كاتب لم ألتقه ولم أقرأ له للأسف وهو الكاتب العراقي وارد بدر السالم الذي قاده خطأ في الحجز إلى جبال الهملايا، والقصة روتها لي صديقة عزيزة وحمستني لاستضافة الرجل في برنامجي، لأن تجربته هذه متميزة. وأعتقد أنه سيوثق لها كما وثق إبراهيم نصرالله لرحلته الإنسانية من أجل أبناء وطنه في كتابه «أرواح كليمنجارو» التي تحمل في ثناياها كثيرا من الحب والحكمة والسلوك الإنساني الراقي، حين ذابت الفوارق البشرية السطحية بين فريق تسلق الجبل وتعاظمت بينهم روابط التعاون واكتشاف الآخر في عمقه.
كتاب أحث على قراءته بشدة، أنا التي جعلت من نصر الله مادة لقراءتي على مدى أشهر، ونشرت مقولات كثيرة له عبر «انستغرامياتي» لا لأخبر أني أملك كما كبيرا من المعلومات الثقافية والأدبية، بل لتشجيع متابعيّ على القراءة، ودخول عالم القراءة من باب النصوص الجيدة.
المسافرون من الأدباء والكتاب كثر، وفي عالمنا العربي اشتهر ابن طنجة المغربية المعروف بإسم ابن بطوطة برحلاته وتدوينه لها، ولا نعرف إن كان ما وصلنا من رحلاته كاملا أم ضاع منه ما ضاع وتلف عبر مئات السنين قبل أن يصلنا. وقد قيل إنه قضى قرابة الثلاثين عاما بين الحل والترحال، ومسح بناظريه الأقاليم العربية والأعجمية من طنجة إلى بلاد السند والهند وكونه سافر على صهوة فرسه، فإن ما رآه وعاشه يختلف عن أي مسافر آخر زار تلك البلدان بوسائل نقل أكثر تطورا.
وفي زمننا الحالي هناك كتاب الشاعر والصديق أمجد ناصر «في بلاد ماركيز» وأعتبره تأريخا لتجربة كثيرا ما أهملها الشعراء والكتاب، الذين يشاركون في مؤتمرات ويسافرون على حساب الدولة المستضيفة، ومع هذا كما يذهبون، كما يعودون، إذ تنتهي رحلاتهم في كواليس الفنادق وقاعات المؤتمرات، وللأسف هذه التجربة لم تتكرر، ربما لأن دور النشر لا تهتم بهذا النوع من الكتب، وثانيا لأن تقاليدنا الثقافية العربية أسقطت السفر من أجندتها، لذا قليلا ما نجد كاتبا كتب عن رحلاته ينال استحسان القارئ.
غادة السمان نموذج مرعب في وصف رحلات شخصية كلها مغامرات يصعب على الرجال القيام بها فما بالك بنسائنا. وشخصيا أعتبر نتاجها حول رحلاتها أكثر كتبها أهمية. لأن كتبها الأدبية نالت حقها من الاهتمام وكوّنت أجيالا كثيرة بلغتها الشاعرية وكسرها لقواعد السرد الكلاسيكية.
أما أنيس منصور الذي لم ينل حقه ككاتب متميز وثق لرحلاته في أماكن مجهولة تماما بالنسبة لنا فيبدو لي أن من ظلمه هم ابناء جلدته أولا، من منطلق « عدوك ابن كارك» وبدل أن تزرع كتبه في أجيالنا روح المغامرة والاكتشاف، طمرت في مكتبات محلية وانتهت بوفاته هناك. وما خرج منها إلى فضاءات أوسع اتهم بأنه قد يكون نتاج مخيلته الواسعة، مع أن الرجل وثق بالصور لرحلاته كما هاجمه المتأسلمون كثيرا وزرعوا في الناشئة عبر أجيال أن الرجل معاد للإسلام، مع أنهم وبشكل مثير للحيرة لا يوجهون هذه التهم لكتاب غربيين تباع كتبهم بسلام وطمأنينة في كل العالم الإسلامي.
غوستاف نادو قال: «بقاؤك مكانك يعني أنك موجود، أما حين تسافر فأنت تعيش» وهذه حقيقة لم تكتمل في منظور الأغلبية من شعوبنا العربية حتى حين يسافرون، لأنهم يفتقدون لثقافة السّفر، ولأن أسفارهم تقتصر إما على البحث عن لقمة العيش أو التسوق والتنقل بين فنادق غالية ومطاعم مشهورة.
فئتان إذن لا ثالث لهما هم المسافرون العرب. الفئة الفقيرة التي تقطع البحار والأجواء بحثا عن لقمة العيش، والفئة الثرية التي رغم ثرائها لا تستمتع بأموالها، فتخرج من سجون تقاليدنا وأعرافنا وراداراتنا الاجتماعية بحثا عن المتع الجسدية التي حرمت منها خارج القفص.
صحيح أنني ابنة عائلة بسيطة، ولكنني تعلّمت باكرا أن ثقافة السّفر مختلفة عمّا هو متعارف عليه في مجتمعي، وسأذكر فضل أمي ما حييت وهي تصطحبنا للمكتبة لنختار كتبا يجب أن نقرأها حتى نحظى بكتب غيرها في عطلة الأسبوع التالية. وفضلها الأكبر حين باركت سفري من أجل العلم ثم من أجل العمل.
أمي بعيدة النظر، عميقة البصر والبصيرة بفطرة الأنثى التي لم تستسلم للتدجين الاجتماعي، هي مدرستي الأولى في اكتشاف شساعة العالم. حين قررت أن تزرع فينا بذور حب السفر من خلال السفر عبر القصص والأساطير التي قرأناها. وكانت تردد على مسامعنا الكثير من الحكم التي تصب في إناء واحد وهو أن العلم يبدأ بقراءة الكتب وينتهي بالتحليق في ربوع العالم.
هل كانت أمي تعرف شيئا عن المغامر الإيطالي كازانوفا القائل: «من يريد أن يتعلّم عليه أن يقرأ أولا ثم ليحمل حقيبته ويسافر ليصحح بعض أخطاء ما قرأ ويتعلّم أكثر»؟ بالطبع لا، ولا أعتقد أنها تعرف كل هؤلاء الذين أقرأ لهم وعنهم وأنبهر بمقولاتهم، فقد كانت ولا تزال تحمل في جنبات جسدها روحا غريبة تجتمع فيها أرواح الفلاسفة والعباقرة والشعراء، وأشد ما أدهشني فيها في آخر سفرة عائلية قمنا بها معا إلى لبنان، أنّها كانت تلثم الجبال المغطاة بالثلج وتتأمل كل الأمكنة التي زرناها بمحبة العائد إلى مكان هجره منذ سنوات.
هكذا جعلتني هذه السفرة أكتشف أن أمي قارة كبيرة أحتاج لعمر آخر لاكتشاف خباياها..
وأحتاج تحديدا إلى معرفة جواب واحد عن سؤال ملح: «كيف كسرت كل القضبان حولها ومنحت لنا أجنحة وساعدتنا على الطيران والانتشار في كل العالم؟».
أحتاج لجواب مع أني يوميا أكتشف عبقرية أمي وأعرف أنني منذ غادرت رحمها وأنا أعيش سفرا طويلا جميلا وكلما عدت لزيارتها تضعني على سكة سفر جديدة وبســببها لم أتوقف ولم أستسلم للعثرات التي أسقطتني أحيانا.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

سفر

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية