القاهرة ـ «القدس العربي» : لم تخف حدة غضب المصريين وحزنهم من الكارثة التي تعرضت لها قوات الشرطة على أيدي الإرهابيين في الواحات البحرية، ولم يعودوا يلتفتون إلى التحقيقات الصحافية والمقالات التي تتوعد الإرهابيين وتتهمهم بمحاولة تعطيل النجاحات التي حققتها مصر.
وعقد الرئيس عبد الفتاح السيسي اجتماعا عاجلا مع قائد الجيش ووزير الداخلية ورئيس جهاز المخابرات العامة. ولوحظ أن الاجتماع حضره عدد من قيادات وزارة الداخلية للمرة الأولى. ومن الواضح أنه إزاء الكارثة التي حدثت أراد الرئيس السيسي أن يعرف بنفسه أسبابها من القيادات التي وجهت العملية مباشرة، لا من وزير الداخلية فقط، خاصة بعد تزايد الاتهامات بوجود اختراق للشرطة تسبب في ما حدث.
وفي حقيقة الأمر لا يمكن الاستناد بشكل كاف إلى الاتهامات التي بدأ البعض يوجهها للشرطة بأنها مخترقة من الإرهابيين لتفسير أوجه القصور في العملية، سواء من حيث الاستعدادات الكافية أو الدفع بهذا العدد الكبير من القيادات الكبيرة للاشتراك في اشتباكات مسلحة، أو عدم استخدام طائرات الهليوكوبتر في مواجهة المجموعة الإرهابية وتشتيتها لتسهيل مهمة المهاجمين من الشرطة، أي أن الاختراقات شيء حتى إن حدثت في العملية الأخيرة والاستعدادات لمهاجمة الإرهابيين شيء آخر، خاصة مع توافر أجهزة الاتصالات الحديثة، حتى إن كانت في مناطق لا تصل إليها شبكات المحمول، فهناك هواتف الثريا المتصلة مباشرة بالأقمار الصناعية، وهناك التصوير الجوي بالأقمار، ويمكن الاستعانة بدول لديها إمكانيات في ذلك. وما يثير الغضب، هو إحساس الجميع بأن شيئا ما خطأ قد حدث.
واستمر الكثير من الكتاب والصحافيين في مهاجمة الدكتور يوسف زيدان أستاذ الفلسفة بسبب مهاجمته للزعيم أحمد عرابي ووصفه له بأنه فأر، وسبب الاحتلال البريطاني لمصر، وأن حكاية وقوفه أمام الخديوي توفيق لتقديم مطالب الأمة ليست حقيقية.
وأشارت الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 23 أكتوبر/تشرين الأول إلى الشهادات الدولية التي تؤكد استمرار تحسن الوضع الاقتصادي للبلاد، وزيادة معدل النمو السنوي وتدفق الاستثمارات. وإصدار محكمة جنايات الجيزة حكما في قضية خلية الجيزة الإرهابية بإعدام أحد عشر متهما، منهم خمسة هاربون، والمؤبد لأربعة عشر متهما وعشر سنوات لحدث. والمحادثات التي دارت بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي يزور مصر، وسط نمو متسارع للعلاقات بين البلدين.
وكذلك اهتمت الصحف باللقاء الذي تم بين شخصيات عالمية والرئيس السيسي في العلمين في ذكرى مرور خمسة وسبعين سنة على معركة العلمين، وإعلانه عن إنشاء مدينة العلمين الجديدة، وإلى بعض ما عندنا اليوم من أخبار.
الإرهاب والشرطة
وإلى أبرز ردود الأفعال على كارثة شهداء الشرطة التي لا تزال تثير غضب المصريين وحزنهم. والمطالبة بأن لا يمر هذا الحادث مرور الكرام وأن يخضع لتحقيقات واستجوابات، لدرجة أن عضو مجلس النواب الدكتور عماد جاد أكد على وجود خونة داخل جهاز الشرطة وقال في عموده «درة الشرق» في «الوطن» تحت عنوان «المراجعة المطلوبة»: «نعم العملية ضخمة وهي غالباً محصلة عمل إقليمي ضخم وتعاون بين جماعات وأجهزة استخبارات، وتنطوي على تقديرات بحدوث اختراق للجهاز الأمني من ناحية وتخطيط دقيق من جانب الجماعات الإرهابية على النحو الذي أوقع قواتنا في كمين معد مسبقاً، بدون فحص شامل وتقدير موقف لسلامة المعلومات، ناهيك عن الاستعداد الجيد لمواجهة الإرهابيين. فكيف لعملية من هذا النوع أن تتم في بيئة صحراوية وعرة، بدون أن تكون هناك تغطية مصاحبة من الجو؟ لاسيما أن وزارة الداخلية تملك طائرات هليكوبتر مجهزة لمثل هذه المهام. كما كان بمقدور الداخلية الاستعانة بالقوات المسلحة على غرار ما يحدث في شمال سيناء. الجريمة مفزعة وكشفت عن نواقص عديدة في تعاملنا مع الجماعات الإرهابية، على رأسها عدم تطهير الجهاز تماماً من بقايا الجماعة والخونة، وعدم التعامل الجدي مع المعلومات وعدم فحصها والاستعداد الجيد لملاقاة الإرهابيين، وعدم الاستعانة بالطائرات للتمشيط والتغطية والمعاونة والمساندة للقوات في بيئة صحراوية وعرة، وأخيراً كشفت هذه الجريمة وتعاطي الوزارة معها إعلامياً، عن عورة من عورات الوضع القائم، وهو محاولة التعمية على ما يجري وإخفاء الحقائق عن الشعب، في زمن السموات المفتوحة. راجعوا الأخطاء والخطايا في الواقع القائم حتى نتمكن من استعاد لُحمة تيار 30 يونيو/حزيران الذي تم تفتيته عمداً فكانت النتيجة وهناً وأخطاء متراكمة».
اختفاء المعلومة
وفي «اليوم السابع» قال دندراوي الهواري في بابه اليومي «نقش الحجر» تحت عنوان «طالما بنغذي ونعلف الإرهابيين في السجون نزيف دم خيار رجال مصر لن يتوقف» مكررا الاتهامات نفسها بوجود أخطاء غير معلنة: «الحقيقة أن «علف وتسمين» الإرهابيين في السجون، وتشكيل فرق أمنية لتأمين خلوتهم الشرعية مع زوجاتهم ليمارسوا علاقاتهم الحميمية بكل أمن وأمان لإنجاب أطفال، يحملون شعلة أفكار آبائهم، إنما يشيع بين الناس اليأس والإحباط، وينثر في صدورهم حقيقة عجز العدالة في النيل من القتلة والمجرمين، ونحذر من انتشار السؤال الحائر بين قطاع عريض من المصريين عن أن هناك شيئا خطأ يحدث خلف الكواليس وبعيدا عن العيون وغير مفهومة أو معلومة أسبابه وأسراره في ظل اختفاء المعلومة، وتأخر صدور البيانات ومنح الفرصة لانتشار الشائعات على السوشيال ميديا وترك الساحة لوكالات الأنباء الأجنبية تبث سمومها اللعينة ولك الله يا مصر».
قدرة مصر
أما رئيس الهيئة الوطنية للإعلام مكرم محمد أحمد فقد قال في عموده «نقطة نور» في الصفحة العاشرة من صحيفة «الأهرام» اليومي تحت عنوان « ماذا بعد كمين الكيلو 135 «: «إياك أن تبتئس أو تتشاءم لأن كميناً للإرهاب نجح في أن يطول «قولا أمينا» خرج للقائه وتكبد القول خسائر جسيمة، فهكذا الحرب على الإرهاب يمكن أن تخسر معركة لقصور يسهل تدارك أسبابه، لكن العبرة تكون دائماً بالخواتيم كما يقولون. نعم من حقنا أن نحزن لأن شهداءنا هم أعز الرجال، وقد استشهدوا وهم يحتضنون أسلحتهم إلى صدورهم صامدين في المعركة، ومن المؤكد أن الابتئاس والتشاؤم يبخسان حق شهدائنا الأبطال، وأظن أن من صميم حقنا أن نفتش عن أسباب القصور، إن كان قد حدث قصور حتى نتعلم من تجاربنا ونكون أكثر تفوقاً في المرات المقبلة، لكن ليس من حقنا أن نبتئس أو نتشاءم لأن الحرب على الإرهاب تشهد بالضرورة مداً وجزراً، ولأن واجبنا كمواطنين صالحين أن نساند الدولة المصرية في حربها على الإرهاب، نشد أزر قواتها المسلحة وأمننا الوطني، لأن ذلك يزيد من قدرتنا على تحقيق النصر،. إن حادث الكيلو 135 على طريق الواحات ينبغي ألا يكون نهاية العالم، نصنع منه مأساة تستحق البكاء، وأيا كانت الأخطاء التي وقعت فجميعها يمكن إصلاحه إلا الخيانة، ولا أعتقد أنه كانت هناك خيانة، نعم حدث تزييف لأخبار وأشرطة دست على البعض، وحدث تأخير في إصدار البيانات التي تسد حاجة الناس إلى المعرفة، لكن ذلك لا يعني نهاية العالم لأن الحرب على الإرهاب مستمرة وسوف تزداد بأساً وشدة، لكن الإرهاب سوف ينهزم على صخرة مصر، كما هزمناه أول مرة، من فضلك لا تبتئس لان مصر قادرة على دحر الإرهاب وسوف تدحره» .
العدو قوي
وفي الصفحة الأخيرة من «الأهرام» قال صلاح منتصر في عموده «مجرد رأي»: «أكاد أقول إنه كانت هناك خيانة استدرج إليها رجال الشرطة الذين لم يواجهوا «خلية» كما كانت المعلومة، وإنما واجهوا «معسكرا» تم تسليح أفراده على أعلى درجة بالأسلحة الثقيلة، من مدافع ورشاشات هناك أخطاء لا بد وقعت، وعلى أجهزة التحقيق أن تكشفها، فالثقة في جهاز الأمن ليست في قدراته القتالية، وإنما أيضا في شجاعة تعرفه على أخطائه واعتبارها دروسا يجب ألا تتكرر. العملية تؤكد أننا ما زلنا في حالة حرب عنيفة مع الإرهاب، وأننا أمام عدو قوي وجهات تنفق وتحرض، ومحاولات تصعيد واضحة، ومهمة إعلام الأجهزة الأمنية ألا يستهين بدور الشعب حتى لا تهتز ثقته في أجهزته الأمنية والشرطية فهذه عقيدة لا تنازل فيها».
«تويتة» شفيق
ثم نتحول إلى الصفحة الأخيرة من «الوفد» لنكون محمد أمين وقوله في عموده «على فين»: «نسى الجميع ما جرى و«مسك» في أحمد شفيق، لأنه كتب تويتة ينعى فيها الشهداء، ويتحدث عن «عملية عسكرية كاملة الأركان»، واتهم القائمين على التنفيذ بـ«سوء التخطيط». تركنا أحزاننا خلف ظهورنا، وبدأنا معركة جديدة مع مواطن مصري، قال رأيه مثل ملايين المصريين، فمن يقول تفاهات، ومن يقول خليك في حالك، ومن يقول إنزل مصر، وانتقد كما تشاء وهكذا نسينا شهداءنا ومصابينا، واختزلنا الكارثة في كلمتين. تجاهلنا كل أخطاء المواجهة، وكل أخطاء الإعلام، وتوقفنا عند تعليق بسيط، لو كان من غير شفيق لمر مرور الكرام. ورأينا من يقول إن الفريق يصطاد في الماء العكر، ربما كان ذلك مقصوداً حتى تمر الحكاية مثل غيرها، وكأننا كنا في خناقة، فهل يعقل هذا؟ وهل نجرده من «حقه في الألم» كمصري؟ فلم يكن الفريق شفيق وحده من تحدث عن الأخطاء، ولم يكن وحده من تحدث عن سوء التخطيط، الفريق عنان قال شيئاً مماثلاً، وربما بالمعاني والألفاظ نفسها، لكن أحداً لم يلتفت لما قاله عنان، السبب واضح أن هناك أنباء عن احتمالات ترشح شفيق من جديد للرئاسة، وبالتالي كان كلامه عن سوء التخطيط والخيانة اتهاماً مباشراً واضحاً للقائمين على إدارة الإرهاب والمؤكد أن المجزرة أحدثت صدمة لأولي الألباب، فمنهم من التزم الصمت، ومنهم من لم يستطع، ومنهم من أذاع التسريبات، العجيب أنهم «مسكوا» أيضاً فيمن أذاع التسريبات، مع أن الأصل أن نمسك فيمن سرب التسجيلات. هذا هو الأصل فإن كانت هناك خيانة نعرفها، وإن كانت هناك سلبيات تخص التدريب نعرفها، المهم أن تنتهي التحقيقات إلى المحاكمة، أو العزل».
الواحات بديل لسيناء
أما رئيس تحرير «الشروق» عماد الدين حسين فقال في عموده «علامة تعجب» في الصفحة الثانية تحت عنوان «مرة أخرى قبل أن تتحول الواحات لسيناء جديدة»: «هناك تقديرات بأن الضغوط التي تفرضها الأجهزة الأمنية على الإرهابيين في سيناء، خصوصا بعد المصالحة مع حماس وشح الدعم المالي من الخارج قد تجعلهم يحاولون خلق بؤر جديدة للتمركز فيها، وتخفيف الضغط على زملائهم في سيناء. الواحات البحرية قد تكون مكانا بديلا لهؤلاء الإرهابيين، إذا لم تسارع الدولة وأجهزتها إلى قواعدهم ونقاط القوة التي يتمتعون بها في هذه المنطقة. في الواحات هناك جبال صخرية وكهوف وبيئة صالحة جدا لحرب العصابات والكر والفر، والأخطر أن هناك طرقا ودروبا صحراوية مفتوحة مع الحدود الليبية التي تمتد لمسافة 1200 كيلومتر، إذن القول بأن الصحراء الغربية منطقة سهلية يصعب الاختفاء بها أمر غير صحيح، وبالتالى فإن مهمة رجال الأمن ليست يسيرة وتحتاج لمعلومات ساخنة أولا بأول لمتابعة ومراقبة ومداهمة الإرهابيين».
خريطة الصراع
الضرورة الوطنية لتأمل خريطة الصراع والأزمة بشكل واقعي وعلمي من أجل تسهيل المعالجة وإنهاء الخطر تستدعي حسب رأي جمال سلطان في «المصريون» الاعتراف بأن الانقسام الوطني الحاد والواسع النطاق الذي حدث في مصر بعد 30 يونيو/حزيران 2013، وفشل النظام الجديد في علاجه ووقف تداعياته، كان من بعض عوارضه تشكيل أرضية اجتماعية من الكراهية والإحباط الشديد والمرارة، التي ترسخت في مشاعر ملايين المصريين، وقد ساهم في توسيعها الإعلام الموالي للسلطة الجديدة، بتعزيزه مشاعر الكراهية والانقسام وترويج مقولة «أنتم شعب واحنا شعب»، فضلا عن سياسات أمنية توسعت في الملاحقة والاعتقال والمحاكمات والأحكام القاسية بالموت ـ الإعدام ـ والسجن المؤبد على المئات أو الآلاف من المعارضين، وقرارات سياسية بإغلاق القنوات الفضائية وغلق الصحف والضرب بالرصاص الحي، على أي حراك في الشارع حتى لو كان لقوى مدنية عادية صديقة لحراك 30 يونيو، وكل تلك الأجواء ـ بدون شك ـ تصنع مناخا سوداويا يمكن أن يشكل حاضنة ولو محدودة تدعم النشاطات العنيفة والإرهابية ضد الدولة والأجهزة، وهذا هو الخطير في الموضوع، وهو ما يجعل المواجهة مع الإرهاب طويلة وممتدة ومتصاعدة أيضا. هذا الأمر ربما يضع أيدينا على المدخل الضروري لمعالجة الإرهاب، وأيضا المدخل الضروري لتحديد المسؤوليات، والتأكيد على أن المسؤولية السياسية هنا أسبق وأهم من المسؤولية الأمنية، لأن الإرهاب وانتشاره وتمدده وتكاثره ليس مشكلة أمنية فقط، ولا هو صناعة أمنية فقط، ولكنه مشكلة سياسية وصناعة سياسية بالدرجة الأولى والأهم، ويسأل عنها صانع السياسات وليس رجل الأمن، فسوء إدارة المشهد السياسي في اللحظات الصعبة، واستسهال خنق المجتمع وشل قدراته وتهميش المعارضة وملاحقة الناشطين وتجريم أي رغبة في التنفيس عن الغضب أو الرأي الآخر من خلال «التظاهر السلمي» ومصادرة الإعلام الحر وتأميم الصحافة عمليا وغلق القنوات الفضائية ووضع اليد على أخرى، وحجب المواقع الإخبارية التي لا تتلقى الأوامر والتوجيهات من الأجهزة، وصناعة برلمان على مقاس أجهزة سيادية وبتدخلات فجة لكي يكون مهندسا لأغراض محددة سلفا، كل هذه الأجواء الكئيبة والخانقة هي «المستنقع» النموذجي لتوليد خلايا الإرهاب وتكاثرها، وهي كلها توجهات وقرارات سياسية يسأل عنها القيادة السياسية صاحبة القرار، وهي مشكلتها وحدها. مواجهة الإرهاب ليست عضلات عسكرية أو أمنية، وليست صراخا عبر الفضائيات وإعلام النفاق السياسي، وليس هتافات سياسية فارغة، وليست تغريدات أو تصريحات عاطفية عن الشهيد والوطن، وليست بتعزيز الاستبداد والديكتاتورية التي تصنع الأوثان السياسية وتختزل الوطن في شخص سيذهب كما ذهب غيره من قبل وبقي الوطن من بعدهم وسيبقى بعون الله، وإنما مواجهة الإرهاب بإدارة سياسية شاملة وحكيمة وعاقلة وخبيرة، تفتح نوافذ الحرية للناس وتتيح للجميع أن يتنفس هواءها، وتدعم ذلك بروح التسامح والتعفف عن اختلاق الخصومات مع القوى المختلفة، وتفرغ الاحتقانات السياسية لا أن تفتعلها وتصعدها، وتعزز قيم العدالة والشفافية، وتملك الشجاعة على اتخاذ القرارات التي تعيد النسيج الوطني لوحدته، وتحقيق مصالحة وطنية عادلة وناضجة وراسخة تدفع بالمجتمع كل المجتمع في وجهة واحدة تنهض به وتقطع الطريق على أي اختراقات للفساد أو الإرهاب سواء، سلطة سياسية تعرف أن عزها وقوتها هي في قوة وطنها ووحدة مواطنيها وثقتهم بها وإيمانهم بإخلاصها، وليس في رعاية آخرين لها من خارج الوطن، أيا كانوا، سلطة سياسية لا تتكبر على الاعتراف بالخطأ، وتدرك أن كل بلاغيات اللغة العاطفية والكلمات المزركشة في الخطب لن تستطيع أن تمحو من عقل الناس وحسهم بؤس الواقع وفداحة الأخطاء وضياع أي أمل في مستقبل أفضل».
الخطأ والصواب
«نجد أنفسنا مع كل عملية إرهابية جديدة أمام كلام عبيط عن الإرهاب الأسود الذي لا دين له، ولا عهد، وكأن العالم من حولنا يعرف إرهاباً أبيض مُتديناً، وعنده عهد هذا ما بدأ به سليمان جودة مقاله في «المصري اليوم» فالإرهاب إرهاب وفقط، وعلينا أن نتعامل معه على هذا الأساس الواضح، بغير تلوين ولا تصنيف. ثم علينا بعد ذلك أن نقول كلاماً مختلفاً، عن الأسباب التي أدت إلى سقوط 16 من جنودنا وضباطنا شهداء، في صحراء الواحات، بخلاف الذين سقطوا مصابين دفاعاً عن حق هذا الوطن في أن يعيش في أمان. ولن نكسب معركتنا مع الإرهاب، وسوف نكسبها، إلا إذا كنا أمناء مع أنفسنا في الاعتراف بأخطائنا، والإقرار علناً بأننا أصبنا في كذا، وجانبنا الصواب في كيت، فهذه هي البداية في كسب المعركة، ولا بداية غيرها. والمسألة في ظني لها علاقة بمستوى من الأداء العام، ليس هو المستوى الذي عرفناه عن أنفسنا، من قبل، ولا هو المستوى الذي اشتهرنا به بين الأمم في مراحل سابقة من تاريخنا القريب. والذين طالعوا الصحف وهي مُتشحة بالسواد، حزناً على فقدان الضباط والجنود الأبطال، لابد أنهم لاحظوا أن أي جهة في الدولة لم يخرج عنها ما يفيد بأن خطأً من النوع الفلاني قد وقع في أثناء عملية الواحات، وأن هذا الخطأ هو سبب ارتفاع عدد الشهداء، وأن تكراره غير مقبول. لم يحدث شيء من هذا. وهذا يعني أننا يمكن أن نُفاجأ بعد وقت قصير، أو طويل، بعملية مماثلة، لا قدر الله. ولست أستطيع الفصل بين مستوى الأداء العام في عملية الواحات وبينه في شيء مُشابه، بل أكبر، وقع في اليوم ذاته في محافظات الجيزة، وبني سويف وأسيوط، وبينه أيضاً في ملف المدارس اليابانية، ففي الحالات الثلاث قاسم مشترك أعظم من الأداء العام، الذي هو دون المستوى بكثير. هل لاحظ أحد، مثلاً، أن المحافظات الثلاث المُشار إليها شهدت سقوط 49 مواطناً بين قتيل ومصاب، في ثلاث حوادث متفرقة، في نهار واحد، وفي يوم سقوط شهداء الواحات نفسه؟ يعني رقم شهداء ومصابي الواحات مضروباً في اثنين. المشكلة التي تواجه الرئيس أنه نشأ على الضبط والربط والانضباط، حتى صارت كلها جزءاً من تكوينه، ولكنه يكتشف في كثير من المرات، إنْ لم يكن في كل المرات، أن المجتمع فقد هذه الأشياء الثلاثة من سنين، وأنه لا بديل أمامه كمجتمع عن استعادتها بأي ثمن، لأن الأوطان بدونها لا تتقدم، ولا حتى تقوم. وهذا هو العبء الضخم الواقع على كاهل الرئيس، ولا أحد غيره يستطيع أن ينهض به، لأنه الرئيس».
شر البلية ما يضحك
أما عن فضائح الإعلام وما أثارته المذيعة مروج إبراهيم يوم الثلاثاء الماضي على قناة «اكسترا نيوز» عندما طردت المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقي، وهي واقعة قالت عنها أمس في «الأخبار» عبلة الرويني في عمودها «نهار» تحت عنوان «إعلام طرد الضيوف»: «صحيح اعتذرت المذيعة أو أجبرتها إدارة القناة على الاعتذار، بعد أن تم إيقافها عن العمل بسبب تجاوزها وخروجها عن المهنية، وإساءة إدارة الحوار مع ضيفها المفكر وأستاذ التاريخ الدكتور عاصم الدسوقي في مشادة كلامية، لم تلتزم فيها المذيعة بالأسلوب اللائق والاحترام الواجب، وقامت بإنهاء البرنامج بصورة أشبه بطرد الضيف.
وتحولت برامج «التوك شو» إلى سوق لجذب الإعلانات والاستحواذ على المشاهد بكل الطرق والوسائل، حتى لو أدى الأمر «ويجب أن يؤدي الأمر» إلى تبادل الشتائم والسباب ورفع الأحذية أيضا أمام الكاميرات، وكلما ازداد حجم الهبوط والإسفاف والتردي تزايد حجم الإعلانات وارتفعت نسبة المشاهدة، وقبل يومين طالبت لميس الحديدي الرياضيين المصريين الذاهبين لمونديال موسكو 2018 بضرورة الاهتمام بلياقتهم الجسدية والمزيد من التمرينات الرياضية من أجل لفت أنظار وإعجاب المشجعات الروسيات، لتعلق ضيفتها في البرنامج حول أهمية تناول «الفياجرا» قبل الذهاب إلى موسكووسط ضحك المذيعة استحسانا. ما يحدث في الإعلام يوما بعد آخر، يتطلب ضرورة التدخل وضبط وتقويم الإداء الإعلامي، لماذا لا يتم تقييم منتظم لمستوى الأداء المهني للمذيعين وللسلوك الإعلامي ومستوي الثقافة والوعي؟ لماذا لا تتم دورات تدريبية لتحسين الأداء المهني، ورفع مستوى الكفاءة لكل المذيعين مهما وصلت نجوميتهم؟».
الأداء السيئ
لكن استاذ الإعلام في جامعة القاهرة ومستشار جريدة «الوطن» الدكتور محمود خليل أكد في بابه اليومي «وطنطن» في الصفحة الرابعة وتحت عنوان «الإعلام البائس» على أن النظام هو المسؤول عن كارثة الإعلام: «حيرة ممتدة أصابت الكثيرين وهم يتأملون الطريقة التي يدار بها الإعلام في مصر، تستوى في ذلك الصحافة مع القنوات التلفزيونية مع المحطات الإذاعية. فعندما وقعت واقعة الواحات عصر الجمعة الماضي، وبدأت الأنباء تتواتر حول سقوط شهداء من جنود وضباط الشرطة، في معركة مع مجموعة إرهابية، كان الإعلام المصري، بلا استثناء، يعيش حالة من الصمت الرهيب، والمريب أيضاً. تطلب الأمر عدة ساعات حتى خرجت علينا وزارة الداخلية ببيان رسمي لا يحمل أي معلومات، بل كلمات غائمة وكأنها تريد نشر سحابة حول الحدث، وليس كشف الغطاء عما يحدث. الواقع والتجربة تقول إن الإعلام كان لديه معلومات، لكن إرادة النشر أو البث كانت غائبة تماماً. لا يختلف اثنان على أن الإعلام المصري يتحكم فيه مَن يملكه أو يسيطر عليه. ومؤكد أن الحالة التي ظهر عليها خلال أحداث الواحات كانت تعكس إرادة ورغبة المالك أو المسيطر. أستطيع أن أتفهم رؤية البعض في أن الأنسب لمصر حالياً أن تدار وسائل الإعلام بمعادلات «إعلام الحرب»، لكن المشكلة أنك تتصرف في عام 2017 بمنطق وأسلوب عام 1960. في الستينيات كانت السلطة تسيطر على الإعلام سيطرة كاملة، ولم يكن أمام المواطن سوى الوجبة اليومية التي تبثها له وسائله، لم يكن يقرأ إلا صحفه الثلاث اليومية، ولم يكن يسمع سوى إذاعته، ولا يشاهد إلا القناتين التلفزيونيتين المقررتين عليه. اليوم نعيش مشهداً إعلامياً مختلفاً كل الاختلاف. ففي الوقت الذي صمت فيه الإعلام المصري عن ذكر معلومات عن أحداث الواحات كانت الفضائيات التي تبث من كل الدنيا تتابع الحدث لحظة بلحظة وتحكي كل جديد فيه، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي تتكفل بالتقاط الأخبار والتقارير من جميع الاتجاهات وتوفرها للمستخدم الذي لم يسمع أو يشاهد. بدت وسائل الإعلام المصري في منظر شديد السوء، حين اضطر العاملون فيها إلى بث موادهم وبرامجهم المعتادة، والسؤال: هل المالك الموجه لوسائل الإعلام المصري يرى أن المكان الحقيقي للإعلام ونحن نخوض معركة ضد الإرهاب هو «الثلاجة»؟ بعبارة أخرى هل السيطرة على الإعلام هدفها مجرد التجميد؟ وما قيمة أو فائدة السيطرة في هذه الحالة وغيرك يعمل بمنتهى السهولة والسيولة وهو يتابع الأحداث داخل مصر؟ لن ينجح الإعلام في لعب دور في محاربة الإرهاب أو الفساد أو تفعيل أدوار المواطنين في معركة النهضة والتنمية وهو يعيش في هذه «الثلاجة». الأداء سيئ، ولا يوجد عقل مهني يمتلك الرؤية والقدرة على خلق الأدوات القادرة على التأثير في الجمهور. الإعلام المصري يمارس المهنة بمنطق المنشورات السياسية. والمنشورات لا تصنع إعلاماً ناجحاً، أفيقوا يرحمكم الله، رحم الله شهداء الوطن».
لم نستوعب الدرس
«حين وقعت أحداث الأمن المركزي، في فبراير/شباط من عام 1986، كان الدكتور ياسر عبد العزيز الكاتب الآن في «الوطن» ما زال طالباً في المرحلة الثانوية يقول: ورغم أنني في تلك الفترة لم أكن منشغلاً بمتابعة وسائل الإعلام، أو الدراسات الإعلامية، على نحو متخصص أو مكثف، فإن ذلك لم يمنع حصولي على الدرس الأول في هذا المجال. لقد وجدت أن العديدين من أفراد أسرتي الأكبر سناً والأكثر حاجة لمعرفة التطورات الجارية يحاولون بطرق شتى الوصول إلى مصادر معلومات غير وطنية لإدراك ما يحدث، حتى إن بعضهم سعى إلى التزود بالأخبار من راديو «العدو» الإسرائيلي. يفيد الدرس الأول ببساطة أن الأخبار والمعلومات والتحليلات والآراء تكتسب قيمة ومكانة كبيرة في أوقات الغموض والخطر، وعند اتخاذ القرارات، ولهذا السبب فإن «طلباً» قوياً ينشأ عليها، وحينما لا تستطيع الوسائط الوطنية تلبية هذا الطلب على نحو فعال، فإن الجمهور يبحث عن مصادر أخرى للحصول على مبتغاه. ولأن بعض القواعد الاقتصادية صالحة أيضاً للتطبيق على صناعة الإعلام، فإن أي طلب ينشأ على الأخبار والمعلومات، عادة ما يقابله عرض ما، وبفضل زيادة الطلب يكثر عدد العارضين الذين يأتون لكي يملأوا الفراغ، لذلك عاقب المواطنون دولتهم التي عتّمت عليهم وبخلت بالمعلومات الضرورية في أوقات الغموض والخطر، بأن لجأوا إلى مصادر بديلة، وبعضها كما كنا نعرف آنذاك كان معادياً. قبل هذا الحدث بعقدين، كانت مصر على موعد مع درس إعلامي أكثر قسوة، حين اندلعت حرب 1967، وراح الإعلام الوطني يُغرق المواطنين في أخباره الكاذبة، بداعي الحرص على الروح المعنوية وتماسك الجبهة الداخلية في المعركة. لقد أصبحنا ندرك الآن مدى فداحة ما جرى، إذ كانت الأمة تذهب إلى هزيمة مُذلة، بينما هي مُخدرة ومسجونة في التعتيم والإنكار، ما أدى إلى إصابة قطاعات من المواطنين بأزمات صحية ونفسية دفعت بعضهم إلى الانتحار، ليس فقط بفعل الهزيمة الكارثية، ولكن أيضاً تأثراً بحالة الخداع التي أورثتهم إحباطاً وشعوراً بالضعة والضآلة لا مثيل له. كانت الدولة قد سيطرت على مصادر المعلومات، وباتت المصدر الأوحد الذي نوّم الشعب على أنغام الانتصارات وإسقاط الطائرات، قبل أن يفيق هذا الأخير على كارثة الهزيمة المُرة، ويعرف أن كل ما اقتاتت عليه مخيلته السليبة لم يكن سوى أكاذيب. يوم الجمعة الماضي، وقع حادث الواحات الكارثي، وفقد بلدنا أرواح نخبة من أفضل شبابه، من رجال الشرطة الأبرار الذين ارتقوا إلى الشهادة دفاعاً عن الوطن وذوداً عن حياضه، لكن ما جرى بموازاة ذلك على صعيد المواكبة الإعلامية لهذا الحادث لم يكن لائقاً ولا مقبولاً. وببساطة شديدة، فقد كانت هناك حاجة ماسة لدى المواطنين لمعرفة ما يجري، وكانت وسائل الإعلام الوطنية مطالبة بأن توفر للجمهور القدر المقبول والمتاح من المعلومات والآراء والتحليلات التي تشفي غليله، لكن لأسباب شتى، لم يحدث ذلك، وهو الأمر الذي ترك المواطنين نهباً للشائعات أو تفاعلات «السوشيال ميديا» أو الوسائط الوافدة، وبعضها أيضاً يصدر عن «أعداء» أو «خصوم سياسيين». بعد ثلاثة عقود من أحداث الأمن المركزي، وخمسة عقود من هزيمة 1967، ما زلنا لم نتقن الدرس الإعلامي، مع أن دولاً أخرى كثيرة سبقتنا في هذا المضمار، استطاعت أن تطور منظوماتها الاتصالية لتواكب المتغيرات، ولتتفادى مثل هذه الهزائم التي يبدو أننا ندمنها».
حسنين كروم