«عثر محقّقون نمساويون على أكثر من 70 جثة في شاحنة كانت مكدّسة باللاجئين، وجدت متوقّفة في طريق سريع وفقا لما نقتله وكالة «رويترز» عن وزارة الداخلية النمساوية وبحسب ما قاله متحّدث باسم الشرطة في مؤتمر صحافي نقله التلفزيون النمساوي، الخميس، فإنّ الباب الخلفي للشاحنة ـ التي عبرت من المجر- ترك مفتوحا، ما أسفر عن كشف الجثث، وقد مات أصحابها خنقا».
هذه حادثة من بين حوادث أخرى كثيرة نشهدها في هذا العالم المجنون، وكأنّ الجنون ليس أكثر من مجرّد شكل آخر، من أشكال الوجود. بل لعلّها رسالة للغة سوريّة أخرى، تعلو على لغة السيميائيّين واللسانيّين. استفحل هذا الجنون، منذ أن سقطت ورقة توت الحرب الباردة، وانهارت الامبراطوريّة السوفييتيّة؛ وكأنّنا في رواية مثل»رجال تحت الشمس» لغسّان كنفاني (1938 ـ1975)، أو في فيلم من أفلام الاسباني لويس بنويل (1900 ـ 1983) السورياليّة أو ما فوق الواقعيّة؛ بالرغم من أنّنا لا نزال في وضع هو دون الواقعي بكثير. وقد كتب بنويل بعد أن أثار فيلمه المشهور «الكلب الأندلسي» ما أثار من جدل وسجال، أنّه عزم على أن يأخذ بجماليّات الفنّ السوريالي في السينما، باعتبارها «أفضل أداة للإفصاح عن واقع، يتعذّر علينا أن نلمسه حقيقة، في معيشنا». ولكنّ السورياليّة تكاد تحفّنا اليوم في كلّ مسالك الحياة، تأكيدا لمقولة بروتون في أنّ المتخيّل أو الافتراضي؛ ينزع دائما إلى أن يكون واقعا وحقيقة.
يبدو أنّه لم يعد من هدف، لهذه الحروب التي تنشب هنا وهناك؛ في البلاد العربيّة، وهذا التدخّل العسكري وغير العسكري السافر في شؤونها، وتحويل وجهة ثوراتها ـ والثورة السوريّة خير دليل ـ سوى وضع دولها أو بعضها، على سرير «بروكرست»، وتقطيعها أو اختزالها أو تمطيطها. وبروكرست ـ وأسطورته أشهر من أن أذكّر بها ـ قاطع طريق في الميثيولوجيا اليونانيّة؛ يسكن الجبل، ويستضيف المسافرين العابرين. ثمّ يدعوهم إلى النوم في سريره الحديدي، ويشدّ وثاقهم. فإذا كانت قامة المسافر أطول، قطع الزائد حتى يساويَ جسد الضيف بالسرير. أمّا إذا كانت قامته أقصر، شدّه بروكرست، وهو يجذبه ويمطّطه؛ حتى تتخلّع أطرافه، ويموت.
الفرق الوحيد بين بروكرست اليوناني وبروكرست «الأمريكي ـ الإسرائيلي» أو «الروسي ـ الإسرائيلي»، أو « الأمريكي ـ الروسي»، أنّ ضحايا الأوّل أفراد قادهم حظّهم العاثر، إلى المرور بالجبل، فكان السفر، في مغزى من مغازي هذه الأسطورة، هو الموت؛ حيث لا يجد المرء عوضا عمّن يفارقه، سوى بروكرست. مع أنّ السفر كالحبّ، هو الحياة ألف مرّة ومرّة، ولابدّ من هذه (الألف +1)، قياسا بألف ليلة وليلة التي يهبنا عنوانها شيئا مطلقا، لا نهائيّا؛ تُضاف إليه ليلة زائدة، كأنْ تقول بلسان «هاين» لامرأة تحبّها: «أحبّك إلى الأبد، وما بعد الأبد». كذلك هو السفر، فمثلما نضاعف في الحبّ وجودنا، بوجودٍ ثانٍ؛ نرى أنفسنا في السفر وقد تضاعفت، واغتنتْ بالبشر الذين نلتقي بهم؛ فضلا عن مفاتن الجغرافيا ومفاجآتها، إذ ننتقل دون ترتيب؛ من الليل إلى النهار، ومن البرتقال إلى الخردل، ومن الموز إلى القهوة… فعلى هذه الأرض: بلاد الهلال الخصيب، ما يســتــحقّ الحياة حقّا، يا محمود درويش، ويغري بالسفر.
وأعود إلى بروكرست، حتى لا يحجزني الاستطراد عنه، فضحايا بروكرست الثاني أفراد ودول وشعوب، وأراضٍ تجري من تحت بعضها أنهار من الغاز والنفط «الذهب الأبيض» لا «الأسود». أمّا بروكرست الإسرائيلي وهو متخصّص في تمزيق اللحم الفلسطيني وتقطيعه، فما انفكّ منذ احتلال فلسطين، يعزّز سياسة الأمر الواقع، واعتبار المناطق المحتلّة جزءا من اسرائيل؛ وما بناء المستوطنات وتوسيعها ـ وهي مدن وليست ثكنات ـ إلاّ لجعل أيّ تفكير في الانسحاب، تفكيرا مستحيلا؛ بالرغم من أنّ السلطة الفلسطينيّة أوفت بالتعهّدات المنصوص عليها في اتّفاق أوسلو، ثمّ في «إعلان المبادئ» الذي تمّ التوقيع عليه في واشنطن عام 1993. ولكنّ إسرائيل احتفظت لنفسها بكلّ شؤون المستوطنات والمسائل الأمنيّة في المناطق التي تحيط بها، لا فرق عندها بين منطقة» أ» أو «ب» أو «ج» أو أيّ حرف شئت، وأرجأت مشكلة القدس وقضيّة اللاجئين إلى مفاوضات الحلّ النهائي. ويبدو أنّ هذا الحلّ الموسوم بـ»النهائي» سيظلّ مرجأ باستمرار، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وأمّا بروكرست الأمريكي، فكان يمكن أن يكون أرأف بنا وأرحم، لو أنّ غيرته على النفط ، أو على «ثورات الربيع العربي»، كانت على إعلان الاستقلال الذي صاغه توماس جيفرسون عام 1776؛ وهو بشهادة المؤرّخين، من أهمّ الوثائق التاريخيّة حتى الآن. وممّا جاء فيه «إنّنا نؤمن بأنّ هذه الحقائق واضحة بذاتها؛ وهي أنّ الناس جميعا قد خلقوا سواسيّة، وأنّ خالقهم قد حباهم بحقوق معيّنة هي جزء لا يتجزّأ من طبائعهم، منها «حقّ الحياة» و»حقّ الحرّيّة» و»البحث عن السعادة»، وأنّه لكي يظفر الناس بهذه الحقوق؛ أقيمت فيهم الحكومات، تستمدّ سلطاتها العادلة كائنة ما كانت صورتها، إذا ما انقلبت هادمة لتلك الغايات؛ فمن «حقّ» الشعب أن يغيّرها أو يزيلها، وأن يقيم حكومة جديدة تضع أسسها على مبادئ، وتنظّم سلطاتها على صورة، بحيث تبدو للناس تلك المبادئ، وهذه الصورة، أنّهما ـ على الاحتمال الأرجح ـ مؤدّيتان إلى أمنهم وسعادتهم». فأين هذه الحقوق (الحرّيّة والحياة والسعادة) وحقّ الشعوب في تغيير حكوماتها وأنظمتها، ممّا يجري في فلسطين أو سوريا حيث تساوي أمريكا بين الجلاّد والشعب الضحيّة. وأمّا بروكرست الروسي، فأمره أعجب مع هذا التدخّل العسكري في سوريا، وكان يُفترض في «وريث الاتحاد السوفييتي»، أن يعيد الاعتبار إلى مسألة «الأخلاق والسياسة»، وأن يكون نصيرا للشعوب لا للأنظمة الغاشمة؛ أي أن يدفع المجتمع الدولي، إلى أن يجعل من المفاهيم الأخلاقيّة والمثل العليا مثل السلام والعدل والأمن، قوانين تحكم العلاقات بين دول العالم. صحيح أنّ السؤال: هل يمكن أن تتحوّل الأخلاق إلى سياسة، والواجب إلى حقّ في العلاقات الدوليّة، هو كما يبيّن إمام عبد الفتّاح إمام في مصنّفه «الأخلاق والسياسة: دراسة في فلسفة الحكم»، يظلّ قائما، في خضمّ هذه التحوّلات التاريخيّة، حيث لا يفعل المجتمع الدولي ما يُفترض في الدولة الواحدة أن تفعله، أي تلك التي تحكمها قوانين تُلزم المواطنين جميعا، وينال من ينتهكها العقاب العادل الذي يحدّده هذا القانون نفسه.
إنّ هذا التدخّل السافر في شؤون الدول والشعوب، يعيدنا إلى جدل لم ينقطع، بين فريقين: أحدها يساوره شكّ كبير، في إمكان أن يكون المجتمع الدولي، على النحو الذي ذكرنا؛ فهو لا يشتمل على سلطة سياسيّة ذات سيادة تعلو على سياسة الدول، والقوانين الدوليّة، كما يقول هؤلاء؛ ليست قانونيّة بالمعنى الدقيق للكلمة، وإنّما هي مجموعة من القواعد تغلب عليها صبغة أخلاقيّة؛ حتى وإن كانت أخلاقا دوليّة. وأمّا الفريق الآخر، فيعارض هذا الرأي، ويزعم أنّه يخالف الحقائق التاريخيّة «الثابتة» والواقع «الحقيقي» في الحياة الدوليّة؛ فالقانون الملزم سابق على نشأة الدولة، لأنّه من صنع الجماعة أيّا كانت. وعلى أُسٍّ من هذا يتسنّى تحويل المفاهيم التي هي أخلاقيّة في أصولها، إلى قوانين تلزم المجموعة الدوليّة كلّها. ويسوق هذا الفريق حججا كثيرة، لا يتّسع المجال لذكرها، ولكنّها «هشّة» جدّا بعبارة إمام عبد الفتّاح، إذ لابدّ لتطبيق القانون بعدالة وإنصاف، في الحاليْن الماثلين أمامنا اليوم: نضال الشعب الفلسطيني، والشعب السوري؛ من شرطين أساسيّين: أوّلهما الشمول أي أن يكون التطبيق عامّا شاملا، وثانيهما العقاب الرادع لكلّ من ينتهكه. والعقاب هو «ماهية الحقّ» كما يقول هيجل، وبه يستردّ الحقّ اعتباره، وتكون للقانون هيبته. ومن الواضح اليوم أنّ الشرط الأوّل، في المثال الفلسطيني السوري، لا يزال يقوم على مبدأ القاعدة والاستثناء. بل هل تقبل الدول دائمة العضويّة في مجلس اليوم ـ وهذا سؤال ساذَج ـ بتطبيق القوانين الدوليّة عليها، وتوقيع الجزاء، إذا ما انتهكت هذه القوانين، دون أن تستخدم حقّ النقض؟
أيمكن أن يكون شعار هذه الدول الحقيقي، ولكن غير المعلن هو تلك العبارة التي قالها ونستون تشرشل في نخوة:»لقد ارتكبت من الجرائم لصالح بريطانيا، ما لو ارتكبته بداخلها؛ لقضّيت حياتي كلّها في السجن».
على أنّه لا يفوتني أنّ أذكّر في خاتمة هذا المقال، بأنّ بروكرست اليوناني قُتِل بالطريقة نفسها التي كان يقتل بها ضيوفه من المسافرين؛ فقد شدّه البطل تسيوس، على السرير الحديدي نفسه، حتى تخلّعت أطرافه. إنّ فعل الجريمة هو الذي ينتقم لنفسه. ولكن لا بأس أخي القارئ أن تتفقّد سريرك كلّ ليلة، وأن تتثبّت من قامتك.. أهي أطول أم أقصر؟ من يدري!
كاتب تونسي
منصف الوهايبي