منهل باريش: تغيرت خرائط السيطرة العسكرية في سوريا بشكل كبير خلال العام المنصرم، ومن المدهش وخلافا لطبيعة الصراعات عبر التاريخ أن الهزيمة العسكرية هي التي تفرض تغييرا سياسيا، حصل في الحالة السورية أن تغييرا سياسيا أفضى إلى هزيمة عسكرية، مع عدم التقليل من وقع خسارة مدينة بحجم حلب على الحاضنة الشعبية للثورة والفصائل العسكرية والمعارضة. ويعتبر مسار أستانة المحطة الفارقة في مصير الثورة السورية، فهو بدأ غامضا منذ توقيع اتفاقية أنقرة حيث ظهر خلاف بين الوثيقتين التي وقع عليهما كل من الفصائل العسكرية والنظام السوري. وتحولت روسيا العدوة إلى ضامنة للنظام، واستمر قصفها الجوي لمختلف المناطق، وفرضت دخول إيران كضامن ثالث في مسار أستانة. ولم يقتصر الدور الروسي على القصف، بل رعت عمليات التهجير القسري من منطقة وادي بردى والوعر وبرزة والقابون وبيت جن في الغوطة الغربية أخيرا.
وشكلت الجولة الثامنة من مسار أستانة فضيحة جديدة في سلسلة الانحدار مع استبدال رئيس وفد الفصائل العسكرية العميد أحمد بري بشخصية سياسية لقيادة وفد الفصائل، حيث عين الدكتور أحمد الطعمة رئيس الحكومة السورية المؤقتة السابق، وفرض ملف المعتقلين في أستانة في محاولة اخراجه من مسار جنيف.
ويصب مؤتمر الرياض 2 في حالة التردي التي فرضها الأصدقاء والأشقاء على المعارضة السورية، سياسيا وعسكريا. فاذا كانت أستانة فرضت أن يصبح العدوان الروسي والإيراني ضامنين، فإن مؤتمر الرياض جعل من أعداء الثورة شركاء في وفد من المفترض أنه يمثل «الثورة والمعارضة». وأنتج الاجتماع وفدا هجينا، يغلب على أشخاصه طابع الوسطية وعدم الجذرية من مسألة رحيل بشار الأسد، ويذكّر بمعارضة «الجبهة الوطنية التقدمية» لحزب البعث في سوريا.
عسكريا، استعاد النظام السوري وحلفاؤه من الميليشيات الإيرانية أغلب المساحة التي خسرها في دير الزور والرقة وحمص والسويداء منذ سيطرته على الأجزاء الشرقية لمدينة حلب نهاية العام 2016. ويعزى هذا النجاح الكبير للنظام إلى اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعته الفصائل في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2016، الملزم بوقف إطلاق النار من جهة واحدة بسبب ضغط الضامن التركي عليها، فيما أطلقت يد النظام وميليشياته لتجبر المعارضة على الاستسلام في عدة مناطق محاصرة. كذلك سحب النظام المقاتلين العراقيين من جبهات حلب ودفع بأكثر من 30 ألف مقاتل من الميليشيات في معركة القلمون الشرقي والبادية السورية، واستعاد السيطرة على مدينة تدمر بعد أيام من اتفاق وقف إطلاق النار. وبهذا ضمن موارد جديدة بعد سيطرته على الحقول النفطية في منطقة جبل شاعر، وأمّن القرى الشرقية في ريف حمص الشرقي واستعاد حقل جحار للغاز شمال غرب تدمر.
أخيراً، نجح النظام في طرد فصائل الجيش الحر من البادية السورية بعد أن تمكن من هزيمة تنظيم «الدولة» وحاصرها في منطقة التنف أو منطقة الـ55 كم التي تقع تحت حماية التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن.
وتقدم النظام في ريف حلب الشرقي بعد أن أجبرت فصائل درع الفرات على الالتزام بالتوافق التركي ـ الروسي الذي ينهي أي عمليات عسكرية جنوب المدينة أو شرقها. ومن هناك انطلق ليطرد تنظيم «الدولة» من كامل محافظة حلب ويصل إلى محافظة الرقة ويلتزم بالتقسيم الروسي ـ الأمريكي لمناطق النفوذ، حيث تقدمت «قوات النمر» التي يقودها العقيد سهيل الحسن، وعشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة العراقيين والأفغان، على الضفة اليمنى لنهر الفرات، في منطقة «الشامية». ورغم تكبده مئات القتلى من قواته في معدان شرق محافظة الرقة، الا أن النظام لم يتوان عن خوض معركة الصحراء والتقدم على طريق تدمر ـ السخنة ـ دير الزور في هجوم بري سريع وكبير ظهرت فيه قاذفات روسية تطير على ارتفاع أقل من 500 متر في استعراض قوة. ذلك منح شجاعة للمقاتلين الذين بدأ النظام يفقدهم في هجمات مباغتة بسبب انتشارهم الطويل في الطريق الصحراوي، وآخرين قام مقاتلو تنظيم «الدولة» بإعدامهم ميدانيا بعد أن ضلوا طريقهم في الصحراء ووصلوا إلى جيوب كان يكمن فيها مقاتلو التنظيم.
وكسرت قوات النظام وحلفاؤها الحصار عن مطار دير الزور العسكري وعن المدينة بعد حصار استمر قرابة خمس سنوات، بعد قطع الجيش الحر طريق دير الزور-حمص بشكل نهائي، ومن ثم استفرد تنظيم «الدولة» بحصار المدينة ومطارها العسكري بعد أن قام باستئصال كافة الفصائل، هناك قبل أن يعلن خلافته وعاصمتها الرقة.
وتوالى سقوط مدن التنظيم واحدة بعد أخرى شرق دير الزور بسبب الهجوم المزدوج عليه من قبل الروس وحلفائهم من جهة، والأمريكان وحلفائهم من جهة أخرى، بعد تحديد مناطق النفوذ بينهما.
مع «وقف إطلاق النار» في اتفاق أنقرة، ومناطق «خفض التصعيد» في أستانة وفرض المسار الروسي للحل السياسي في سوريا، أبلغت الاستخبارات المركزية الأمريكية الفصائل العسكرية إنهاء برنامجها لدعم المعارضة السورية، وقامت بوقف الدعم بالسلاح والعتاد والذخيرة، وأبقت على الدعم المالي المخصص للرواتب، فيما أوقفت الدعم المالي المخصص للإنفاق الحربي بسبب التزام الفصائل بوقف إطلاق النار وخوفا من تكديس الذخيرة لديها ومخاطر سيطرة «جبهة النصرة» على المخزون. وبدأت الاستخبارات الأمريكية بدراسة مستقبل الفصائل وشكل دعمها وامكانية تحويلها إلى شرطة وطنية. ولم تُبلغ الفصائل عن آلية الدعم الجديد بانتظار نهاية البرنامج، الذي يرجح أن ينتهي أواخر كانون الثاني (يناير) المقبل، مع احتمال تمديده خمسة شهور أخرى.
ويستمر النظام السوري بالتقدم في ريفي إدلب وحماة الشرقيين، تنفيذا لمناطق «خفض التصعيد» التي اتفقت عليها الدول الثلاث. وقام بالسماح لمقاتلي تنظيم «الدولة» بالخروج من ريف السلمية الشرقي إلى محيط منطقة الرهجان، كما قام بإجلاء أعداد كبيرة من جنوب البوكمال ونقلهم مع أسلحتهم الفردية وعائلاتهم إلى منطقة سروج غرب طريق السعن ـ السملية جنوب الرهجان، حيث تمركز رفاقهم الذين خرجوا من ريف سلمية الشرقي. وسيمنح تواجد عناصر «الدولة» في ريف حماة الشرقي ذريعة كبيرة للروس باستمرار المعارك في حماة وإدلب بحجة محاربة الإرهاب. الانتكاسات السياسية والعسكرية التي منيت بها المعارضة السورية منذ اتفاق أستانة إلى اليوم نتج عنه وفد مشوه يمثل المعارضة السورية، وبالتأكيد فان سلسلة التنازلات والخسائر التي أجبرت عليها المعارضة يوما، تشير إلى ما هو اسوأ منها في الغد. ومن السذاجة الفصل بين وفد الرياض وملتزمي أستانة ومؤتمر سوتشي المقبل، وكذلك من المضحك رؤية من قبل بأستانة وشراكة منصة موسكو بالأمس، يرفض مؤتمر سوتشي الآن.
كل هذا يرتب على أبناء الثورة ونشطائها واجب البحث عن مخرج بعيد عن التجاذبات والتقاطعات والمصالح الإقليمية، ويتخلص من زيف التمثيل والشرعية التي أصبحت مرهونة بحصص الأجهزة والقوى الإقليمية داخل جسم المعارضة الرسمية.