مَثَلُ الرئيس نبيه برّي والسيّد حسن نصر الله بالنسبة إلى الصعود الإجتماعي والسياسيّ لشيعة لبنان كمثل «سيدان من فيرونا» في المسرحية الملهاتية المبكرة لوليم شكسبير.
في أعقاب أول انتخابات تشريعية بعد الحرب ـ عام 1992 -، تبوأ رئيس حركة أمل نبيه بري رئاسة البرلمان، ولا يزال عليها منذ ربع قرن، وتتسابق القوى السياسية كافة اليوم للتأكيد على أنّه محتفظ بها بعد الإنتخابات التشريعية المقبلة.
في وقت سابق من العام نفسه – 1992، اغتالت مروحيات اسرائيلية أمين عام «حزب الله» السيّد عباس الموسوي، باستهداف موكبه، فخلفه شابٌ في الثانية والثلاثين من العمر، هو السيد حسن نصر الله. وكان نصر الله انضم إلى الحزب في بدايات تأسيسه، آتياً من «حركة أمل» مثل سواه من المتحمسين لثورة الخمينيّ داخل الحركة، الذين لم يستطيعوا تقبّل مشاركة نبيه برّي في صيف الاجتياح الاسرائيلي للبنان في «هيئة الانقاذ الوطني» التي شكّلها الرئيس الياس سركيس وضمّت في عضويتها الشيخ بشير الجميّل.
مع فارق العمر بينهما – 22 عاماً ـ تخرّج برّي ونصر الله من الـ»فيرونا» نفسها، «حركة أمل». سوى أنّ الأوّل، برّي ـ وهو قرين فالانتين في مسرحية شكسبير، وقع باكراً في حبّ «الدولة»، على طريقته، بحيث يتبوأ أعلى المناصب الموكلة للشيعة فيها، ويحفر إسمه في ذاكرة الجماعة كبطل إدخالها، بكثافة إلى مؤسسات الدولة وأجهزتها ومرافقها وصناديقها، وبسعي، منهجي حيناً، ومرتجل حيناً آخر، للمواءمة بين مسارات «لبننة الشيعة» وبين مسارات «تشييع لبنان»: هو نفسه نبيه برّي الذي خاض جولة حربية مع وليد جنبلاط في منتصف الثمانينيات دفاعاً عن العلم اللبنانيّ، والذي أعلى شتلة التبغ، رمز مزارعي الجنوب، فوق الأرزة مرتبة، في تصريح له منتصف التسعينيات. عشق برّي الدولة كما عشق فالانتين سيلفيا كريمة دوق ميلانو!
أمّا السيد حسن فهو نظير بروتيوس في عمل شكسبير. لم تكن طريق سيلفيا، طريق «الإنخراط» في الدولة، دولة القطاع العام المنتفخ جداً بالنسبة إلى نظام يباهي بقدسية الملكية الخاصة والمبادرة الفردية والسرّ المصرفيّ، هي طريقه. وطوال مدّة الوصاية السوريّة كان حزبه يفهم جيّداً أنّ عليه الاكتفاء بكتلة في البرلمان، دون مشاركة في الحكومة، بل دون حصّة أساسية في التوظيفات الإدارية، وحظي حزبه بالمقابل باستثنائه من موجبات حلّ الميليشيات. في مطلع عهد إميل لحّود نظّر نصر الله لمفهوم «المواكبة»، مواكبة الحزب للحكومة والدولة، لا الإنخراط فيها. حب «الإنخراط» ومنافسة الغير على المراكز والحصص والمنافع في الدولة فيه شيء من حبّ فالانتين لبنت الدوق، وحب «المواكبة» دون الإنخراط، فيه شيء من حبّ بروتيوس لجوليا.
تكفّل أفول الوصاية بتعديل المشهد. في مسرحية شكسبير، يلتحق بروتيوس بصديقه الفيروني فالانتين في ميلانو، ليس قبل وداع مؤلم مع حبيبته جوليا. لكن بروتيوس ما أن يصل إلى ميلانو حتى ينسى أمر جوليا هذه، ويهيم هو الآخر حبّاً بسيلفيا.
وهكذا «حزب الله» بعد رحيل الجيش السوري، ينخرط في الحكومات، ينادي على أنصاره للدخول في الإدارات، يفاصل على الرّخصة التي ستعطى لأعماله الحربية في البيان الوزاري، وتصير علاقته بنبيه برّي وحركة أمل قائمة بوضوح على تصدّره هو للواقع الشيعي العام، دون أن يتمكّن في الوقت نفسه من تجاوز حدّ الثنائية إلى الأحاديّة.
«حب الإنخراط في الدولة» هذا ـ عشق سيلفيا، لم يدفع بالحزب، مع ذلك، للتمثّل بتجربة برّي، والسعي مثلاً، إلى «قوننة» الرأس والجسم. بالعكس. في فترة الوصاية، فترة «مواكبة» الحزب للدولة وعدم الإنخراط فيها، حدث أن زار كوفي عنان السيد حسن، وأن حضر السيد حسن في الصف الأمامي لإفتتاح القمة الفرنكوفونية.
حب الإنخراط في الدولة / سيلفيا، صنع من نبيه برّي «رجل دولة» على الطريقة اللبنانية، وشيخاً للبرلمانيين العرب، لكنّه أبعد السيد حسن والحزب عن كلّ «قوننة» بالنتيجة. بروتيوس أيضاً، عندما نسي جوليا، وهام بحبيبة صديقه، سيلفيا بنت الدوق، حوّله عشقه المستحيل إلى زعيم قطاع الطرق والعصابات الخارجة عن القانون في الغابات المحيطة بميلانو. طبعاً، الفارق اللبنانيّ، أنّ الغابة المسلّحة هذه سيطرت على ميلانو / بيروت، نفسها!
أدبياً، ثمّة مناخ نقدي غالب يميل إلى اعتبار «سيدان من فيرونا» أضعف مسرحيات شكسبير من حيث الحبكة. خصوصاً في نهاياتها حين يحاول بروتيوس الإيقاع بسيلفيا في الغابة، وأخذها عنوة، ويتدخل فالانتين لإنقاذها في الوقت المناسب، فالانتين التي سبق لبروتيوس نفسه أن أشاع لسليفيا خبراً بوفاته. فأغرب ما في المسرحية، وأضعف ما عند شكسبير، هو أنّ فالانتين بعد انقاذه لسيلفيا يعود ليتصالح مع صديقه القديم، ويغالي في الصداقة فيهديه سيلفيا عربوناً لتجديدها!
لكن ما أعتبره النقاد الأدبيّون ضعفاً في الحبكة، ودليلاً على يفاعة الكاتب، سيعدّه «الإنثروبولوجي الدينيّ» رينيه جيرار نصّاً مفتاحياً لدراسة «رغبة المحاكاة» حيث تصنع الرغبة بالتمثّل بالآخر التضاد، وحيث يعود التضاد فينقل التماثل إلى مرتبة جديدة. وهكذا، عندما يهدي فالانتين سيلفيا لصديقه، يغمى على الصبي التابع لبروتيوس، لينكشف أمر هذا الصبي ويتبين أنّه ليس سوى حبيبته السابقة جوليا. على وقع صدمة انكشافها، تنزاح مشاعر بروتيوس مجدّداً، فينسى غرامه لسيلفيا، بعد أن أهداها صديقه له، ويرجع إلى حبيبته الأولى.
نزعة المحاكاة وما تفرزه من تضاد وتمثّل في الوقت نفسه تتخذ مساراً أكثر تركيباً عند شيعة لبنان. مضت أكثر من احد عشر عاماً على دخول «حزب الله» إلى الحكومات والإدارات، ووقوعه في «حبّ الدولة» على طريقته، المحاكية جزئياً لطريقة حركة أمل، والمختلفة عنها جوهرياً في آن. لم يعرف أخصام الحزب في باقي الطوائف ما هو الأفضل لهم حقيقة، أن يبقى الحزب خارج الدولة، أو أن يزداد انخراطاً فيها. أن تبقى ميليشياته صاحبة قرار الحرب والسلم، أو أن «تندمج» ميليشياته بالقوى المسلّحة الشرعية فتغرقها بلونها هي. أن يستنزف الحزب لسنوات طويلة في قتال مرير بسوريا، أو أن يكون عليه تصريف كلّ الطاقة الزائدة في الداخل اللبناني. أحبت سيلفيا فالانتين ولم تحب بروتيوس. تقبّلت «الدولة»، حبّ نبيه برّي لها، ولم تتقبّل حبّ السيّد حسن.
«أنت، صحيح، بنيت أكبر قوّة عسكرية للطائفة، وراكمت ترسانة صاروخية ضخمة وطائرات من دون طيّار، وخضت حروباً ومغامرات مشوقة في بلدان عديدة، وأنت الآن صاحب الحلّ والعقد، تأتي بحكومة وتذهب بحكومة، يخطب الآخرون ودّك أو يهابوك ويخشون، لكنك لم توفّق في «قانون حفظ الطاقة»، لم توفّق في ترجمة هذه الغلبة لرفع موقع الشيعة داخل المعادلة الدولتية اللبنانية. بالعكس، بما أنك اعتبرت أنّه بامكانك التكارم على المسيحيين بما يطالبون به، فاذ بها تعود «المارونية السياسية» بنهم شديد، ولو كانت متحالفة معك، فماذا لو تبدّلت السياقات؟»
أو بطريقة أخرى، ما يقوله فالانتين لبرتيوس لبنانياً، أنّك صاحب تجارة مربحة جداً، لكنك لا تدخّر منها سوى القليل، وأنّ التغلّب المذهبي عندما لا يمأسس له يذهب كالأموال السائبة، ولا يعرف العبد ما قد ينتظره في هذه الدنيا. الفارق مع مسرحية شكسبير هو في تصعيد الحبكة: لا فالانتين هنا مستعدّ لإهدائه سيلفيا، ولا برتيوس هنا قادر أن يختار بشكل حاسم، فهو كالعالق بين جوليا وبين سيلفيا.. «حزب الله».
٭ كاتب لبناني
وسام سعادة