صرخة متلفزة لسيدة محجبة من قلب الضاحية الجنوبية يتوقع أن تهز عرش «حزب الله»، فهي شهادة، وإن لم تكن الأولى من خلف أسوار الضاحية، فقد تكون من الأكثر تأثيراً. السيدة تنتمي إلى الطائفة الشيعية، ولعلها بصرختها تعبر عن وجع الكثيرين من أبناء الطائفة الذين ضاقوا ذرعاً بطغيان الحزب واختطافه للطائفة.
السيدة آمال شمص ظهرت على تلفزيون «المستقبل» أول أمس، روت كيف خطفها الحزب بعد أن كانت تصور بكاميرتها حريقاً اندلع في المنطقة. قالت إنهم وضعوا مسدساً في رأسها، ورأس شقيقتها، وساقوها إلى زنازين تشبه، بحسبها، تلك التي رأيناها للإسرائيليين، بأبواب سوداء مرقمة.
السيدة، ولنسمها منذ الآن سيدة الضاحية، صرخت بملء وجعها : «ألستم تدّعون الإسلام والإيمان، وأنكم تدافعون، كما تقولون، في سوريا عن العرض والأرض، ونحن؟ ألسنا عرضاً». ثم تحولت لتطالب حسن نصرالله بالعدل في قضية أخيها الذي قضى منذ عشر سنوات دهساً على يد سائق من «حزب الله»، واتهمت الحزب بالتدخل منعاً للمحاكمة، ما أدى إلى تنحي أربعة قضاة حتى الآن. سيدة الضاحية قالت إنهم «يتدخلون كي لا يصدر حكم رادع بحق إنسان فاسد يستهتر بأرواح الناس».
وتساءلت سيدة الضاحية «أكيد هذه الزنازين كان فيهم حدا قبلنا، ما حدا بيسترجي يحكي لأنه راح يتدعوس كما قلتم لنا». كما أكدت «نحن نريد دولة، مؤسسات قوية. أكيد ستتهمونا بالعمالة، وبأننا شيعة السفارة، أقول لك يا سيد حسن، إنني أخفف من قول ما لدي كي لا تقولوا إن «المستقبل» يفبرك. خلّ إعلامك يبث الحقيقة، أنتم مش مستعدين تقولوا شو عم يصير بالضاحية، فيما الفساد يكبر حتى وصل لبنات محجبات ليس معهن سلاح ولا متفجرات».
فيديو السيدة شمص المؤثر حاز عشرات الآلاف من المشاهدات خلال ساعات فقط من بثه على يوتيوب، ومن المتوقع أن يحقق مشاهدات عالية، في ظل ترقب لمصير سيدة الضاحية التي قالت بجرأة، ومن قلب مربع «حزب الله» الأمني، ما يعجز عن قوله كثيرون.
سيدة الضاحية قالت في أربع دقائق فقط ما يمكنه أن يملأ صدور الملايين بالأمل. لا يمكن للظلم أن يستمر إلى ما لا نهاية. أروع ما في الفيديو أنه مواجهة صريحة بين امرأة عزلاء وجبروت حزب مدجج بكل هذا الظلم.
جنة العماء المصرية
ها قد عدنا إلى جنة العماء المصرية، العماء الذي يريد أن يذكّر الناس بمكرمة بقائهم على قيد الحياة، ويطمح إلى مقايضتهم تلك «الجنة» بالحرية. هكذا تطل المذيعة، الممثلة سابقاً، هالة فاخر، على قناة «صدى البلد» المصرية في برنامجها «هات م الآخر»، لتشكر الرئيس السيسي على نعمة الأمان.
المذيعة التي ارتدت حوالى عشرين لوناً، كان سيدها الأصفر، راحت تمجّد اللون الوحيد للعسكر، والأمان الذي منحه لمصر. قالت «الأمان اللي عامله رجل عظيم، لابس مموه، وماسك سلاح، وواقف لأي حد عايز الشر لمصر».
فاخر عرضت فيديو لمذيع عراقي، في محاولة للتأكيد أن السيسي ليس ضرورة مصرية وحسب، بل وكذلك ضرورة عراقية. المذيع العراقي عرض بدوره صوراً لمجزرة، وطالب بحكومة طوارئ، وبمحاكمات عسكرية، وختم باختصار «محتاجين سيسي»، وهو يقصد بالطبع، بما يعنيه السيسي من حكم طوارئ ومحاكمات عسكرية وتعسفية.
المذيع استخدم اسم السيسي كنوع من المجاز، كرمز للقوة والحزم، ولكن الخبر المرفق للفيديو قدم الأمر وكأنه مطالبة من المذيع العراقي للسيسي للتدخل في العراق.
ختام الفيديو كان مع تعليق لهالة فاخر تقول فيه «الحمدلله على نعمة أننا مصريون». تعليق أعمى طبعاً، يشبه كلام السوريين «أنا سوري آه يا نيالي»، بل يشبه لسان حال معظم الأمم والقوميات المتبجحة، ليس تعليقاً عنصرياً فحسب، بل لا يريد أن يرى تلك الكوارث التي تتنعم بها هوياتنا مقابل الأمان.
من الواضح أن المذيعين فقط مغرمون بجلاديهم، أما الشعوب فقد قالت كلاماً آخر.
ليس بالصراخ تصبحين نجمة!
لا يجد المرء غرابة في أن يكون لأحلام، المغنية الإماراتية، برنامج تلفزيوني حواري، فالسوق بات مفتوحاً للجميع كي يتحولوا إلى حكواتيين تلفزيونيين، الممثلون والكتاب والصحافيون، ومن البديهي أن تنضم مغنية كأحلام إلى الموجة.
لكن يصبح الأمر نوعاً من المزاح الثقيل القول «إن أحلام تحضر فكرة برنامج اجتماعي أسبوعي أسوة ببرنامج الإعلامية العالمية أوبرا وينفري». أو أن «أحلام تنافس أوبرا في برنامج تلفزيوني».
أوبرا في برنامجها الجميل لم تكن مجرد مذيعة، تحاور ضيوفاً مبدعين أو مؤثرين وحسب، كانت هي نفسها حدثاً يستحق المتابعة، اختيارها لضيوفها، إدارتها للحوار، اختيارها للفريق الكبير الذي عمل معها، وغالباَ ما كان عناصر فريقها يتخرجون من برنامج أوبرا إلى برامج أخرى تخصهم وحدهم.
هذا عدا عن أن المرء يصعب أن يفصل نفسه عن سيرة حياة أوبرا المدهشة، ابنة الحلاق الفقير، التي نشأت في ظل فقر مدقع، لتصبح واحدة من أوائل الطلاب الأمريكيين من أصل أفريقي، ولتكون مراسلة لقناة إذاعية في عمر التاسعة عشرة، وتحظى بأدوار سينمائية مع مخرجين بارزين، ولتصبح تالياً من أغنى نساء الولايات المتحدة، ولها مشاريعها الخيرية والاجتماعية هنا وهناك.
ماذا لدى أحلام سوى الصراخ في أروقة استديوهات «آراب آيدول»: «أريد كنتاكي»!
قائمة التطبيع
بدأت مهرجانات الصيف في لبنان، ومعها بدأ التحضير لقائمة الإتهامات الجاهزة، فهذا المغني سبق له أن زار إسرائيل، وذاك ارتدى القبعة اليهودية، وسواه خدم في الجيش الإسرائيلي، أو أنه كان راغباً بذلك ولم يواتيه الحظ، وهكذا، لنصل في النهاية إلى نتيجة مفادها؛ كل فعالية ثقافية وفنية لا تنظمها الممانعة هي محل شبهة ومتهمة بالعمالة وبالتطبيع. فما بالك إذا كانت هذه الفعاليات منظمة من قبل الخصوم السياسيين أنفسهم!
بعد ذلك لن يهتم أحد، فبعد أن ينفض النجوم عن المهرجان ويستنكفوا هم أنفسهم عن قبول الدعوة، لن يهتم أحد فيما إن كانت تلك الاتهامات حقيقية أم لا، مع أن من السهل إثبات أن العالم كله متواطئ مع إسرائيل، فما أسهل أن نجد عند الأوروبيين مصافحة ما لإسرائيلي، أو صورة، أو كلام ملتبس.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى