سيد الكل/سيد المعلمين: منصب جديد في الدولة اللبنانية

حجم الخط
1

مفارقات الإستحقاق الرئاسي اللبناني تتمادى كلما تمادى الشغور. الآن: الفريقان الأساسيان في 14 آذار يتوتران ضد بعضهما البعض تبعاً لترشيح كل منهما لقطب استرئاسي في 8 آذار بوجه الآخر. يشكر كل من هذين القطبين الفريق الـ 14 آذاري المسوّق له، لكن البيان في الحالتين واضح: الوفاء لـ»حزب الله»، مع تجيير المبايعتين الرئاسيتين، «المستقبلية» لسليمان فرنجية و»القواتية» لميشال عون، لـ»سيد الكل»، كما وصفه فرنجية، أو «سيد المعلمين» للدقة أكثر، إذا ما استعنا بمحفظة السينما المصرية.
حسن نصر الله بقي مع ذلك الأقرب إلى السياسة في كل هذا الاحتدام. قال ما معناه ان فرنجية أقرب إلى الحزب وخط الممانعة من عون، مصادقاً بذلك تمييز الدكتور سمير جعجع بين ممانع أصلي وآخر تايواني. لكنه قال أيضاً ما معناه أن عوم خدم الحزب والنظام السوري في آخر عشر سنوات أكثر من فرنجية، مصادقاً من هذه الناحية ضمنياً على تشخيص «تيار المستقبل».
قبل نصر الله هديتي 14 آذار شاكراً، وقال ـ أيضاً ـ ما معناه: بما انّ المرشحين عون وفرنجية «من حظنا» فقد بات الاستحقاق الرئاسي الآن بالكامل، شأناً داخلياً حكراً على خط الممانعة، وهذا الخط يقرّر متى يمكن أن يفرج عن الاستحقاق، ولا داعي، بعد عام ونصف العام من الشغور الرئاسي، إلى العجل. أساساً هل من داع للعجلة، أو للخجل، في بلد هناك شخص فيه، «سيد الكل – سيد المعلمين» فوق مقام رئاسة الجمهورية بمقامات، وهناك رئيس مجلس نواب فيه حطم الرقم القياسي الكوني في رئاسة البرلمان وقيادة العمل الاشتراعي منذ أزيد على ربع قرن، تضيف عليها ربع قرن من النضال الوطني في سني الحرب الأهلية؟ وطبعاً، هناك صلاحيات الرئيس التنفيذية المسحوبة منه بعد اتفاق الطائف، والضائعة بين من يراها ذهبت إلى «مقام» رئاسة الحكومة ومن يراها قد حلّت في «أقنوم» المجلس الوزاري مجتمعاً؟
ليس لدى الحزب الخميني المسلّح أي غرض مبيّت في الموضوع الرئاسي. ليس دقيقاً أنه يجمّد الرئاسة إلى حين الاجهاز على الصيغة الدستورية الحالية وفرض أخرى. كل ما هناك أنه لا يعرف ما هو الأفضل له: انتخاب رئيس اليوم أو غداً، بعد سنة أو سنتين، الالتزام مع عون أو التفاوض على اسم آخر، انتظار لحظة تبريد جديدة في الصراع الإيراني السعودي أو خبط النار وهي حامية. ليس هناك معيار نفعي دقيق وفاصل في كل هذا. اذاً لا عجلة. الأمور لوحدها ستنجلي. العام والنصف الأول مدة أتاحت انسحاب 14 اذار رئاسياً لصالح 8 آذار، وليس بحثاً عن شخص حيادي بين 8 و14. 14 آذار سحبت نفسها، سنياً، من خوضه كنزال بين 8 و14، ثم سحبت نفسها مارونياً من ذلك. ظاهر المشهد أنه يلزم الآن تسوية بين خيارين في 8 آذار. وضوح المشهد أنّ ما يجمع قوى 8 آذار اليوم أقوى مما يمكنه، بعد، أن يجمع 14 آذار. لكن الأمور لم تعد تقرأ بموجب هذه الثنائية إلا استرجاعاً. على مستوى الطوائف، أزمة القيادة والتنظيم والخطاب في الطائفة السنية أعلى منها في اي طائفة.
أزمة «حزب الله» المزدوجة: الاستنزاف المتواصل في سوريا، ومشكلة تصريف فائض قوته وفائض تشنجه داخلياً هي من نوع آخر. أما أزمة الموارنة فقد تبدل وجهها: كانت حتى وقت قريب هي أزمة انقسامهم بين «موارنة السنة» وبين «موارنة الشيعة». الآن نحتاج إلى معادلة أفضل، بعد انسحاب جعجع لعون.
اللاسنية أوسع من اللاشيعية عند المسيحيين، لكن المشكلة المسيحية مع زعامة السنة هي الآن مشكلة ضعف هذه الزعامة، والمشكلة المسيحية مع زعامة الشيعة هي الآن مشكلة قوة هذه الزعامة.
في الوقت نفسه، وفي مفارقة جديدة، الطرح نفسه الذي يقول بأن زعامة سنية ضعيفة أمام «حزب الله» أنى لها أن تختار رئيس الجمهورية المسيحي، هو طرح يتكامل مع دعوة كي يفرض الحزب اياه قوته على حلفائه لجعل عون رئيساً، وهذه دعوة ليست مشكلتها أنها منطقية: هي المنطق عينه ما دام السيد هو «سيد الكل». لكن سيد الكل يتخذ لنفسه موقع الذات المتعالية في كلام المعتزلة: هو يخلق لنبيه بري وسليمان فرنجية القدرة على خلق أفعالهم الرئاسية. تجيّر له الأسماء المقترحة من لجان الترشيح في 14 آذار، ويجيّر لحلفائه، بدوره، القدرة على «التوازن الشغوري» فيما بينهم.
لقد كان التوازن الشغوري قائماً بين 14 آذار مجتمعة وبين 8 آذار مجملة. لكن 14 آذار لم ترض بالمحصلة أن يستمر الشغور من دون «تكريس ميثاقي عن غير قصد» للسيد حسن، كمرشد أعلى، حين يقرر هو فقط، أو ما هو عليه، أن يرشد. «سيد الكل / سيد المعلمين» منصب جديد في الدولة اللبنانية.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية