سيد قطب وعبد الفتاح السيسي و«أوبرا عايدة»

حجم الخط
2

أشهر قليلة فصلت بين إعدام سيد قطب في 29 آب/اغسطس 1966 وبين هزيمة 5 حزيران/يونيو 1967. التقارب الزمني بين الحدثين جعلت الكثير من القطبيين يرون في الهزيمة القومية عقاباً الهياً لفرعون.
من الصعب الحسم منذ الآن، اذا كانت أحكام الإعدام الصادرة بحق الرئيس المنتخب المطاح به بمزدوجة انتفاضة شعبية وانقلاب عسكري، محمد مرسي، وقيادات جماعة الاخوان، ستسلك طريقها إلى التنفيذ. الأكيد أنّ مشهدية اعدام سيد قطب تستنطق مخيال الجماعة وعصبها، بشكل ما كان ليؤمّنه حتى، الفضّ الدموي لاعتصامي رابعة والنهضة.
كثيرون يخوضون في الأمر من موقع نجاح الجماعة في إعادة شحن مظلوميتها، لكن المظلومية وحدها لا تكفي، خصوصاً في حالة الجماعة. المساحة مجدداً للسؤال الديني: متى العقاب الإلهيّ لفرعون؟
قمع جمال عبد الناصر للاخوان المسلمين عام 1954 كان في بدايات حكمه، واعدامه لسيد قطب عام 1966 كان ايذاناً بالعد العكسي للهزيمة، وما جلبته لاحقاً من أفول للناصرية، وصعود الحركات الجهادية القُطبية. صحيح أنّ كلّ لحظة مصرية حالية يميل المعنيون بها لمحاكاة لحظة مصرية سابقة في الخمسينيات أو الستينيات، لكن ما يتمخّض عن كل ذلك منذ سقوط نظام حسني مبارك هو «صدام النوستالجيات». أحكام الإعدام تدفع بالنوستالجيا الاخوانية إلى حدّها الأقصى: اعادة تمثيل عملية اعدام سيد قطب، اعادة تمثيل مشهد العقاب الالهي بعد عشرة أشهر. النوستالجيا «العسكريتارية» المقابلة لا تخاف الهزيمة القومية لأنّها صارت تحصيل حاصل منذ ما يقارب النصف قرن. المفارقة أنّها تنظر، بدورها، إلى نكبة الإخوان، على أنها بمثابة عقاب الهي.
تقاربت زمنياً مشهديتا شنق سيد قطب وهزيمة جمال عبد الناصر في حرب الأيام الستة. ما هو مطروح اليوم لأن يتقابل زمنياً هو الحكم بالاعدام على محمد مرسي ومحمد بديع وخيرت الشاطر ويوسف القرضاوي والآخرين، وافتتاح «قناة السويس الجديدة»، ومجدّداً، على ايقاع «اوبرا عايدة» لفيردي، في محاكاة للافتتاح الأول للقناة. في الاوبرا، فرعون يصدر حكماً بالاعدام على القائد العسكري الشاب راداميس لمحاولته الهرب مع عايدة إلى أرض الحبشة. وخارج دار الاوبرا، فرعون يصدر حكماً بالاعدام على قيادات الاخوان والرئيس المنتخب اليتيم في العالم العربي بتهمة الهرب من السجون.
لم يعرف الاخوان المسلمون منذ نصف قرن كيف يتعاملوا مع النوستالجيا القُطبية. من جهة، هي عنصر نافي للاستقرار داخل «المؤسسة الاخوانية». من جهة ثانية، هي عنصر حيوي لـ»اعادة شحن» هذه المؤسسة بالعنصر التراجيدي.
لم يتأخّر القطبيّون الصرف أساساً على اعتبار العقاب الالهي قد أنزل أساساً بمحمد مرسي ومحمد بديع وخيرت الشاطر لأنهم تحاكموا إلى غير ما أنزل الله، بقبولهم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع. هذا في وقت يبدو فيه «تنظيم خيرت الشاطر» داخل الاخوان «قُطبياً» في بعدٍ مُغاير: القبول بالانتخابات، وكسبها، تشريعية كانت أم رئاسية، وتأويلها في الوقت نفسه كلحظة فاصلة بين الزمن الفرعوني وزمن الحاكمية الالهية.
لكن هذا التنازع على ميراث سيد قطب لا يقتصر على الانفصال بين من يرى في سقوط مرسي عقاباً له، مع أصحابه، على قبولهم، التحاكم بغير ما أنزل الله، وبين من يرى في وصولهم لحظة انتصار لفقه الحاكمية الالهية السياسي. ففي أواخر حكم الرئيس حسني مبارك، وفي فترة الانتفاضة الشعبية عليه وصولاً إلى الضغط الشعبي على المجلس العسكري بعد ذلك، انتشرت، بشكل أو بآخر، مفردات التنديد القُطبي بالفرعونية لدى فئات بعيدة ايديولوجياً عن الفكر الاسلاموي، يسارية كانت أو ليبرالية أو مُخَلّطة. الخطاب ضد «الفرعونية» كانَ قطبيّ المصدر عند معظم من تداول به في أيام الانتفاضة على مبارك. كانت هذه حالة «قُطبية لاواعية» شائعة، وُظّفت، أحياناً، بشكل مندّد بكل ارث «23 يوليو من عبد الناصر حتى مبارك»، كما وظّفت أحياناً أخرى، أو باختلاف المواقع، ضد مبارك لوحده، وباستعادة نوستالجية ايجابية لصورة عبد الناصر.
عدّ سيد قطب «الفرعونية» بمثابة النموذج المطلق لعبودية الانسان للانسان، وشخّصها في عصره بالشيوعية والناصرية، ولعلّ شيئاً من الخطاب الغربي حول الاستبداد الشرقي المديد بنسخه الأكثر تبسيطاً قد تواتر اليه. الديمقراطية أيضاً عند قطب، من أنماط عبودية الانسان للانسان والكفر بحاكمية الله. لكن هذا الجانب لم يناقش جدياً بعد ثورة 25 يناير. الهمّ الطاغي انحصر بالأحرى، على تعيين «فرعون» ينبغي التحرّك جماهيرياً ضدّه في كل مرحلة: مبارك، ثم المجلس العسكري، ثم الرئيس المنتخب محمد مرسي. النتيجة كانت مضاعفة منسوب الاحالة الذاتية إلى «الفرعونية» مع عبد الفتاح السيسي، وفرعونية باحثة عن «مشروعية انجازات» جديدة: بدءاً من افتتاح قناة سويس جديدة، واعادة تأدية اوبرا عايدة، ووصولاً إلى مشروع العاصمة الجديدة، وكلّ ذلك تحت عنوان كبير: نهضة عمرانية تحت ادارة القوات المسلّحة.
ليس سهلاً اختيار الوجه الأنسب سياسياً لاداء دوري كبير الكهنة رامفيس وكبيرة الكاهنات سوبرانو في «اوبرا عايدة». ما سيختلف هذا العام عن تأديتها عام 1871 بالدار الخديوية، أنّها ستكون متاحة تلفزيونياً لعموم المصريين، وعموم الناس. فهل سينظرون إلى شخصياتها أيضاً بروح «الإحالة»، كما يُنظر إلى الأحداث الجارية على أرضهم بالاحالة إلى عقود سابقة؟ أمْ أنّها مرّة جديدة لن تعنيهم، الا كمظهر من مظاهر «الأبّهة» المبهمة المضمون؟
لا قلق على نظام عبد الفتاح السيسي لأنّه «فرعوني فقط». فالكوكب الذي أفهمنا منذ عقود أنه لم يعد يفكّر بالانتقال الجماعي نحو الاشتراكية، أفهمنا أيضاً في السنوات الأخيرة بأنه غير متحمّس للانتقال الكوني إلى الديمقراطية، والاستبدادات الآسيوية والأوراسية تبدو بعد سقوط صدام حسين او حسني مبارك او معمّر القذافي أكثر حيوية ومرشّحة لأنْ «تعاصر القرن» بكل ارتياح.
ولا رجعة للاخوان بالمظلومية فقط. لا يمكن المصادرة على الايام الاتية، ولا الغاء الاخوان من الوجود في مجتمعات يشكلون شرائح أساسية من نسيجها، لكن التجربة في مصر وسوريا واليمن تميل لأن تظهر الزمن يتجاوزهم. الضربة الانتفاضية الشعبية معطوفة على الانقلابية العسكرية كانت عنيفة جداً لتجربتهم في مصر بحيث بات من الصعب الاكتفاء بشحن المظلومية وحدها. والعقاب الالهي يحتار المنظار القطبي ان هو انزل بمرسي من بعد مبارك، أو هو سينزل بالسيسي. واذا كانت التجربة الاردوغانية تعاطفت رمزياً وسياسياً مع مرسي والاخوان، الا انّها أيضاً شكّلت عنصر اضعاف لهم، لعجزهم عن مواكبتها. صحيح ان رجب طيب اردوغان ظهر اكثر اخوانية في السنوات الماضية مقارنة بقبل ذلك، لكن الاخوان في البلدان العربية، ربما باستثناء تونس، ظهروا كقاصرين عن محاكاة الأردوغانية، ليس لأنهم أكثر تجذّراً منها، بل لأنهم عبثاً يحاولون التوفيق بشكل نافع، لهم أولاً، بين النوستالجيا القطبية وبين الذرائعية السياسية الأكثر شراهة، والأسرع مسافة نحو الفشل. من جملة الأسباب، أنّ الوطنية المصرية لم تتحوّل إلى مرسي وبديع والشاطر إلى ما تعنيه الوطنية التركية عند اردوغان، وبسرعة مدهشة جرى تحريك صورة الاسلام المصري الشعبي ضدّهم، لاظهارهم كجماعة أجنبية. في هذا البلد يجري اظهارهم كجماعة آتية من ذاك، وفي ذاك من هذا.
لكن مشكلة السيسي قائمة في مكان آخر: اوبرا عايدة لوحدها لا تكفي، وربما كانت «مشروعية الانجاز» هذه هي الطريق الملكي نحو السقوط. «مشروعات ضخمة» و»نوستالجيا»: «دونت مكس». نهضة عمرانية تحت اشراف العسكر وتوجيهاتهم: أيضاً «دونت مكس». أكثر من هذا: النظام الذي يستعد للفرجة والاستماع إلى «اوبرا عايدة»، يستعد للانصات إلى بيان موسيقي شعري ضدّه: «اوبرا عايدة» و»عسكرة العمل»، هذا الجمع كان كافياً لافتتاح قناة سويس واحدة، وليس لافتتاحها كل يوم.

٭ كاتب لبناني

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية