سيرة غوتفريد غرول وأفكاره: جوْرب في الرأس!

حجم الخط
0

كريستوف مانون
«غالبا ما يظنّ الناس أنّ الحمقى حمقى حقّا أو هم علامات استفهام. وهذا أسلوب منغلق مطّرد في رؤية الأشياء. والحقّ أنّ الأحمق جنينٌ يفكّر. وكلّ ما في الأمر أنّه يخفّف إيقاعه، حتى يكون قريبا جدّا. أمّا غرول فليس بالأحمق. إنّما هو ينضّد أفكاره في علبة، ثمّ يركّب رقم هاتف الزمن. يتصوّر غرول أنّ بإمكانه أن يُذْكيَ لعبة الهواتف، أو أن يراقص مادونا، شوطا من لعبة الطاولة في هيئة كوكتيل «بيكون بيير».
عندما أستيقظ، أنظر إلى رأسي؛ ثمّ أجدها. وبعد ذلك، هناك بعد ذلك، فضلا عن كسر خبز مطليّة بالزبدة أو بالمُربّى وعقيد ثمار. ومن غير أن أسهو عن الشاي.
يستعمل غرول لكي ينظف أسنانه فُرشة. ويتطهّر من حاجته الجنسيّة، باستفراغ أنفه. لم يتّخذ غرول قطّ هيئة كرسيّ أو سرير. ومع ذلك هم يجلسون عليّ، ويكون رَوْث. قد أنزعج غير أنّني حليمٌ جدّا؛ لأنّني أعتقد بأنّني لم أمتْ بعد. وأخيرا يرتدي سراويله، حسب عرف هذا المكان وعاداته. عندما يكون الجوّ صحوا، أخرج من المنزل طولاً.
إنّ منتهى أيّ شيء هو بدءُ شيء آخر. يولد الاحتمال عندما يزلّ الرأي. وليست هذه هي الحال دائما. تتشرّب العين الصور ذات 921 في 8 قوة 11
النار تراب مسحوق ببزوغ السماء أعلى. الوحدة تفوح من القدمين، وليس الكلّ سوى المرض مفرشحا. وغرول لا يعقد أيّ صلة به البتّة. غرول، وهذا لا يعني دائما أنّه غبيّ. مع أنّ البعض يقول العكس بالعكس. يكتب غرول قصائد بلا نتيجة ولا صيت في مقاطعة «بواتو»، وفي أيّ موضع آخر. مع إنّ لي أنصارا مخادعين جدّا. أمّا بصدد الشعر فإنّ غرول يلوح مهذارا يقدح زناد فكره، أو فارسا بغدّارة خفيفة؛ يطعن في مهازل وهو الذي له في الرأس شؤون أخرى تُغنيه. ليس الشعر حديثَ سوء قاعدته اغتيابُ ضغينة. بعضهم يقول إنّه مثل برميل بارود للفرار من العطاس. يا له من سلام عليك.
يعتقد غرول أنّ هناك واقعًا يُفلت ولكنّنا لسنا أبدا على يقين من أن نستردّه.
يقول غرول أفٍّ.. أفٍّ. الشعر هو أن توازن حجر تبليط الانفعالات بضربات معول، بدون اشتغال بالهذر. هو التعبير عن أفكار ليست أفكار ابن عرس أو الببّغاء كَتوّة، بل الأوْلى أنّها تقترب من الانسان الذي يختفي وراء الانسان. نحن نماحك في الحبّ، في موت شرطيّ، في المال، وفي أشياء أخرى كثيرة جميلة جدّا، نجدها ونحن نتملّى العالم بأنظارنا؛ وهذا يجعل الدوائر ترقص موزونة. ولكن على أيّ ساق؟ من يدري. لغرول من الشعر ما يملأ الجوارب حتّى القبّعة، وهذا يزوّده بإطلاق صيحات الفرح. وهو أفضل من شدّ أسفل السروال الداخلي، بملاقط صغيرة».٭٭٭
يقول رينيه ويليك وأوستن وارين إنّه ليس صحيحا إطلاقا أنّنا نعرف، خاصّة في الأزمنة الماضية؛ التّمييز بين الكلام الشّائع والانحراف الفنّي. ويريان أنّه يجب إجراء دراسة عن كثب لكلام الطّبقات الاجتماعيّة في الأزمنة الغابرة، قبل أن نحكم على نصّ لكاتب أو لحركة أدبيّة. على أنّنا عند الممارسة نطبّق بشكل غريزيّ بسيط المقاييس التي نقتبسها من استعمالاتنا اليوميّة الرّاهنة. وأقدّر أنّ هذا ما خامرني وأنا أنقل كريستوف مانون (شاعر فرنسي ولد 1971) إلى العربيّة، ولعلها أوّل مرّة ينقل فيها. وكادت استعاراته تمكر بي، وتوقعني في أخطاء، لولا أنّي عوّدت نفسي الصبر على مرارة الترجمة، والتثبّت حتى في الكلمات والعبارات التي تلوح مأنوسة مألوفة. ولولا خشية أن نثقل على القارئ لشفعت هذا المقال، بشروح للاستعارات التي تنتظم هذا النصّ، وأثبتّها في أصولها. ولا أخفي أنّني تردّدت في بعض الصور، وحِرْت بين إثباتها كما هي في أصلها الفرنسي، أو إخضاعها إلى أصول العربيّة؛ وكنت كمن يستأنف كلاما جديدا، بعبارة عبد القاهر الجرجاني في كلامه على ترجمة الاستعارة.
استوقفتني في تجربة هذا الشاعر مزاوجته بين سجلّ شفهيّ وسجلّ كتابيّ، حتّى لا فكاك بينهما. بل إنّ بينهما «تداخلا بالمطابقة» وضربا من الإدغام حيث القريب لغة «العاميّ المشهور» صنو البعيد لغة (الغريب الاستعاري) في النّص.
وقد يحفل الشّاعر بهذا على قدر ما يحفل بذاك، في حيّز مخصوص هو وضع التّبادل بينهما حيث ينشآن معا لحظة الكتابة ويتواصلان. وكأنْ لا جدَّ في هذا النّص الذي نقلته، إلاّ من خلال علاقته بهزل؛ ولا أحمق أو متحامق إلاّ من خلال علاقته بذكيّ أو مُتذاكٍ. الأمر الذي يجعل الشّاعر يخوّل لنفسه حريّة التّصرّف في الكلمات أدبيّة وعاميّة. وقد يكون مردّ ذلك إلى أسباب منها قدرة الشّعر على أن يبتني لنفسه حضورا لغويّا كليّا وزمنا خاصّا يندّ عن أيّ ضبط وقياس. ومنها «لعبة المفارقة» التي يتأدّى في سياقها الرّمز الشّعريّ نفسه سواء كان مكتوبا أو شفويّا أو مُعارا، فهو يحيل على شيء آخر، ويحجب في ذاته الآن على ما يحيل عليه. وهذا الكتاب الشعري هو تحفة في فن الهزل والسخرية. وواضح من العنوان أنّه يحيل إلى كتاب لورنس ستيرل «سيرة تريستان شاندي وأفكاره». ولكنّه يتمثّل دلالته الخاصّة.أمّا الدّلالة الخارجيّة التي يحيل عليها الرّمز فهي حاضرة في الرّمز نفسه. وكذلك الأمر في العمل الشّعريّ، فوظيفته ليست وقفا على الإحالة على شيء آخر، وإنّما هي تنشئ في حيّزها موضوع إحالتها إنشاء.
هذا النصّ مداره على صور متناقضة متعارضة يدفع بعضها بعضا في الظّاهر. ولكنّ الشّاعر يدمجها على تعارضها الصّارخ في كيان واحد، فتبدو الصّورة مزيجا لغويّا تنصهر فيه المتناقضات على نحو غير مألوف، وتنعقد غرابة مرسلة قد يصعب إدراكها. وسواء استرسل القارئ إلى هذا الغريب النّاشئ في حيّز «الضّديد» [الأوكسيمور] أو لم يسترسل، فإنّه لا يمكن إلاّ أن يثير استغرابه الجماليّ، ويذكي الرّغبة في تعرّفه. بَيْد أنّ جوانب غير قليلة في الصّورة تظلّ تغالبه محتفظة بسرّها؛ بما يسوق إلى ضرورة التّمييز بين إدراك يتناسب والغرابة التي يمكن أن تلين، وتجربة جماليّة تتناسب والغرابة التي تبقى كما هي قارّة في ذاتها. أي تلك التي تنشأ في الحيّز الفاصل» بين معلوم وغير معلوم، وبين معدوم وموجود، وبين منفيّ ومثبت، وبين معقول وغير معقول» بعبارة محيي الدين بن عربي.
إنّ الصّورة على غرابتها، ليست ثمرة مصادفة واتّفاق غير مقصودين. ومن المفيد أن نقرأها في سياق شعريّة ما بعد السرياليّة؛ حتّى لا يطوّحنّ بنا الظنّ بعيدا، فنحملها وهي المحكومة بتباعد منطقيّ خاصّ، على نوع من التّباعد الاعتباطيّ. وشتّان بين صورة تتمثّل أعلى درجة من الاعتباطيّة أو المصادفة التي تتعارض والقصد أو النيّة، وتضع طريقة جديدة في تدبّر العلاقات بين اللّغة والذّات، وبين اللّغة والمجتمع، كما هو الشّأن في السّرياليّة، وصورة «الأحمق» المتصنّعة حيث يتسمّى الشّيء باسم شيء آخر أو هو يصبح شيئا لغويّا، وتتحوّل الكلمة في العالم وعنه، إلى خيال تتراسل فيه وبه الأشياء والكائنات؛ وما يمكن أن يتيحه ذلك للقارئ من تبصّر في العلاقة بين الشّيء وتسميته، وبعيد تأمّل واستقصاء نظر، سواء استرسل إلى الصّورة واستأنس، وعدّها موافقة أو مناسبة استعاريّة أو استهجنها وعدّها من فظّ الكلام أو من الخشونة الاستعاريّة. بل إنّ هذه الخشونة أو ما يسمّى بالتّنافر المنطقي في الصّورة، ليس إلاّ مظهرا خادعا، ذلك أنّ مناط الأمر فيها تقنين استعاريّ، وطريقة خاصّة في تحويلها إلى نظام منطقيّ لا سند له إلاّ من داخل الخطاب، وما يمكن أن ينهض به من إضاءة التّماثلات القائمة في منظومة القيم عند الأوروبيّين والفرنسيّين تحديدا، إضاءة ثانية أو الاستدراك عليها.
جلّ قصائد هذا الكتاب مقاطع شعريّة من أحد عشر بيتا، يوزّعها الشاعر من غير تنقيط، فينجم عنها لبس غير يسير من حيث المعنى والدلالة. وهو ما حاولت تلافيه في العربيّة. فضلا عن أنّه يستخدم أسلوب الالتفات ببراعة،ويراوح بين غيبة(هو) وتكلّم (أنا)، ويعدل من هذا إلى ذاك، فتمتزج سيرة غرول بسيرة الشاعر السارد؛ وقد لا نميّز هذا من ذاك. هو لا يرسم العالم بالمقلوب كما قد يقع في الظنّ، وإنّما يقترح رؤية للعالم تقلب المنطق، ولا أجد في وصفها أبلغ من النعت «مشعّثة» كقوله «غدًا كنت في طريق العودة، في شمس ساطعة». أو قوله: «نطلب من الأجانب أوراق إثبات الشخصيّة، لنتأكّد من أنّهم لا يملكونها؛ وهذا يسكّن روعنا». على أنّ الأفكار المبثوثة في هذا النصّ تشبه جوربا في الرأس بدل القلنسوّة.

٭ كاتب تونسي

سيرة غوتفريد غرول وأفكاره: جوْرب في الرأس!

ترجمة: منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية