صُمم النصب التذكاري للهولوكوست في برلين، كي يُوجد، حسب مهندسيه، شعوراً بالإرباك وعدم الراحة، ورغم أنه أقرب ما يكون إلى شكل مقبرة، ستجد أن زواره، حسب الصور المنتشرة هنا وهناك، غالباً ما يتقافزون بمرح فوقها. فوق النصب سترى صور السيلفي، ولاعبي الأكروبات، والراقصين بأوضاع شتى.
«الجزيرة بلاس» أعدت فيديو يظهر فيه فنان يجهد في إرجاع تلك الصور إلى حقيقتها العارية، حسب رأيه ونظرته، سنرى صورتين، واحدة لفتاة ترقص في ممر بين تلك المكعبات الهندسية، وواحدة لها بالوضعية نفسها ولكن بين جثث ضحايا الهلوكوست، وكذلك الأمر بالنسبة لممارسي اليوغا، والفتيات الجميلات العابرات فوق القبور، أو الجثث، حسب صور الفنان. يقصد الفنان القول إن على هؤلاء أن يخفّفوا الوطء، حين يعبرون تلك الساحة، فما أديمها، أديم تلك الأرض إلا من تلك الأجساد، الجثث.
النتيجة كانت أن بعض ملتقطي تلك الصور العائدين إلى ديارهم، أحسوا بالذنب العظيم الذي اقترفته كاميراتهم، فراحوا يبعثون برسائل الاعتذار، وعض أصابع الندم. (مع أن المقاهي ومطاعم البيتزا حول ساحة النصب تتابع عملها كالمعتاد من دون أي إحساس أنها جاءت تستثمر في مقبرة!).
لكن لماذا نريد أن نذهب بعيداً في التاريخ، ولدينا عشرات الصور القادمة من سوريا التي التقطها مذيعو الإعلام السوري لأنفسهم، أو ممثلون، مع الجثث مباشرة، مبتسمين، لا مواربة ولا نصب تذكارية ولا من يحزنون. بل أن عرساناً التقطوا صوراً لأنفسهم بثياب الزفاف فوق الأحياء المدمرة، بكامل قيافتهم، وبكامل رمادها ودمها الذي لم يجف ورائحة جثثها العابقة في سماء المكان.
وبالمناسبة، كيف يشعر الدمشقيون هذه الأيام عند المرور بدوار كفر سوسة، أو ساحة التحرير في باب توما، وجادة الخطيب، الجمارك، وسواها، هل يتذكرون أن تحت أرجلهم تماماً يقبع آلاف المعتقلين الذين تنتهك أجسادهم وكرامتهم كل لحظة من دون رادع. هل أقلّ من أن يلقى السلام على هؤلاء. لا الاعتذار لهم، ولا تحطيم الجدران والحواجز من أجلهم، فقط هل من يلقي السلام، كمن يمرّ قرب مقبرة.
لاجئون أم مهاجرون
في رسالة فيديوية له عبر راديو «هلا»، نصح الممثل السوري جمال قبّش (أرجو أن لا يحرجني أحد بالسؤال عمّن يكون، فكل ما أعرفه أنه ممثل من الدرجة 37 في سوريا) جمهور اللاجئين السوريين في ألمانيا، التي يقوم بزيارتها هذه الأيام على ما يبدو، بتعلّم اللغة، والالتزام بقوانين البلد. قال قبّش للاجئين (وللأمانة هو لم يسمّهم لاجئين) إن الفساد، هو من بين أسباب كثيرة، شرّدتنا، وأكد أن «ما في قانون بالبلد»، وأن «القانون لأشخاص وأشخاص»، مشدداً في ختام حديثه على أنه باق «بالبلد، وما بطلع من البلد».
ما يلفت في رسالة الفنان السوري أنه كان يمثّل في رسالة يفترض فيها أن يكون فيها شخصيته هو بالذات، لا أن يستعير شخصاً آخر. راح يمثل خصوصاً وهو يتحدث عن التشرد، وعن الفساد، الذي على ما يبدو كان السبب الأساس للتشرد.
ليس بالإمكان الاستنتاج من رسالة قبّش إلا أن سوريي ألمانيا هم مجرد مهاجرين من أجل لقمة العيش ليس إلا، لا دخل للساسة في الأمر، ولا علاقة للعنف البراميلي والتدمير والمجازر، إنه الفساد.
يا عزيزي الممثل، تذكّر، خصوصاً وأنت تكلف نفسك عناء الرسائل المصورة، أن «عدم تسمية الأشياء بأسمائها هي مساهمة في بؤس العالم». قول الحقيقة مجزوءة ليس سوى نوع من التزوير، قلها كاملة أو كفّ عن الرسائل.
الاحتجاج بالدم
فنانة أرادت الاحتجاج على تولي دونالد ترامب للرئاسة فرسمت بالدم لوحة تحمل اسم « Rise Up Thy Young Blood»، تقول إنها مقتبسة من أعمال شكسبير، وكما جاء في فيديو عرضته «سي ان ان بالعربي»، فقد جمعت الفنانة دم أكثر من 55 متبرعاً بالدم، ثم راحت تتحدث عن رائحة الدم التي «تشبه رائحة المعدن كثيراً كالحديد»، على ما تقول وهي تغط ريشة الرسم في وعاء الدم، وتقنع نفسها بأنه ليس سوى طلاء باللون الأحمر يشبه الألوان المائية.
لا ندري أي قيمة فنية للوحة في النتيجة، وكم يستطيع الدم كمادة للرسم أن يصمد، لكنها طريقة مقززة، تماماً مثل الفيديو الذي يليق بمشاهدين بشراً لا يستهويهم منظر الدم.
يبدو أن عهد ترامب سيكون دموياً بحق، ليس على مستوى سياسات الرئيس الأمريكي وحسب، بل وكذلك على مستوى أساليب الاحتجاج. العالم سائر إلى مصيره الدموي.
إلهام شاهين تكره السياسة
أكدت الفنانة المصرية إلهام شاهين، في ندوة بخصوص فيلم «يوم للستات»، أنها ليست في وارد المشاركة في أي عمل سياسي، وبعد أن تحدثت عن تجربتها في تأدية شخصية برلمانية خمس مرات قالت «أكره السياسة من كل قلبي». تكره شاهين السياسة، وعلى ما يبدو تستثني منها موقفها الحاسم في الاصطفاف إلى جانب نظامي عبدالفتاح السيسي وبشار الأسد.
هنا بالذات يصبح مفهوماً أن السياسة ليست سياسة تماماً، إنها نوع من التجارة، نوع من الصراع من أجل البقاء على كرسي النجومية، ممثلة لسانه حالها «نحب السيسي، وكل ما يحب السيسي، ونكره السياسة».
هاني شاكر هل يستقيل
ثم ماذا؟! هذه هي ردة الفعل التي تنتاب المرء كلما لمح خبراً عن استقالة النقيب، أي نقيب الفنانين الموسيقيين في مصر، هاني شاكر. منذ فترة والناس في متاهة «استقال، لم يستقل»، أو ما هي أبعاد استقالة النقيب، وما حال الدنيا من بعده. آخر الأخبار أن «أعضاء مجلس الإدارة الرئيسي في القاهرة، وأعضاء مجالس إدارات الفروع البالغ عددهم 24 فرعاً قرروا تقديم استقالات جماعية في حال عدم عدول شاكر عن قراره»، وذلك «لما يمثّله شاكر من رمزية في الغناء المصري والعربي».
تماماً هذا هو المتوقع، فمنذ استقالة الزعيم جمال عبدالناصر، بعيد نكسة حزيران العام 1967 ونزول الجماهير إلى الشارع مطالبين بعدوله عن الاستقالة، ونجوم الفن والسياسة أحياناً، كعلي عبدالله صالح، يستقيلون، أو يعلنون رغبتهم بالاعتزال، ثم يحرّكون الجماهير كي تنزل إلى الشوارع. النقيب باق إذاً، وخالد ربما، لأن الأمة لم ولن تلد، على ما يبدو، أمثال هاني شاكر.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى