سَبْقُ اللسان المقصودُ

الكلام عملية واعية مقصودة ما في ذلك شكّ ولذلك قد نكافأ أو نعاقب على كلام نقوله لأنّه نشاط واع ومقصود. غير أنّنا في بعض الأحيان نقول ما لا نقصد فيخرج الكلام خطأ نسمّيه في ثقافتنا سبق اللسا،ن وهي تسمية تفيد في ظاهرها أنّ الكلام خرج عَجِلا وكان عليه أن يتريّث حتّى يراقبه الذهن ويسوّيه.
يقول علماء النفس اللغوي الذين يدرسون هذه الظاهرة تحت تسمية محايدة هي «أخطاء الكلام» أو تحت تسمية أكثر دقة هي «زلة اللسان» إنّ هذا الضرب من التحريف والانزياح الصّوتي والدّلالي هو حالة عارضة يمكن أن يقع فيها أيّ متكلّم وعادة ما تحدث حين يكون المتكلم متوتّرا أو مرهقا أو مشوّش الذهن أو غير ذلك من الحالات التي يعرف فيها الذهن ضغطا. بعض اللسانيّين النفسيّين المتسلّحين بما يوفّره علم الأعصاب من نتائج للبحث عن الكيفية التي بها ينتج الكلام ذهنيّا ويفهم، يعتقدون أنّ ظاهرة سبق اللسان يمكن أن يُستفاد منها في كشف نظام العمل النفسي (الذهني) للّسان. فعلى سبيل المثال يرى غاري دال أستاذ اللسانيّات النفسيّة في جامعة إلينوي الأمريكية والباحث في كيفية إنتاج الكلام بالاعتماد على الشبكة العصبية أنّ الأعمال الباطنيّة لنظام غاية في التعقيد (يقصد عمل الذهن عند إنجاز الكلام) يمكن أن تكشف عنه حالات من اختلال النظام، مثل الكلمة التي على طرف اللسان أو سبق اللسان. فحين أقول مثلا بدلا من (مُقاوم) (مُقاول) فلا شكّ أنّ في هذا الخطأ ما يُساعد على النّظر في كيفية تنشيط الذّهن للأصوات في المعجم الذهني، وهو تنشيط يحدث باستحضار حزمة من الأصوات أو الكلم المتعاملة فيما بينها، ثمّ عند الاختيار يحدث تبئير على إحداها وتنطفئ الأخرى. فعلى سبيل المثال من يخطئ بين مقاوم ومقاول فلا شكّ في أنّ ذهنه قد نشّط الكلمتين في آن لا لأنّهما ينتميان إلى حقل واحد بل لأنّ ذهنه جمع بينهما لسبب ما وكذلك الشأن بالنسبة إلى من ينشّط (حوار) و(حمار) في آن فلا شكّ أنّ ذهنه يجمع بينهما في وقت التفكّر في استعمال أحدهما؛ وليس أمر الاقتران اعتباطيا كما يُعتقد. في يوم عيد الاضحى من الممكن، وأنا أعالج فحم الشّواء، أن أخطئ بين الفحم واللحم فبدلا من أن أقول لولدي الذي يساعدني ناولني الفحم يمكن أن أقول ناولني اللحم فالسياق الآني الذي يجمع بينهما هو الذي يبرّر لي الخطأ الصوتي. ومن الممكن أن أقول: أعطني اللحم لأشوي الفحم ، فيكون الخطأ خطأ استبدال وتعاوض بين الكلم وهو من أخطاء سبق اللسان ومن الممكن أن أشرع في نطق كلمة فحم بينما أريد أن أقول لحم فأتدارك في نصف الطريق لتخرج الكلمة ممتزجة لأقول (فحل) بعد أن أكون قد أحللت الحرف الأول من لحم في آخر الكلمة المحرّفة المنتجة وكأني أريد أن أعدل عن فحم فأنطق عندئذ بشيء آخر لا علاقة له بالكلمتين.
ما من شكّ في أنّ أقدم المحاولات في تحليل زلاّت اللسان كانت تتبنى مقاربات التحليل النفسي الفرويديّة التي ترى أنّ الخطأ ناجم عن صراع بين ما يُقال وما يقصده اللاوعي؛ ولكنّ جماعة «دال» ممّن يبحثون اليوم عن أنّ الخطأ ناجم عن تنشيط متزامن للوحدات اللغوية وأنّه مفيد في دراسة إنتاج الكلام يتجاوزون عن هذه المقاربة.
سبق اللسان حين يكون زللا شيء ولكن حين يكون مقصودا شيء آخر تماما. والسّاسة من الناس الذين قد يستعملون سبق اللسان المتعمَّد ليقولوا به الخفيّ المستور ثمّ يعتذرون عنه. رسائلهم المشفّرة في سبق اللسان قد تكون أقوى من أيّ رسائل يقولها الكلام الصريح. والغريب أنّ الناس وهم يقبلون أعذارهم برحابة صدر (أو بقلق شديد) يعرفون أنّهم قصدوا ما قصدوا حين تظاهروا بأنّ لسانهم انحرف بهم وزلّ. يذكر غاري دال في مقال له عنوانه «الكلام وخطأ الكلام» أنّ الرئيس الأمريكي الأسبق جيرالد فورد لمّا كان يلقي كلمة بحضور الرئيس المصري الأسبق السادات ويمدحه ويثني على الشعب المصري (ربّما بمناسبة زيارة السادات عام 1975 إلى نيويورك) قال: «يا شعب إسرائيل العظيم ، مصر، عفوا». ما من شكّ في أنّ كلام فورد لم يكن سبق لسان، بل كان خطأ مقصودا ورمية من رام تصيب الأهداف السياسية والإستراتيجية التي قيلت العبارة المستبقة في سياقها آنذاك. ليست لفظة مصر المقصودة ظاهرا هي المقصودة فعلا وليست لفظة إسرائيل غير المقصودة ظاهرا غير مقصودة فعلا؛ بل هما عبارتان نطقتا وأضرب على إحداهما بأن طلب من المستمع المعنيّ فسخها ذهنيّا وكأنّها لم تقل وإحلال غيرها المنطوقة بعدها وكأنّها لم تقل إلاّ هي. لا يمكن للذّهن أثناء التلقّي أن يتغافل عمّا طلب منه أن يتغافل عنه. فلقد قيل ما قيل وينبغي أن تظلّ الكلمة نشيطة في الذهن إلى زمن يطول أو يقصر، وقد تثار حولها أسئلة وانفعالات وربّما تنسي الكلمة التي طلب منّا أن نمسك بتلابيبها ولكنّ الكلمة التي يراد منّا أن نمحوها تظلّ مستيقظة. معلوم أنّ الخطاب لم يكن بعيدا جدّا عن معاهدة كامب ديفيد (1978) وأنّ استحضار الشعبين معا في الخطاب ليس بعيدا عن أهداف معاهدة السلام وأنّ استحضارهما خطأ في هذا الخطاب السياسي سيؤول إلى استحضارهما قصدا في سيرورة خطابات السلام السياسيّة على لسان مهندسي هذه اللحظة التاريخية الفارقة في الشرق الأوسط.
من الأخطاء المقصودة أنّ الملك الحسن الثاني، رحمه الله، قال في تسعينيات القرن الماضي في حضرة الرئيس التونسي الأسبق بن علي: نشكر الرئيس زين العابدين بن جديد؛ وكتب في ذلك الوقت صحافي في مجلة «جون أفريك» الصادرة بالفرنسيّة يقول إنّ الملك كان يقصد ذلك الخطأ لأسباب تجمع بين الشخصيتين على الأقلّ في المسار العسكري وتخلع شيئا من عدم الرضا الذي كان يعلمه بن علي مذ كان في الرباط ملحقا عسكريّا وصرّح به الملك نفسه مرّات أهمّها ما قاله بعد أن صار بن علي وزيرا لبورقيبة إنّ بورقيبة لن يستطيع أن يقتلعه.
سبق اللسان حين يكون مقصودا يكون رسالة لغويّة غير عفويّة، بل إنّه يمثّل في سياق الكلام الذي يقال فيه بؤرة الرسالة يريدها المتكلمون أن تكون ذات ثقل مركزي في كلامهم ويأخذها المستمعون على أنّها كذلك. وحظّ مثل هذه الأخطاء المقصودة أنّها تعيش أحيانا أكثر من غيرها فيمكن أن تنسى خطابات بأكملها ولا تنسى فيها تلك الكلمة الطائشة أو المتمرّدة أو المنزاحة. .خطأ سبق اللسان المقصود هو نوع من الأخطاء التي يمكن أن تمرّ دون «عقاب» بناء على مبدأ أنّ اللسان خطّاء والذهن نسّاء. غير أنّ عدم عمل اللسان عمله الأصلي قد يراه السّاسة وأصحاب الذهن الصّنّاع فرصة لقول الممنوع بل لبناء الفكرة العظيمة. يقول عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار، إنّ «كلّ فكر عظيم هو من ترتيب سبق اللّسان».

٭ أستاذ اللسانيّات بالجامعة التونسيّة

سَبْقُ اللسان المقصودُ

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية