«شارلي إيبدو» تدفع فاتورة تطرف الحريات وتطرف الإرهاب

حجم الخط
6

لا يمكن حصر تداعيات الحادث الإجرامي الذي تعرضت له صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية على يد عدد من الارهابيين، وراح ضحيته اثنا عشر شخصا من العاملين في الصحيفة، من بينهم رئيس التحرير واختطاف رهينة، في فرنسا وحدها، فقد تعدّى تأثير هذا العمل الاجرامي المدبّر الحدود الفرنسية ليصبح من أبشع الجرائم في تاريخ الصحافة العالمية، وأكثرها تهديدا لحرية الرأي والتعبير في كل البلدان، ويعدّ محاولة اخرى تضاف للكثير من محاولات تكميم الافواه.
وعلى الرغم من أن تاريخ هذه الصحيفة حافل بالإساءات والتجاوزات على المقدسات والكثير من الشخصيات، واشتهار خطها التحريري بتجاوز كل الخطوط الحمراء، واعتبار جميع المشاهير والرؤساء والمقدسات والانبياء مادة دسمة لها، إلا ان تسليط الضوء على إساءاتها المتكررة للنبي محمد «صلى الله عليه وسلم»، قد اتخذت الحيّز الأكبر من الإعلام، في حين ان الصحيفة لم تستثنِ دينا او مقدسا في اساءاتها المتكررة، فقد اساءت في اعداد وسنوات سابقة للنبي عيسى «عليه السلام» وللراهبات والقسيسين برسومات بذيئة ايضا وعبارات ساخرة ومشاهد كاريكاتورية اكثر اساءة.
لا بد من الإشارة هنا الى ان مفهوم الحرية في إطاره العام لايزال مفهوما بدائيا غير قابل للتطبيق بشكل فعلي، او حتى على صفحات الورق، أو إلكترونيا، ولعل ما حدث الجمعة الماضية للمدون السعودي رائف بدوي الذي جُلد في الساحات العامة في السعودية واحتمالية الحكم عليه بالسجن ما لا يقل عن عشر سنوات لتجاوزه على هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمطالبته بالغائها والغاء المحاكم الشرعية في مدونته الإلكترونية، خير دليل على محدودية حيّز الحرية المتاحة في البلدان العربية، حيث لا تزال خطواتها متعثرة في حرية التعبير وحقوق الإنسان، لهذا السبب وأسباب اخرى لاحقة، نجد تفاقم ردود الافعال تجاه ما انتجته صحيفة «شارلي إيبدو» على مرّ السنوات، إذ أن الاحتقان الحاصل بين الكثير من المسلمين داخل فرنسا او خارجها وهذه الصحيفة لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لمواقف سابقة. فالمتتبع لتاريخ ومسيرة هذه الصحيفة سيجد انها تناولت في اكثر من اصدار اساءات متكررة للاسلام وللنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وللمسلمين، لكنها في الوقت نفسه لم تتبن الدفاع عن أي معتقد او مقدس آخر فموقفها واحد من كل المقدسات والمعتقدات.
أعادت الصحيفة نشر الرسوم الدنماركية المسيئة في صفحتها عام 2006 وعززت بذلك مواقفها المضادة للفكر الديني بمفهومه العام، مستفيدة من الحماية التي يوفرها القانون الفرنسي، فحين تقدمت بعض المنظمات الإسلامية في فرنسا بشكوى ضد الصحيفة كان قرار المحكمة لصالح الصحيفة، وفقا لما نصّ عليه الدستور الفرنسي من وجوب توفير الحماية لحرية الرأي، وعلى الرغم من ان سياسة الصحيفة قد تجاوزت مفهوم الحريات، بل دمجته مع مفهوم النيل من المقدسات والاستهزاء بها واتخاذ مبدأ التشهير والقذف طريقا سهلة للانتشار والشهرة، خصوصا بعد أن مرت عدة مرات بضائقات مالية، جعلتها تتوقف لعدة اعوام عن الصدور، والمعروف انها كلما نشرت رسوما مسيئة للانبياء فإن مبيعاتها تزداد، لدرجة ان اعدادها في ذلك اليوم تنفد خلال ساعات!
أي تجارة اربح من ان تسب نبيا (لست مجبرا على احترامه) كما صرّح رئيس تحريرها ستيفان شاربونييه، حيث أشار الى انه ليس مجبرا على احترام محمد وانه لا يعمل وفقا للقانون القرآني، بل وفقا للقانون الفرنسي الذي يوفر له الحماية والحرية لإبداء رأيه وقول كلمته. الامر الذي لم يتفهمه المتشددون الذين ظهروا بأحزاب ومسميات شتى، الى الحدّ الذي ادرجت فيه اسم رئيس التحرير شاربونييه على قائمة مطلوبيها كما اعلنت في احد مواقعها على تويتر.
وعلى الرغم من ان القذف والسب هو أحد اسوأ انواع الحريات، بل هو الحرية المتطرفة، اذا جاز التعبير، الا ان حرية الرأي مكفولة في المجتمعات الغربية التي تحترم الانسانية وتعتبر الانسان فيها قيمة عليا مقدسة، بغض النظر عن انتمائه، على عكس البلدان العربية التي لاتزال تضع الخطوط الحمراء أمام حرية التعبير واختلاف الرأي، خصوصا في ظل ظهور الجماعات الاسلامية المتشددة التي تكفّر حتى المسلمين المخالفين لهم في الرأي، وتستبيح دماءهم فكيف الحال بصحيفة فرنسية (كافرة) برأيهم تتسلى بقذف مقدساتهم وتجعل منها مادة سخرية تروج من خلالها لمبيعاتها، هي حرب بين تطرفين، أحدهما تطرف في حرية لم تحترم المقدسات، والآخر الهمجي المتطرف في القمع لدرجة القتل والانتقام، ولعل ما قاله القاتلان الجزائريان اللذان يحملان الجنسية الفرنسية حين ارتكبا جريمتهما «انتقمنا لرسول الله.. الله اكبر» يبرر من وجهة نظر كل المتشددين ما قاما به. وهنالك من سيعتبرهما بطلين قوميين ثأرا للنبي، في حين ان قراءة سريعة للتاريخ الاسلامي سيجدون ان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يثأر يوما لنفسه، بل أنه حين عاد لمكة التي رفضته وطردته وآذته وقتلت اصحابه واتباعه في بداية دعوته، عفى عن كل الذين كانوا يتوقعون انتقامه قائلا لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وكان قادرا على الانتقام منهم واخذ الثأر. هذه الاعتبارات الاخلاقية في التسامح الانساني التي تعطي درسا مهما في العفو وقبول الاخر وقبول حتى اساءاته والترفع عنها، لا تدخل ضمن حسابات الارهابيين مهما كانت مسوغاتهم الظاهرية، فقد اعلوا صوت الاجرام على صوت الرحمة والبسوه ثوب الدين، وهذا نتاج التعبئة القتالية الانتقامية التي لها جذور نفسية عميقة وجدت ما يغذيها من مسوغات ودوافع لا علاقة لها بالاديان.
تزامن هذا الحادث الاجرامي مع قرب صدور رواية «الخضوع» للروائي الفرنسي المعروف ميشيل ويلبيك التي تدور احداثها حول تغيّر هيكلية المجتمع الفرنسي واجتياحه من قبل المسلمين الفرنسيين، مما سيؤدي ذلك الى أسلمة المجتمع الفرنسي وبالتالي انتكاس فرنسا ووقوعها تحت الاحتلال (الاسلاموي) لتعيش حياة مظلمة حيث سيفرض الحجاب في المدارس ويتاح تعدد الزوجات.
وفقا لهذه الثيمة الروائية يمكن استشفاف المخاوف الكامنة لدى المجتمع الفرنسي المنقسم الى اليسار الفرنسي، الذي ينتمي إليه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند والمعروف بحياديته وعدم معاداة المسلمين، على عكس اليمين الفرنسي الذي ما فتئ يطالب بترحيل المسلمين مؤكدين على خطورة وجودهم في المجتمع الفرنسي.
لم تعتبِر صحيفة «شارل إيبدو» من إغلاقها عام 1970 بسبب إساءتها للذوق العام ونشرها رسوما كاريكاتيرية للرئيس والجنرال الفرنسي شارل ديغول، بل مضت في سياستها الساخرة التي أوصلتها ليد الارهابيين الذين لا يعرفون معنى الحريات ولا احترام الاخر او تقبله، فجاءوا مدججين بمتاريس الموت ودفوفه الهمجية الى قلب الصحيفة لتستيقظ فرنسا الحرة على صوت الكلاشنكوف.. في محاولة همجية لاغتيال حرية الرأي والكلمة في بلد ناضل لأجل الحرية وسيناضل اكثر لأجل الحفاظ عليها لكن بلغة إنسانية متحضرة بعيدة عن الرصاص ورائحة البارود والدم.

٭ كاتبة عراقية

رشـا فاضـل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية