المقبرة هي أول فضاء يصادفنا في رواية «الخوف» لرشيد الجلولي الصادرة عن مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء ومنشورات بلاغات بالقصر الكبير، حيث يتحول البطل ابن عبد الله إلى كلب مختبئ في قبر مظلم بمقبرة مولاي علي بوغالب بمدينة «عين الجسر»، وهذه البداية العجائبية التي تذكرنا برواية «المسخ» لكافكا تؤشر على طبيعة المحكي السردي، والتحول الذي لحق بعيسى في حوالي الساعة الثانية عشر ليلا. وإذا كان الليل يرتبط دلاليا بالخفاء والجريمة والهروب وعدم الاستقرار فالساعة الثانية عشرة ترتبط بولادة جديدة لرواية لا تنضبط لميثاق السير- ذاتي؛ لأنها تجمع بين التجريب والتخييل، عبر تقنيات التكثيف والايجاز والإبهام، وعبر خرق العلاقات الإدراكية.
ويستند رشيد الجلولي في روايته «الخوف» إلى صوت الراوي العليم (الرؤية من خلف) ، ليقدم جردا طبوغرافيا لشخصية عيسى بوصفها المكون الأساس للعمل الروائي ولتفاصيله السردية، وتحولاته الدلالية، عبر ما يسميه شارل مورون بالشخصية الأسطورية. فعيسى الحاصل على الدكتوراه في الأدب المقارن، والإجازة في الفلسفة يعاني العطالة، مما جعله يلجأ إلى بيع الخضر والسجائر بالتقسيط، لكن الأمر سينتهي به، وبشكل مفاجئ، إلى قائد عسكري محنك وشرس، وسيخوض حربا سريعة، لكنها في الوقت نفسه مدمرة وقاتلة. وتساهم الصور الجزئية للأسرة والأصدقاء وساكنة عين الجسر في تكوين الصورة الشمولية لهذه الشخصية المركبة نفسيا والمتناقضة اجتماعيا والمختلة أخلاقيا. وبين ثنايا هذه المكونات يدرك المتلقي، بحث الكاتب عن الممكن الأنطولوجي من خلال بحثه في الاحتمالات الدلالية للسيرورة السردية التي تسير في خط أفقي، لكنها تنفتح بين الفينة والأخرى على خطوط عمودية تمتد إلى مآثر المدينة وأعلامها وعلاقاتها الاجتماعية، وخصوصياتها الطبيعية، مما نتج عنه هيمنة الحكاية الأساس (حكاية عيسى)، وفي الوقت نفسه الانفتاح على حكايات صغرى تغير بقوتها الدلالية مجريات السرد وتساهم في خلق دينامية متوالية، من خلال تزايد لحظات التوتر السردي. وتبعا لهذه السياقات فـ»الخوف» لا تقدم حلولا حول المجتمع والأخلاق، بقدر ما تقدم أسئلة حول الإنسان وقضايا الحرب، وهي عمل سردي ينحاز لرؤية مخصوصة مفادها أن الخوف هو المحرك الأساس في السياسة والاقتصاد والطب والفلسفة والإبداع. فالخوف هو المحرك، بل إن مختلف الحروب التي شهدتها البشرية شيدت على غريزة الخوف، فقد خافت أوروبا من سيطرة النازية على التراب الأوروبي وخاضت الحرب العالمية الثانية، وخاضت الولايات المتحدة الأمريكية حربا استخباراتية ضد الاتحاد السوفييتي، خوفا من انهيار نظامها الليبرالي أمام ايديولوجية ماركس ولينين، انتهت بانهيار جدار برلين ومعه المعسكر الاشتراكي، ولا تزال تخوض هذه الحروب مع قوى مختلفة كلما استشعرت خوفها من فقدان مصالحها وهيمنتها على العالم. ولم يتوان الروائي في بناء عالم مواز للعالم الواقعي، وهو ما يفسر الحضور النوستاليجي للأمكنة والأعلام.
ولعل النفس البلزاكي قد ساعده على استجلاء متخيله الروائي وتكريس الاختلاف بدل التماثل، ورصد تحولات شخصية عيسى، وكأنه رصد للذات الإنسانية التي أعلت الحداثة من شأنها وجعلتها مركز أبحاثها وانشغالاتها، حتى سميت العلوم المرتبطة بها بالعلوم الإنسانية، ليتبين لنا عبر هذا العمل أن هذه الذات هي ذات مشروخة نفسيا واجتماعيا وأخلاقيا. ترعرع عيسى بن عبد الله رفقة إخوته وأبويه في سكن صفيحي فوق عمارة متشققة آيلة للسقوط، وبعد الزواج انتقل للسكن في بيت حماه المتوفى، وسيشكل فضاء حي»القطانين» مسكن عيسى البؤرة الأساس التي ينطلق منها ويعود إليها بعد الحرب، وتحفل الرواية بمضامين سياسية متعددة بدءا من انهيار النظام السياسي السابق ذي النظرة الأحادية للعالم، وانتصار (الشورى والديمقراطية)، وهي كلمة مركبة من حقلين دلاليين متناقضين، وكأن الرواية تبرهن على امتداد هذا التناقض من التسمية إلى كافة أشكال الحياة في مدينة «عين الجسر».
رواية «الخوف» تتسم بتداخل قوي لمجموعة من الحقول، لكن النزعة الأخلاقية هي المحرك المهيمن في رواية يحاول فيها عيسى بن عبد الله محاربة الكائنات الشريرة الآتية من وراء بحر العذراء رفقة رئيس حكومة الأرض سفيان الداودي، مقابل السلطة المطلقة للسماوي الذي يتخذ من كوكب البراق مقرا له، ونعثر في الرواية على إشارة إلى مدينة أخرى متخيلة هي مدينة «كارليناس». وتضم قوات الأرض المقاومة التي يتزعمها القائد السقاء وعيسى، إضافة إلى قوات المقاومة الفرنسية والأمريكية والإنكليزية، وهي حرب تدار على أرض الواقع عبر وسائل الإعلام المرئي والمسموع التي تساهم في خلق وقائع تضليلية هي جزء من استراتيجية الحرب. وقد اعتمد عيسى في حربه على الإشاعة التي مفادها اختراق الجنود من قِبَل مجموعة من الإرهابيين الذين يحملون رؤوسا نووية تتفجر من تلقاء ذاتها، مما سهل السيطرة التامة على الجيش ونتج عنه خضوع العالم لسفيان الداودي ولعيسى الذي» لم يسبق له أن حمل السلاح قط، وحين لاحظ أنه يركض كمقاتل محترف، أدرك أن غريزة الخوف البدائية المسؤولة عن تطوير فنون القتال ومهاراته، التي ورثها عن أسلافه الذين كانوا أبطالا في العصور الحجرية، كانت قد استيقظت الآن في جيناته وخلاياه، مانحة إياه القدرة على مناورة القتلة، والعودة إلى الوراء، إلى زمن الغابات والكهوف ليصير مقاتلا لا قتيلا» ص75 من الرواية.
البطل عيسى المقاتل الشرس تنتابه بين الفينة والأخرى لحظات غيبوبة فيرى أشياء مختلفة، وفي أزمنة مختلفة ومتباعدة، بل إن هذه الغيبوبة تصيبه في أشد اللحظات صعوبة أثناء الحرب. ويتسم هذا العمل السردي المخصوص بتعدد أبطاله (عيسى، جوني عامل المطعم، زوجة عيسى وابنته، الخالة مسعودة، العجوز إسماعيل، الضابط السقار، عبد القاهر الوزير..)، وتنوع المصائر في حركية دائرية للأحداث وانفتاح ذكي على وقائع سجلية مثل ظاهرة هجرة اليهود المغاربة إلى فلسطين، خاصة بمدينة القصر الكبير، حيث كان أغلبهم يسكن «الملاح» وحارة» القطانين» وحارة»الديوان»، إضافة إلى تحول الفضاء مثل ساحة «سوق الصغير» التي ستشهد رحابه حربا مغايرة للتي خاضها عيسى في مدينة «عين الجسر»، وهي حرب قادتها جمعية المدرسة الأهلية ضد السلطات المحلية والمجالس البلدية، من أجل تشييد منطقة خضراء، وهذا الانفتاح على السجل التاريخي سمح له باستحضار أعلام من مدينة القصر الكبير مثل عبد السلام عامر ومحمد الخمار الكنوني، ولعل هذه الإشارة هي ما جعلت هذه الزمنية ترسم اتجاهاتها المتنوعة بوعي في الماضي غير القابل للاختزال، بحثا عن الفرادة الممكنة بفعل التخييل، فضلا عن الأنساق النفسية التي لا ترتبط فقط بـ»الأنا»، بل بفاعلية مرتبطة بالغيرية المولدة للصراع وللحرب المخيفة وللكيفيات التي دارت بها هذه الحرب بين «الأنا» الفاعل والغير وبالتحول الفانتاستيكي. والعجلة لا تثمر، ولا تزهر. إن أهم ما ينتج عنها هو الخوف حسب تعبير إرنستو ساباتو. لكن لماذا اختار رشيد الجلولي الخوف ثيمة رئيسة لعمله الروائي؟
سؤال نجد له جوابا واضحا في ثنايا المتن الروائي وتفاصيله، خاصة في الصفحة 139، حيث الغير تعبير عن عالم ممكن حسب تصور جيل دولوز. لكن الخارجي في هذه الرواية يحيل على هوية الداخل بما هو اختلاف عن التمثلات الناتجة عن هذا الصراع، وعدم الحسم مع المشكلات. لأن محاولة فهم سبب إصرار الروائي رشيد الجلولي على ربط بطله بالحيوان، لا تتضح عناصره وصلاته إلا في نهاية الرواية. ذلك أن التنكر للأبوة والصداقة والشرف والنزاهة يحول الإنسان إلى حيوان متوحش. وقد ساهمت فضاءات مدينة عين الجسر في تحول مسار عيسى وكشف خبايا شخصيته المتناقضة، فهو العاشق للشعر والحرية، والمحارب الرهيب المدمر لمدينته في حرب ضروس لم تستمر لأكثر من أربع ساعات. رواية «الخوف» كتبت بلغة واصفة تمزج بين الوصف الكلاسيكي الذي يتوخى التعبير بالصور الروائية وبين التجريب الذي يتوخى خوض مغامرة جديدة ترتبط بالشكل الروائي، وبين التخييل الذي يعتمد على طاقة دلالية تنتج معاني سردية متعددة. وتحمل رواية «الخوف» مضامين اجتماعية متعددة ترتبط بالأسرة والعائلة ونظام القرابة، وتفاصيل بطبيعة المعيش اليومي لمدينة عين الجسر. وجنس الرواية بما اتسم به من عمق تاريخي وطاقة تصويرية وقدرة على استيعاب مختلف التحولات، مكن الروائي رشيد الجلولي من رصد ظواهر مختلفة برؤية سردية تتسم بحكاية أساس تتطور بشكل أفقي تتوسطها حكايات صغرى في تماسك وتشاكل لإعادة تشكيل الواقع روائيا. و»الخوف» تقدم (بورتريهات) متعددة، أولا شخصية عيسى: شخصية مثقفة متسلطة، حالمة ومتشظية تتسم بقدرتها على استيعاب مختلف التحولات. وثانيا بورتريه المكان عين الجسر أو القصر الكبير. لا يحضر هذا البورتريه بوصفه مظهرا روائيا في الرواية، بل بوصفه فضاء محركا لتطور السرد ولرصد تحولات شخصية عيسى وما نتج عنها من دمار وتقتيل. وثالثا بورتريه الحرب: حرب شرسة تخوضها مدينة عين الجسر لا تتجاوز أربع ساعات، لكن الدمار الذي خلفته كان مدمرا. والرواية رصد لمحنة المثقف وعلاقته بالمجتمع والسلطة، ومن ثمة فهي رواية هجاء ساخر وتهكم من المثقف الرمادي. و حضور الميتا- تاريخ والتعالي بالمكان إلى درجة الأسطرة هو الذي مكن رشيد الجلولي من خلق حكاية تخييلية لواقع مفترض يقع على تخوم الواقع المرجعي. وهي تكشف التماس الفكري بالجمالي بطرائق تزاوج بين روح الرواية الكلاسيكية، كما هو الحال في رواية «الأبله» لدوستوفسكي والرواية الجديدة لـآلان روب غرييه وميشيل بوتور، ورواية تيار الوعي لدى فرجينيا وولف وجيمس جويس، ورواية العبث، كما هو الحال عند كافكا. ورواية «الخوف» لا تبتعد عن هذه المرجعيات، مع حرص الروائي على بصمها بهوية كتابية تزواج بين المألوف والخارق، لأنها تعكس استجلاء متخيل خصب يراهن على الانتماء للمدونة الروائية في المسافة الفاصلة بين الدفاع عن الحرية والتمرد. ولا تنحصر أهمية هذا العمل السردي في هذا المنعطف فحسب، بل في طبيعة مرجعياتها الفكرية والجمالية، وفي رهانها على الاحتمالات الكبرى للحياة، ولعل الخوف من الموت والرغبة في البحث عن الخلود هو، ما حرك رشيد الجلولي للبحث عن الممكن الأنطولوجي. وتفصح نهاية الرواية عن تحول في السرد والرؤية مما يفتح الباب أمام تطور الأحداث على نحو يترك النص مفتوحا على تأويلات عدة لأنها تكشف التماس الفكري بالجمالي عبر مزاوجة بين الميتا تاريخ و المتخيل الواقعي.
٭ كاتب مغربي
عبد السلام دخان