يا نبيّ الله في الشّعر ويا عيسى بن مريمْ … أنتَ من أشعر خلْق الله ما لمْ تتكلّمْ
مخلّد بن بكّار الموصلي
في تاريخ الآداب عند العرب وغيرهم، ظواهر قلّما التفت إليها الدارسون؛ ومنها ما يتعلّق بذوي «العاهات» المستديمة، من كتّاب وشعراء، أو ما نسمّيهم اليوم «ذوي الاحتياجات الخاصّة». ومن أشهرهم قديما هوميروس وبشّار بن برد والمعرّي. ومن المعاصرين ملتون وبورخيس وطه حسين.
وليس المقصود هنا رؤية هؤلاء للحياة، وإنّما الأثر الذي أحدثته «العاهة الجسديّة» في خطابهم الأدبي، أي النظام اللغوي، وطرائق تصريف اللغة وإجرائها على غير المألوف في استعمالات الناس اللغويّة. وقد أشار جاكوبسون إلى هيمنة التّراكيب الاستعاريّة في الأناشيد الرّوسيّة الغنائيّة، وإلى اطّراد الإجراء الكنائيّ في الملحمة. وتمثّل بالكاتب الرّوسي غليب ايفانوفيتش 1840/1902 وقد عانى في آخر حياته من حبسة واضطراب في الكلام، ولم يعد بميسوره أن يزاوج بين اسمه ولقبه. وهذا في نظر جاكوبسون مثال على اضطراب المماثلة أو المشابهة، يفسّر في جانب منه نزوع هذا الكاتب إلى التّعبير الكنائيّ بدل التعبير الاستعاري.
وكان أحد شعراء العرب الكبار، ونعني أبا تمّام يعاني تمتمة وحبْسة وسمت شعره بميسم قد يخفى على الكثيرين. على أنّ معرفتنا بالحبسة التي كان أبو تمام يعاني منها، محدودة جدّا، لا تعدو إشارات جاءت مقتضبة في بعض المصنّفات القديمة. ولكن لا أحد من القدامى التفت إليها أو التمس فيها علاقة ما بلغته أو بأسلوبه، بل هي إشارات متناقضة، فقد نسب الصّولي إلى أحدهم قوله: «كانت فيه (أبو تمام) تمتمة يسيرة، وكان حلو الكلام فصيحا، كأنّ لفظه لفظ الأعراب». وأورد البيتين اللذين افتتحنا بهما هذا المقال، وهما يُنسبان أكثر ما يُنسبان إلى مخلّد بن بكّار الموصليّ، وفيهما تعريض بحبسة أبي تمام أو تمتمته.، بل إنّ الصّولي يكاد ينفي عنه هذه الحبسة، فهو يعدّها مجرّد تمتمة يسيرة، ويذكر في موضع آخر من كتابه أنّ أبا تمّام كان مليح الحديث كثير الفكاهة. ومن المعاصرين لم تسترع هذه «الحبسة» سوى سيّد عبد العزيز الأهل ومحمّد عطا والمستشرق الألماني يوهان فك. وقد خلص الأوّلان إلى أنّ إسراف الشّاعر في البديع كان عرضا من أعراض الحبسة، وكأنّ أبا تمّام لم يكن من ذوي البيان واللّسن والبديهة؛ على ما أثبته القدامى.
وقطع يوهان فك، من دون أيّ تعليل بأنّ الحبسة لم تؤثّر في أسلوب الشّاعر، يقول: «وكان أبو تمام يعاني حبسة تعوق حرّية تعبيره، بيْد أن هذا لم يؤثّر في أسلوبه». وهذا كلام فيه تناقض لا نخاله يخفى؛ فالباحث يقرّ بأنّ هذه الحبسة كانت تصرف أبا تمّام عمّا يريد من القول وتحبسه عنه، وتقيّد حرّية تعبيره. ولكنّ هؤلاء قلّما ربطوا هذه «الحبْسة» بإكراهات الكتابة الشّعرية عند أبي تمام. ونجد في بعض الدراسات اللسانيّة، من يذهب إلى أنّ اضطراب ملكة الانتقاء اللغوي، ينجم عنه عطب أو فساد في مستوى اللّغة الواصفة. أمّا إذا أصاب الاضطراب ملكة التّركيب، فإنّ قدرة المحافظة على تسلسل الوحدات اللّغوية وما يفترض فيها من تأليف أجزائها واتّصال بعضها ببعض، هي التي تضعف؛ وقد تنضب جزئيّا أو كّليا. فلا غرابة أن تنتقض علاقة المماثلة في النّمط الأوّل، فتستحيل الاستعارة، وأن تنتقض علاقة المجاورة في النّمط الثاني، فتستحيل الكناية.
أمّا في منتحى القول العاديّ أو المألوف، فإنّ هذين الإجراءين كثيرا ما يتلازمان أو يتحاذيان؛ بسبب من تأثير الأنماط الثقافيّة أو الشّخصيّة. وما بين شد هذا وجذب ذاك، يتكشّف الأسلوب المميّز والاختيارات اللّغويّة في فنّ مثل فنّ القول، خاصّة حيث التّفاعل بين هذين العنصرين يسِمُ كلّ مستويات القول الصّرفيّة والمعجميّة والنّحويّة والتّركيبيّة، بل العروضيّة والإيقاعيّة أيضا التي تتفاعل فيها علاقتا المشابهة والمجاورة. وقد تظهر إحداهما في مستوى بينما تخفى الأخرى.
من ذلك ما نقف عند بعض المعاصرين من الذين بحثوا في أسباب شيوع الغريب الوحشيّ في شعر أبي تمّام. فقد أرجعوا ظاهرة الغريب في شعره إلى الحبسة، والألفاظ الصّعبة القويّة إلى الصّوت الأجشّ مثل عبد العزيز سيّد الأهل: «وتبدو لنا صلة بين الحبسة التي في لسانه وبين اختياره اللّفظ الصّعب الغريب، فما دام أبو تمّام لا ينشد شعره دائما فماذا يضيره إن كان اللّفظ صعبا؟» ولا يفوتنا ما في هذا التّحليل «النّفسيّ» من حكم يرسله صاحبه حقيقة مطلقة؛ فهو يصل بين الحبسة والألفاظ الصّعبة الغريبة، ثمّ بين هذه والإنشاد من جهة، وصوت أبي تمّام الأجشّ، من جهة أخرى. فالحبسة عنده نقص و»تعويض النّقص قانون من قوانين الحياة». وإذا كان ذلك كذلك وكان التّعويض قانونا لا مناص منه؛ فإنّ أبا تمّام لم يكن مخيّرا إذن في اصطفائه هذه الألفاظ الغريبة العويصة دون السّهلة المأنوسة؛ وإنّما هي ألمّت به على غير إرادة منه، إلاّ أنّ الباحث لا يفطن إلى ما يعتري حديثه من تناقض. وعليه يقرّر أنّ الشّاعر إنّما انتقى هذا المعجم عمدا؛ لأنه يناسب جشّة صوته أي غلظة خشونته. ولا نفهم ما الذي أحوج أبا تمّام إذن إلى غلام راوية بِدْلٍ، حسن الصّوت ينشد شعره، إذا كان بإمكانه أن يؤدّيه بنفسه، مادام يجد ألفاظه في صوته ونغمته وفي جرسه ونبرته؟
في السّياق ذاته، تناول محمّد عطا ظاهرة الحبسة عند أبي تمّام، وأرجع التّمتمة إلى شعور بالخوف متأصّل في طفولة أبي تمّام، ثمّ فرّع هذا الخوف «المزعوم» إلى أسباب عامّة وخاصّة. أمّا العامّة فمردّها إلى تأثّر الشّاعر بحروب القيسيّة واليمنيّة، وما كان يسود بلاد الشّام، بسببها، من ارتباك اجتماعيّ وسياسيّ. وأمّا الخاصّة فمردّها إلى نشوء الشّاعر فقير الأبوين، من جهة، وإلى خوفه من الموت، من جهة أخرى، وهو الذي فقد إخوته وابنه في عام واحد.
على أن مثل هذا التّأتّي لا يصرفنا عن أن نفترض على هذه الظّاهرة (الحبسة) افتراضاتنا، آخذين بالحسبان جملة أمور لم يعن بها أيّ من هؤلاء المعاصرين. فالعلاقة بين أعراض الحبسة وبعض أشكال الخطاب، من الموضوعات التي عالجتها المباحث اللّسانيّة والإنشائيّة الحديثة على ما أسلفنا. وفي إشارات جاكبسون الدقيقة إلى أنّ اضطراب المشابهة يرتبط بالاستعارة، وأنّ اضطراب المجاورة يرتبط بالكناية ما يغري بطرح هذه الظاهرة، من منظور لغوي خالص. وقد بيّن أنّ اضطرابات الكلام يمكن أن تنال، وإن بنسب ودرجات متفاوتة، من كفاية الفرد اللّغوية ومن قدرته على تركيب الوحدات اللّغوية وانتقائها. والوقوف على أيّ من هذين الاجراءين يصيب منه الاضطراب أكثر، أمر في غاية الأهميّة: لوصف الحبسة وتحليلها وبيان أنواعها. ولذا فإنّ ما يعنينا هو التّمييز بين نوعين رئيسين من الحبسة، يتحدّد في ضوئهما إن كان القصور الأساسيّ، يرجع إلى الانتقاء والاستبدال، فيما يظلّ التّركيب والنّسيج اللّغويّين مستقرّين نسبيّا، أو إن كان مردّه إلى التّركيب والنّسيج، من دون فقدان إجراءات الانتقاء والاستبدال المعهودة فقدانا تامّا.
أمّا في الحبسة الرّاجعة إلى قصور في الانتقاء، فإنّ الجمل تدرك من حيث هي بقايا أو آثار حذف أو إضمار وإيجاز تستكمل جملا قيلت سابقا أو هي مما يتخيّله محبوس اللّسان، أو يتلقّاه من مخاطب حقيقيّ أو متخيّل. وفي هذا النّوع فإنّ الكلمات الجوهريّة يمكن تجاوزها أو تعويضها ببدائل تكراريّة مجرّدة تتمثل في ابتداء عدّة عبارات بلفظة واحدة، أو كأنْ يستبدل اسم خاصّ باسم أعمّ. ولذا فإن السّياق في هذا النّوع من الحبسة عامل لا غنى عنه، أو هكذا يفترض فيه. ولكنّ المسألة ـ على ما يبدو من الدّراسات اللّسانيّة الحديثة ليست بهذه البساطة؛ الأمر الذي يستدعي مراجعة المقولة اللّغويّة التي ترى أنّ اللّفظة مفردة ليس لها من دلالة خارج السّياق الذي ينتظمها.
والقول بسريان هذه المقولة (المصادرة) يحتاج إلى وقفة أو بعض وقفة، كلّما تعلّق الأمر بالحبسة أو بنوع منها. فقد بيّنت الدّراسات أنّ وقوع كلمة بعينها مرّتين في سياقين مختلفين لا يعدو، أكثر من كونه تجانسا بسيطا. والمتجانسات لا تؤدّي ما تؤدّيه الألفاظ الواضحة من حيث الإخبار والإبلاغ ونقل المعلومة. ولذلك ينزع صنف من محبوسي اللّسان إلى إحلال المتغيّرات السّياقيّة للكلمة الواحدة نفسها، محلّ ألفاظ مختلفة يتعيّن كلّ منها، تبعا لمقام القول وملابساته. ويمكن أن نعتبر هذا الاستبدال مظهرا من مظاهر اللّغة الواصفة ينشد منه المرسل، كلّما أحلّ إشارة «مشكلة» محلّ أخرى تنضوي إلى الدّليل اللّغويّ نفسه، أو بمجموع إشارات من الدّليل، أن تكون رسالته سهلة البلوغ بحيث يتيسّر فكّ رموزها. أمّا إذا تركّزت الحبسة في قصور عن تسمية الأشياء بأسمائها، فقد لا يعدو ذلك أكثر من كونه نوعا من فقدان اللغة الواصفة.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي