شعوب ثائرة ودول تعيد بناء نفسها

إن الانتقال الديمقراطي مسؤولية وطنية وليست مسؤولية حزبية، والمهم ليس من يحكم بل كيف يحكم؟ وما أعلمه أن الأحزاب العلمانية والقومية لم تترك وراءها أرشيفا ديمقراطيا حتى تجادل في الديمقراطية.
ويبدو أن الاسلاميين الذين اعتبرنا سابقا أنه من حقهم أن يجربوا الحكم – وهم الذين قضوا وقتا طويلا في التنظيم والنضال السياسي دفعوا خلاله ثمنا باهظا يماثل ما دفعه اليسار زمن الديكتاتوريات – قد أثبتوا فشلا ذريعا في تجربة الحكم عندما اعتبروه غنيمة للاقتسام وفق شرعيات موهومة وخاطئة، من ذلك أن شرعية السجن تعني شرعية السلطة والجهل الصريح بآليات تسيير الدولة، فالمحاصصة والاقتسام أفضت إلى غياب الفصل بين مطالب الحزب ومطالب الدولة ومطالب المجتمع ومطالب الفرد المواطن.
هكذا اذن، نناضل طويلا من أجل الديمقراطية كي نفشل في ممارستها، ويغيب الى الآن فصل المقال في فهم ألف باء الفكر الديمقراطي والحياة المواطنية. فالديمقراطية هي تحول الحالة الوطنية من شعب في خدمة  النظام الى نظام في خدمة الشعب، واذكاء صفة المواطنة والتخلص من السلطة الرعوية والأنظمة التسلطية و»شخصانية السلطة» بما تعنيه من تعظيم دور الشخص في الحياة السياسية على حساب التنظيم والايديولوجية. فالشعوب عادت إلى الفاعلية التاريخية، وانتقلت بإرادتها من ثقافة الخنوع والأمر والطاعة «ما لجرح بميت ايلام» الى ثقافة الإرادة والفعل «الشعب يريد…». وعليه فألف باء الديمقراطية تكمن في معاملة الناس على أنهم مواطنون لا رعايا، ولا يكون ذلك من دون ضمان الحريات العامة وحقوق الانسان، وتهيئة الأرضية للتعددية السياسية والثقافية، وتمثيل الشعب تمثيلا حقيقيا يضمن أن يكون له رأي في خيارات بلاده الاقتصادية والاجتماعية، وتجنب الاقصاء والأحادية في الرأي والتصرف. وقد لا يكون ذلك متاحا من دون العمل على خلق برامج حقيقية لتشكيل ملامح حياة ديمقراطية مواطنية، تدفع نحو تسييس الشعب والارتقاء بالوعي الجماهيري وليس تصحيره ثقافيا وسياسيا وتغييبه عن قضاياه الحقيقية، كما هو شأن الديكتاتوريات الساقطة والمتساقطة التي تمثلت جيدا ببيت الشعر العربي «إنما العاجز من لا يستبد». ولعله السبيل لتجنب حصول حركات ارتدادية عادة ما تكون في تاريخ كل ثورة ـ الثورة والثورة المضادة. والأخطر من ذلك انسياب الاعتقاد الخاطئ في أن الاستقطاب الثنائي إلى علمانيين ومتدينين إنما هو تقسيم سياسي، لأنه من الممكن أن يصبح انقساما هوياتيا، وهو أمر يدفع إلى انشراخ المجتمع وإلى احتراب على الهوية.
وعلى هذا الأساس فالمهمات الأساسية أمام الاتحادات  تكمن اليوم في طرح القضايا العامة للمجتمع وليس الجزئية، وهي أساسا القضايا المتعلقة بالحرية والعدالة الاجتماعية وبالمواطنة وحرية المرأة وحرية الإعلام والصحافة، وأيضا بممارسة أجهزة الأمن لسلطات قمعية تحت تبريرات مختلفة، لعل أهمها حماية المجتمع من خطر الارهاب والتطرف، ما من شأنه أن يفضي إلى تغول المؤسسة الأمنية وعودة الفاشية والديكتاتورية الأمنية. وهو ما يهدد المهمة الرئيسة التي تخول للقوى التقدمية والتحديثية، وهي بناء الهوية الوطنية الجامعة التي تقي الوقوع في فخ الانقسام القبلي أو الإثني أو الطائفي، وبمعنى أدق سيطرة العلاقات التعاقدية بين الأفراد وتفوقها على العلاقات الطبيعية الوشائجية (العشيرة- القبيلة- الطائفة ـ المذهب) التي تغيب المجتمع الكلي المتكامل، وتحوله إلى جزئيات متناحرة ومتنافسة فيما بينها، بما يفضي في المحصلة النهائية إلى دولة ضعيفة تنتج حالات انفصالية وليس مجتمعات مدنية متقدمة تعمل على تطوير المجتمع ومراقبة مؤسسات الدولة، التي تميز نفسها عن النظام ولا تتماهى معه فتساهم في تغوله. وهو ما يستدعي العنف لتكريس شرعية موهومة تستخدم آليات القسر والإملاء والقوة، لتركيز ديمومة النظام على حساب إرادة المواطنين، وهو أحد أهم علامات ضعف الدولة وتراجعها وبداية نخرها من الداخل بما يسهل انقضاض أعدائها عليها.
ذاك شيء من فهم يدفع باتجاه القول إن الصراع الحقيقي اليوم هو صراع «القوى» داخل المجتمع، يوازيه صراع «القيم» داخل المجتمع، والحل قد يكمن في ايجاد صيغة تناسقية وتوفيقية تجمع بين ما هو «طبيعي» وما هو «خلقي»، فما من صراع بين الأفكار الا وهو يخفي صراعا بين أشخاص بتعبير جوليان فروند. وقد لا تمنعنا الديمقراطية المتدرجة من أن نكون حاضرين في لعبة الحقيقة والخطأ التي هي لعبة العالم. وعلى هذا الأساس نحن في حاجة الى مزيد من التعرية الأركيولوجية والثقافية لكل المعوقات، من تصورات خاطئة ورواسب دفينة ترسخت على هيئة مسلمات لا تناقش، وشكلت بذلك عقبات فكرية وابستيمولوجية ضد أي تحرك عربي أو انطلاقة نهضوية وحداثوية حقيقية .
يبدو أن تردد صانعي القرار داخل الأقطار العربية وتشتت الرأي العام الذي أسهمت فيه انتهازية النخب السياسية، كما أن صراع  التيارات الفكرية بشأن خيارات المستقبل تغيب النظر في الضرورات الملحة والقضايا المهمة، ومنها البحث في كيفية الارتقاء بآليات التأقلم الايجابي مع مخاطر العولمة، وكيفية الاسراع بخطى تعظيم القدرة التنافسية على مستوى مشروعات الأعمال والسوق الصناعية والتجارية، بما يؤثر ايجابا على مستوى المجتمع وعدالة نظاميته، وأيضا تفعيل سياسات حقيقية لتعبئة القدرات المتاحة قطريا وعربيا للحاق بالثورة التكنولوجية في موجتها الأحدث .
والأهم في كل ذلك البحث عن امتلاك رؤية استراتيجية يواجه بها العرب  موجات العولمة وايديولوجية الليبرالية المفرطة التي تعامل بها الغرب مع المنطقة، ضمن تحديات النظام الدولي الجديد الذي تكثر فيه ازدواجية المعايير ولبوس الأقنعة والكيل بمكيالين. وتتعثر فيه الانسانية أمام امتحانات حقيقية لعل أهمها الاحتلال الكولونيالي والاستيطاني المباشر والأخير لفلسطين، في عالم تواصل فيه القوى الكبرى إدارة الأزمات من دون العمل على حلها.

٭ باحث في الحضارة من تونس

لطفي العبيدي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية