نواكشوط ـ«القدس العربي»: قهر ملثمو موريتانيا الأشاوس عبر تاريخهم الطويل، جبال الصحراء الوعرة وأسسوا فيها العديد من المدن التي شكلت روابط وملتقيات حضارية وعلمية وتجارية للقوافل العابرة للصحراء الكبرى، وبقيت شاهدة على تاريخ عريق.
ولعبت المدن التاريخية الموريتانية دورا مهما في نشر الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى في عملية تبادل وأخذ وعطاء أدواتها المحطات والقوافل التجارية، وأفواج الحجيج.
ومن المدن التاريخية الهامة التي تأسست عبر تاريخ موريتانيا، مدينة قصر البركة النائمة بين أحضان جبال تغانت مطلة على وديان تامورت انعاج الخصبة، جامعة بين وعورة الجبل ونعومة الوديان الخصبة.
تاريخ وموقع
وتقع المدينة في شمال وادي تامورت أنعاج عند التقاء مصبي الواد الأبيض وواد لمريفق على بعد ما يقارب الـ 60 كلم من قرية أنبيكه أكبر الحواضر في هذا الوادي الخصب الفسيح ذي الروافد الكبيرة.
ويقول الباحث محمد الأمين ولد يحي عن المدينة «أن مدينة انبيكة أسست على أنقاض مدينة قصر البركة؛ وتقع أنبيكه على مرتفع صخري بنى عليه المستعمر الــفــرنـسـي مستهل القرن الماضي، ثكنته العسكرية الشــهيرة التي ما تزال معالمها موجودة وسط المدينة، والتي شكلت لسنوات نقطة مراقبة مهمة في وسط موريتانيا، لموقعها المتميز على مشارف هضبة سلسلة جبال الموريتانيد، مطلة على منطقة زراعية ورعوية مهمة، تشمل أكبر رقعة إنتاجية وأكبر عدد من السكان.
ملاحم وإخلاء
ويقول الباحث الموريتاني عبد الله ولد سيدى محمد «إن منطقة قصر البركة سجلت في يومياتها ملاحم بطولية مشهورة لأجداد قبيلة «كنته» عموما سواء على مستوى المقاومة المسلحة للاستعمار الفرنسي أو على مستوى الحروب القبلية السابقة التي كانت قبيلة كنته طرفا فيها».
ويضيف «كان للحروب القبلية والخلافات البينية دور في هجرة السكان عن مدينة قصر البركة التاريخية، غير أن عوامل أخرى لاحقة كالجفاف وتنامي وانتشار الواحات في مناطق مختلفة من الوادي ربما كان لها الدور الأكبر في فشل محاولة إعادة إعمارها على يد أحد أعيان المنطقة بالتعاون مع المستعمر الفرنسي الذي اختارها في البداية مركزا لتواجده قبل ان يعدل عن ذلك لأسباب استراتيجية. ثم إن بروز مراكز استقطاب منافسة في التامورت مثل أنبيكه في الوسط ( 1970م تحديدا) ودار السلام وانتاكش وغيرهما، كان له كذلك دور كبير في إفراغ قصر البركة من ساكنتها وتركها تحت رحمة الخراب تواجه عوامل التعرية التي لم تترك سوى بقايا جدران ومئذنة تصدح بنداء الاستغاثة وتشهد على أن هذا المكان قد آوى في سالف العصر والأوان مدينة عامرة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان».
عزلة واستقطاب
تتبع مدينة قصر البركة من الناحية الإدارية لمقاطعة المجرية التي تبعد 170 كلم عن مدينة تجكجه عاصمة ولاية تكانت التي يتبع لها الجميع إداريا. وقد شهدت المنطقة بكاملها في العقود الماضية جفافا وتصحرا وعزلة كبيرة لكن الطريق الجديد رد إليها الأمل والتفاؤل حيث نشطت في استقطاب السياح ورجوع الساكنة إليها بعد الهجرات المتتالية التي كادت أن تفرغها من سكانها الأصليين.
يصف الباحث الوصول إلى قصر البركة فيضيف «يمر القادم من نواكشوط عبر طريق الأمل بالمقطع الرملي بين مدينتي صنكرافه والمجرية، وعند الوصول إلى المجرية ذات الموقع الجميل بين الكثبان الرملية والسلسلة الجبلية يتعين عليك للوصول إلى قصر البركة الصعود عبر ممر «أشتف» الوعر والساحر في آن، فلا بد أن يأخذك جمال منظره وأنت تنظر من علياء إلى مدينة المجرية في السفح وهي أسفل منك وكأنها قطعة شطرنج على أديم ذهبي من رمال تراها مد البصر وقد طرزتها الشجيرات بما تخاله من بعيد، وشما على التلال الساحرة».
تماسيح وآثار
ويقول «قد تكون للباحث عن الآثار في المكان وقفة، فثمة على القرب من المجرية مواقع أثرية هامة مثل خزان «كانكارا» للحبوب الذي يرجع تاريخه إلى أكثر من ألفي سنة، بعد الصعود عبر ممر «أشتف» على الطريق الاسفلتي الوحيد وعلى بعد 18 كلم شرقا هناك حين تنبسط الأرض وتتنوع التضاريس من هضاب فسهول فكثبان ستجد نفسك في الحضن الدافئ لأشجار وادي «التامورت» وإلى الجنوب الشرقي من الوادي يقع حوض «مطماطه» الذي توجد فيه أنواع من الحيوانات من بينها عدد كبير من التماسيح البحرية، وحين تتجه إلى الشمال من قرية أنبيكة واسطة العقد في تامورت أنعاج عبر مجرى الماء في الوادي فأنت على موعد مع حوض آخر يعتبر الخزان العام الذي تتجمع فيه كل المياه التي تمر عبر مصب وادي تامورت أنعاج، إنه حوض «كبو» بكاف معقودة، وهو أكبر حوض للمياه في المنطقة كلها. وغير بعيد من هناك يتعين عليك تتبع المسالك الوعرة في طريق غير معبدة إلى الشرق من «كبو» على بعد كيلومترات معدودة لتحظى بشرف زيارة مدينة قصر البركة التاريخية.
مراحل التأسيس
يعود تاريخ بناء مدينة قصر البركة إلى نهاية القرن الـ17م على يد مؤسسها العالم الرباني الطالب سيد امحمد بن باجد رحمه الله، وقد اختفت هذه المدينة التاريخية بشكل شبه كامل غير أن بعضا من آثارها ما زالت شاهدة على عراقتها مثل المسجد وجدران بعض المنازل.
وينتهي نسب مؤسس قصر البركة إلى الشيخ سيد أحمد البكاي الولاتي ولد الشيخ سيد امحمد الكنتي الكبير ذي النسب المتصل بعقبة بن نافع الفهري.
ووصل مؤسس قصر البركة الطالب سيد امحمد ولد باجد، حسب المصادر التاريخية، إلى موقع المدينة، قادما من حاضرة وادان المدينة التاريخية.
وكانت المدينة تسمى «لكصر» وهي عبارة افريقية تعني الحاضرة، ثم سماها المؤسس حين قدومه باسم قصر البركة تيمما منه بطلب العلا والفأل الحسن، وحرصا على ترسيخ أواصر الحضارة الإسلامية والثقافة العربية.
وقام الطالب حين قدومه إلى القصر ببناء المسجد طبق الأصل لتصميم هندسة مسجد مدينة وادان التاريخية، لكن معظم آثار هذا الجامع تهدمت واندثرت تحت ضربات عوامل التعرية، بيد أن آثاره لا تزال قائمة يمكن مشاهدتها حين زيارة المسجد والآثار القديمة المحيطة به، التي كان الطالب قد بناها حول المسجد وهي حوالي 1047 منزلا، ساعده في عملية هندستها ومعمارها وافدون تولوا بناء الجانب الشرقي من المدينة آنذاك.. وعندما توفي الطالب تولى خلافته أحمد سنة 1837م فقام ببعض الرتوش على المسجد والترميم حول المدينة، حيث قام بتوسيع دائرة المسجد الذي كان عبارة عن(21) ذراعا مربعا إلى (100) ذراع واكتفى ببناء المنازل وزاد عددها بجانب المسجد.
قلعة حضارية
وتطورت مدينة قصر البركة بسرعة نتيجة لوجودها ممرا للنقل والتجارة، وبفعل توسطها لبعض الجيوب الجغرافية الغنية حيث يوجد فيها الواد الأبيض الذي يمتلئ بمياه الأمطار في فصل الخريف وكذلك خزان كبو الزراعي، إضافة إلى موقعها السياحي الجميل.
ولا تزال مدينة قصر البركة ماثلة حية وإن كانت مهملة، تتحدى الواقع بألوان قصصها ونسج خيال معالمها، شاهدة على عصرها الفريد بجماله، ومظهرة بحجرها ومدرها الثمين عراقتها وأصالة بناتها.
شموخ وصمود
بقي قصر البركة بآثاره محفورا في صميم التاريخ، وقلعة حضارية لا تزال شامخة المعالم بارزة الوجنات، ورمزا للممانعة والتحدي، والثبات بين الجبال الحصينة والعصية، حيث كان قلعة المقاومة الأبية في الشمال الشرقي الموريتاني الرافض لولوج المستعمر غداة دخوله، محاولا دك حصون تكانت واجتياح جبالها آنذاك.
يشاهد القادم إلى مدينة قصر البركة عند مدخلها الجبل الذي لا يزال منتصبا بوقار شرقا كشيخ هرم يحكي قصة عبر ملايين الحقب، ويعرف هذا الجبل باسم «أنكش» مما يزيد بهاء ورونق منظرها، كأنه تمثال حصين أو حارس أمين لفتاة مؤتمنة له تكتنز آلاف الكنوز الذهبية. ويرى القادم أبنية المدينة التي لا تزال تتحدث باسهاب عن نفسها بآلاف القصص كشاهد عيان عن ذلك الخراب أو كأديب توفي قبل سرد روايته.
وفي داخل المدينة يشاهد الزائر الباحة الداخلية تتخللها مداخل وأزقة تحيط بالمسجد الذي أسست فيه المدرسة الإسلامية، ليصل بعد ذلك للمكتبة الحاضنة لمراجع الأدب والتاريخ، ليبهره الطابع المعماري للبناء، حيث زينت الجدران بالفسيفساء المصممة من أشكال الحجارة الصماء (المستقاة من المعمار الولاتي الموريتاني الأصيل) والذي يوحي بالخبرة الفائقة في مجال المعمار والتطلع إلى أشكال الفنون والهندسة والمزج بين التراث الشنقيطي العتيق باختلاف أجناسه، أما الأروقة والحجرات فهي مفروشة من الداخل بالصفائح المنقوشة بالزخارف، وتلتف حولها الأبواب التي تمثل المداخل والمتاريس المطلة على النوافذ والزقاق التي كانت تستعمل في عمليات الحراسة والمداومة على منافذ الأبواب والبوابات، وأشهر هذه الأبواب المدخل الذي كان يفتح لقوافل التجارة عند قدومها، والمدخل الأمامي المطل على مقبرة العلماء، وقد افتتحت هذه البوابة تكريما خاصا لهم لتقرب مزارهم للزائر وهم نخبة الزنوج الذين اعتنقوا الإسلام على يد الطالب سيد امحمد مؤسس المدينة ودرسوا عليه علوم القرآن والفقه حتى حفظوا القرآن وبعض العلوم الأخرى.
أضرحة خارقة
وتتميز هذه المقبرة بالأضرحة التي صفت بأحجار سمراء داكنة، وباختلاف هذا اللون تختلف أيضا أطياف الروايات الشفهية التي تنسج حول هؤلاء الأموات أو تنسب إليهم، مثل الحكاية التي تروى بوجود قبر لأحد الصحابة الأجلاء ويمتاز عن الأجداث الأخرى بطوله وسمكه وإسمه المنقوش على نعشه الذي هو مطاع بن الطعطاع.
والمثير للدهشة أن هذا الموروث الحضاري تنسج حوله ملايين القصص التي رويت لنا متواترا عليها، ومن الغريب قصة من تسميه الروايات «إمام المقبرة أحمد عبد بن بوبالي» الذي يزعمون أن أذانه يسمع وقت صلاة المغرب بين الأضرحة.
أما من الناحية الترفيهية فتوجد وسط مدينة قصر البركة صخرة بيضاء كروية الشكل يقال إنها خاصة برياضة الأبدان وتنمية العضلات بحمل الأثقال.
وأمام هذه المدينة معالم تتجلى للعيان من بعيد، وهي عبارة عن بعض الأعمدة الحجرية أو القلاع المتماسكة في وجه عاديات الزمن، حيث يلتحم الأدب والتاريخ والأسطورة في آن واحد ليجسدها التاريخ متحفا من الآثار النفيسة النائمة منذ حقب طويلة، وتحيط بهذه المعالم سلسلة طويلة من الجبال مشكلة درعا لحماية القرية، وحصنا منيعا واقيا من الأعداء في حالة الحروب.
إعمار المدينة
يعول سكان المنطقة والمنحدرون منها على أن تتمكن وزارة الثقافة الموريتانية من الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بإعادة إعمار المدينة وإيقاف مسلسل الإهمال.
وتعهدت الوزارة بتصنيف قصر البركة ضمن التراث الثقافي لموريتانيا، كما ستتولى الدولة صيانة المدينة والحفاظ عليها.
وستقوم الوزارة بترميم المسجد وبعض الدور ذات الرمزية التاريخية الخاصة في «القصر»، وبناء شبكة مياه في البلدة التي تشكو العطش، إضافة إلى تسييج المدينة.
واستمرت المدينة حية من نهاية القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر حيث هجرها السكان لأسباب منها الحروب ما بين القبائل وبينها والمستعمر الفرنسي.
وإذا كانت قصر البركة تبدو للوهلة الأولى مدينة أشباح سلمها ساكنوها لعوامل التعرية، فإنها ظلت لعراقتها قاطنة في أحضان الحضارة والتراث؛ فهي رغم عوادي الزمن ورغم الإهمال، ما تزال صامدة في أباء متمسكة بعهود بناتها الذين قهروا جبال وسباسب الصحراء وحولوها إلى مدن حية باقية لن تموت.
عبد الله مولود