القاهرة ـ «القدس العربي» احتلت أنباء زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإثيوبيا معظم صفحات صحف أمس الأربعاء 25 مارس/آذار، سواء اجتماعه مع أعضاء مجلس الأعمال المصري ـ الإثيوبي والحديث عن خطط زيادة التعاون والتبادل التجاري بين البلدين، أو عن المشروعات المشتركة التي يتم العمل لتنفيذها أو التخطيط لها ومنها، الطريق البري والنهري الذي سيربط بين البلدين عبر السودان.
ولقائه مع وسائل الإعلام الإثيوبية، والمؤتمر الصحافي الذي عقده مع رئيس الوزراء ديسالين وتحدثا فيه عن اتفاق المبادئ الذي تم التوقيع عليه في العاصمة السودانية الخرطوم، مع الرئيس السوداني عمر البشير وقول الاثنين السيسي وديسالين بأنه لا عودة للوراء، وأنه تم الاتفاق على رفع مستوى تشكيل اللجنة الوزارية بين البلدين، لتكون هناك لجنة سياسية تحت رئاسة السيسي وديسالين وتجتمع بشكل دوري في إثيوبيا ومصر لمتابعة أعمال اللجنة العليا التي تم الاتفاق على تشكيلها وحل أي مشاكل أو خلافات.
وكشف زميلنا وصديقنا رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، ورئيس تحرير جريدة «الأخبار» المقرب جدا من الرئيس، ياسر رزق، عن بدء زرع بذور الثقة بين السيسي وديسالين، أثناء مؤتمر القمة الأفريقي في ملابو عاصمة غينيا الاستوائية، ثم بعد ثلاثة أشهر حدث لقاء آخر في نيويورك يوم 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أثناء اجتماعات الأمم المتحدة، وفيها قال السيسي له حسب النص الذي أورده ياسر: «أريد أن أتحدث للشعب الإثيوبي أمام البرلمان في أديس بابا، وأدعوك للحديث أمام مجلس النواب المصري بعد انتخابه، ورحب رئيس الوزراء الإثيوبي بالفكرة. وقال ياسر، إن اللقاء الثالث بينهما تم منذ ستة أسابيع في مؤتمر القمة الأفريقية في أديس بابا، ووجه ديسالين الدعوة للسيسي لزيارة إثيوبيا وإلقاء خطاب أمام البرلمان الإثيوبي واللقاء الرابع، كان في مؤتمر شرم الشيخ والخامس في الخرطوم، وقال ياسر عن خطاب السيسي أمام البرلمان الإثيوبي: «كما علمت مفعم بالعاطفة إلى حد أنه صعب على المترجمين نقل تعبيراته بدقتها ومعانيها إلى اللغة الأمهرية».
أيضا واصلت الصحف الاهتمام بمؤتمر القمة العربية الذي سيعقد يوم السبت، أي بعد غد في شرم الشيخ. وواصلت قوات الجيش والشرطة في شمال سيناء عملياتها وقتلت ثلاثة إرهابيين، كما انفجر لغم في مدرعة للشرطة، ما أدى إلى وفاة ضابط ومجند. واستمرار محاكمة مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع ومئة وتسعين من الجماعة في قضية اقتحام قسم شرطة العرب في مدينة بورسعيد، وتأجيلها إلى العشرين من الشهر المقبل. وإصدار النائب العام المستشار هشام بركات قرارا بإخلاء سبيل أربعة وأربعين من المحتجزين على ذمة التحقيقات، بعد ثبوت عدم اشتراكهم في أعمال عنف.
وواصلت الصحف كذلك الإشارة إلى أزمة أنابيب البوتاجاز والسولار في بعض المحافظات، وموجة الارتفاع في أسعار السلع الغذائية والمشاكل التي تحدث في المدارس، خاصة بعد وفاة مدرس ضربه تلميذاً بالكرسي على رأسه، والقبض على مدرس قص شعر تلميذه لأنها حضرت حصة الدين بدون حجاب.
وقد أخبرنا زميلنا الرسام الكبير خفيف الظل محمد عمر في مجلة «آخر ساعة» أنه توجه لمدرسة طفله فشاهد في حصة الموسيقى المدرس يطلب من التلاميذ غناء نشيد التواصل الاجتماعي فقالوا:
– هاشتاااج واتمنى لو أنساك وأنسى روحي وياك وأرجع تاني هاشتاااج…
وهو تحوير لأغنية عبد الحليم حافظ أهواك واتمنى لو أنساك، وهكذا يكون تطوير التعليم وإلا فلا. وإلى بعض مما لدينا….
الدولة شريك أساسي
في الكثير من المشروعات
لا تزال نتائج المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ، التي تحققت فعلا في صور اتفاقيات على مشروعات ومعونات وقروض وودائع، وتلك التي لا تزال محور الدراسة، تستحوذ على قدر لا بأس به من الاهتمام، رغم تراجعها إلى حد ما لحساب اتفاق المبادئ بين مصر والسودان وإثيوبيا، في العاصمة السودانية الخرطوم، ثم مغادرة الرئيس السيسي السودان إلى إثيوبيا في زيارة رسمية لها. وكذلك لحساب الاستعدادات لعقد مؤتمر القمة الرابع والعشرين يوم السبت في شرم الشيخ، إلا أن تصريحات الوزراء والمسؤولين ورؤساء الشركات الحكومية تتوالى، مؤكدة على أن دور الدولة موجود وهي شريك أساسي في الكثير من المشروعات ولا تنازل عن ملكية ما تحت يديها كما لا تزال الخلافات متواصلة.
وأبرز ما نشر كان يوم الأحد في «المصريون» الأسبوعية المستقلة المعبرة عن تيار إسلامي، وتتم طباعتها في مطابع الأهرام، إذ أعد زميلنا محمد وائل تحقيقا عن المؤتمر جاء فيه: «وجه نجاح المؤتمر الاقتصادي، الذي عقد مؤخرا في مدينة شرم الشيخ، سواء على صعيد تأمين الدعم السياسي لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، إقليميا ودوليا، والمكاسب الاقتصادية التي حققها، ضربة قوية لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت تعول بشدة على إفشال المؤتمر، وهو الهدف الأساسي من التسريبات التي بثتها فضائيات محسوبة على الجماعة من داخل مكتب الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقتما كان وزيرا للدفاع وتتضمن إساءة لدول الخليج الداعم الرئيسي للسلطة الحالية.
وأربك هذا النجاح جماعة الإخوان التي كانت تسوق طوال الفترة الماضية اضطـــراب الأوضاع الأمنية وعدم ملاءمة الساحة المصــرية لجذب استثمارات، إلا أن الحضور السياسي اللافت أعطى فرصة للحكومة للتأكيد على أن هذا الحضور يؤكد الثقة الدولية في القيادة السياسية المصرية ويعطي شهادة جدارة عن للإقتصاد المصري».
المستثمرون المصريون أعضاء
فاعلون في المؤتمر الاقتصادي
أما زميلنا وصديقنا في «الأهرام» المفكر السيد ياسين فقال يوم الثلاثاء في مقاله في جريدة «البوابة» اليومية المستقلة، مهاجما من انتقدوا نتائج المؤتمر: «لو استعرضنا أبرز هذه الانتقادات لوجدنا اعتراضا ساذجا مبناه، أين المواطن البسيط من كل هذه المشروعات الكبرى الطموحة؟ وكأن هذه المشروعات الاقتصادية الكبرى ستقام في انفصال عن المجتمع ولن تكون لها أثار إيجابية على تقليل نسبة البطالة، والارتفاع بمستوى نوعية الحياة لعموم المواطنين.
وبعض هذه الانتقادات ذهبت إلى القول من غير معرفة بما دار في المؤتمر، وأين المستثمرون المصريون.. وهل اقتصر الأمر فقط على المستثمرين العرب والأجانب؟ مع أن المستثمرين المصريين كانوا أعضاء فاعلين في المؤتمر وطرحوا مشروعات متعددة وصرح بعض كبارهم بأنهم سيركزون في الفترة المقبلة على إنشاء «مصانع كثيفة العمالة للتقليل من نسبة البطالة».
التناحر السياسي يعيق تقدم البلد
وفي «الأهرام» وفي يوم الثلاثاء أيضا كان هجوم زميلنا أشرف محمود عنيفا لدرجة توجيه اتهامات خطيرة لمن هاجموا أو شككوا في نتائج المؤتمر بقوله عنهم: «رغم الفرحة المصرية العارمة بنجاح أكبر استحقاق واجهته الدولة بكل مؤسساتها وهو مؤتمر مصر المستقبل الاقتصادي، إلا أن أصواتا نشازا رصدت الحدث من منظور الهوى، وراحت تشكك في العائد من وراء ما أبرم من اتفاقيات، رأتها لا تفيد مباشرة المواطن الفقير، فالكل يعلم أن نتائج مثل هذه المؤتمرات لن تكون في اليوم التالي، وإنما بعد سنوات. ومؤكد ان المستفيد الأول هو الأبناء والأحفاد، ومن كتب الله له الحياة منا، فأربع سنوات من العمل الجاد كفيلة بإظهار النتائج، شريطة ألا تكون هذه السنوات كتلك التي ضاعت من عمر الوطن بفعل التناحر السياسي والخروج على القانون تحت ستارة الثورة والاعتصامات بقطع الطرق والاضطرابات. محاولة البعض جر البسطاء من الشعب إلى التشكيك في أهمية ما كان، ووأد الأمل لديهم في المستقبل الأفضل المنتظر، أمر يؤكد أنهم يمثلون الطابور الخامس، الذي وجب اجتثاثه من جذوره لأنه يعرقل مسيرة التقدم للأمام، ويحمل معول الهدم لكل بناء يبدأ في الظهور على الأرض والبلد».
حملات النفاق ترفع
الرئيس لمصاف أنصاف الآلهة!
وإلى الرئيس السيسي وتعرضه لبعض الانتقادات والهجمات يوم الثلاثاء أيضا، الأول جاء من زميلنا في «الشروق» محمد عصمت محذرا من الآتي: «ما يثير المخاوف من عودة الفرعون لحياتنا من جديد. إن المزاج الشعبي العام في مصر بكل تراثه القمعي وتخلفه السياسي والثقافي يستدعي الآن أسطورة البطل المخلص أو المستبد العادل، لكي يحارب له معاركه ويحل له أزماته المعقدة، بديلا عن السعي الجاد لبناء مؤسسات ومنظمات ثورية، نفتقد وجودها منذ أكثر من ستين عاما. ولم يكن غريبا وسط هذا المناخ أن نرى مظاهرات تربط بين جمال عبد الناصر وبين عبد الفتاح السيسي، وترفع صورهما معا في استدعاء فج لدولة عبد الناصر القمعية.
قد نتفق أو نختلف مع طريقة إدارة السيسي لشؤوننا السياسية والاقتصادية، خاصة في انحيازه لدور الشركات الخاصة في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتقليص دور الدولة في رعاية الفقراء ومحدودي الدخل، والاستمرار في رفع الدعم عنهم، والتوسع في عمليات الخصخصة وهي سياسات نتائجها كارثية. إن المهمة العاجلة التي تقع على كاهل الرئيس الآن تفرض عليه التصدي السريع لكل المحاولات، أو بالأحرى المؤامرات التي تجري على قدم وساق لصنع فرعون جديد داخل القصر الجمهوري، وهو الاختبار الصعب الذي يواجهه الرئيس، مع تصاعد حملات النفاق التي تكاد ترفعه إلى مصاف أنصاف الآلهة».
الاحتفال بذكرى
إنشاء إذاعة القرآن الكريم
أما الانتقاد الثاني للرئيس فجاء من أستاذ الصحافة في كلية إعلام جامعة القاهرة ومستشار جريدة «الوطن» الدكتور محمود خليل في عموده اليومي المتميز «وطنطن» عن الحديث الذي أدلى به الرئيس لإذاعة القرآن الكريم بمناسبة الذكرى الواحدة والخمسين لإنشائها فقال: «أستطيع أن أستوعب أن الرئيس عبد الفتاح السيسي مثله مثل الكثيرين من أبناء جيله، يحملون مكانة خاصة لإذاعة القرآن، بل قل إن الكثير من الأجيال تحمل المكانة ذاتها لهذه المحطة، التي تعمل في خدمة القرآن الكريم وعلومه. في هذا السياق أستطيع أن أتفهم أن يخص الرئيس المحطة بحوار يحمل تهنئة للعاملين بها في ذكرى تأسيسها، تطرق فيه أيضا كما تداولت الصحف إلى بعض الهموم التي يعيشها العالم الإسلامي حاليا، لكنني في المقابل أسجل بعض التحفظات على هذه الخطوة، التحفظ الأول معلوم بالضرورة ويرتبط بالخلط بين الدين والسياسية، وهو أمر يسيء إلى الدين ويضر بالسياسة، وقد سئم المصريون من جماعة الإخوان عندما اعتمدت على هذه المعادلة التي لا تفرق بين الأمرين. وأتصور أنه ليس من الحكمة في شيء أن تتحول هذه المحطة إلى ساحة للتسويق السياسي لرئيس الدولة، في وقت لا يحتاج فيه إلى ذلك، حتى إن شاء، فأتصور أن وسائل الإعلام جميعها متاحة له وتتمنى أن تجري حوارات معه».
مقدم برامج يتلقى
أوامر من جهة أمنية
أما ثالث وآخر من تناول الرئيس، ولكن بطريق غير مباشر، فكان رئيس الحزب «المصري الاجتماعي» الأستاذ في كلية الطب الدكتور محمد أبو الغار، في مقاله في اليوم نفسه، ولكن في «المصري اليوم»، وكان قد كتب من قبل مقالا موجها للرئيس عن وجود تدخلات باسمه في إعداد قوائم لمرشحين في انتخابات مجلس النواب، وأرسل الرئيس بسرعة رسالة إليه، نفي فيها ذلك، وأبدى استعداده لسماع أي اقتراحات منه ومن غيره من السياسيين. وتعرض أبو الغار لبعض الهجمات وكان من بينها هجوم عليه من مقدم برنامج في قناة «أون . تي . في»، إلا أن صاحبها رجل الأعمال نجيب ساويرس سارع إلى طرده من المحطة، بعد أن تأكد أنه تلقى أمرا من جهة أمنية بمهاجمة أبو الغار الذي قال في «المصري اليوم»: «صرح المهندس نجيب ساويرس مؤسس حزب «المصريين الأحرار» لجريدة «المال» في حديث صحافي طويل بأنه قرر الاستغناء عن خدمات السيد رامي رضوان مقدم برنامج «صباح أون» لأنه استجاب لتعليمات جهات أمنية بأن يقوم بشتم كاتب هذا المقال. نجيب ساويرس مهما اختلف أحد معه في الرأي، إلا أن الجميع يعرف أنه مصري وطني حتى النخاع، وهو شجاع وجريء في ما يعتقد أنه صحيح، ولذا كان قراراه باستبعاد مقدم البرنامج ضربة قاصمة لكنها مفيدة لهذا الشاب وهو في مقتبل حياته، حتى لا يوصف طوال حياته بأنه ضمن جوقة الأمنجية التي تسير بتعليمات أمن الدولة، لا أستطيع اتهام بعض السياسيين والصحافيين الذين هاجموني بافتراء وكذب، بأنهم تلقوا التعليمات نفسها، لكنني أعتقد أنه على «أمن الدولة» أن يركز على حماية أمن مصر، بدلا من تضييع وقته في أقل ما يقال عنه إنه عيب وليس من صميم عمله».
حزب النهضة التونسي قدّم
تنازلات لإنجاح العملية السياسية
وفي عدد يوم الاثنين نشرت «الأهرام» مقالا لهشام النجار عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية السابق قال فيه: «الإسلام السياسي في تونس بقيادة الغنوشي حالة أفضل من مصر، لأنه مندمج في العملية السياسية، وقدم تنازلات لإنجاح التجربة وحسم خياراته مبكرا وسريعا لتفادي الوقوع في أخطاء الإخوان في مصر، وموقفه هذا قلل كثيرا من فرص الإرهابيين.. أرى أن عملية بهذا الحجم في تونس وفي هذا التوقيت استهدفت في الأساس العملية الديمقراطية، وربما نجاح «حركة النهضة» في الاندماج في المشهد السياسي، ما دعم إنجاح التداول والعملية السياسية بشراكة «إسلامية»، وهذا السيناريو يسعى التكفيريون و«داعش» بصفه خاصة لإجهاضه ليظل الصدام. عملية متحف باردو الإجرامية تستهدف التجربة التي حاول الغنوشي وحركته إنجاحها».
المداولة بعد صدور الحكم!
وعن موضوع الاتفاق مع إثيوبيا حول قضية سد النهضة كتب لنا فهمي هويدي في عدد أمس الاربعاء من جريدة «الشروق» مقاله الذي جاء فيه: «في حين أبرزت جريدة «الأهرام» (24/3) خبر توقيع اتفاق المبادئ حول سد النهضة باللون الأحمر، ووصفته بأنه «خطوة تاريخية»، فإن العنوان الرئيسي لجريدة «التحرير» كان كالتالي: الرئيس يوقع والشعب يسأل أين التفاصيل؟ ولم يكن الأمر مجرد سؤال عن التفاصيل، لأن الجريدة ذاتها ذكرت في عناوينها أن الغموض يتواصل حول بنود الاتفاق، ثم أوردت ضمن عناوين الصفحة الأولى رأيا لخبير مائي لخصه في عبارة واحدة أن الاتفاق: «مصيبة» تمنح شرعية للمشروع الاثيوبى (!).
صحيح أن الرأي الذي تبنته جريدة «الأهرام» هو ذاته الذي انحازت إليه بقية الصحف المصرية، إلا أن الحذر الذي أبدته جريدة «التحرير» بدا متفردا ومثيرا للانتباه، ذلك انها نقلت على صفحة داخلية آراء اثنين من الخبراء حول الموضوع. أحد الخبراء، الدكتور مساعد عبدالعاطي الخبير في القانون الدولي للمياه، هو من وصف المبادئ العشرة التي وردت في وثيقة إعلان المبادئ بأنها «مصيبة». وقال إن الوثيقة كان ينبغي أن تكون محكمة ومنضبطة من الناحية القانونية، فتنص مثلا على عدة أمور أهمها تقليل السعة التخزينية للسد (المقدر لها ان تصل إلى 75 مليار متر مكعب). كما تنص على مد فترة ملء الخزان بما لا يؤثر على حصة مصر المائية، أو الإضرار بها. أيضا كان ينبغي أن تنص على التزام الدول بالتقرير الذي سيصدر عن المكتب الاستشاري. وهي البنود التي تكفل إلزام إثيوبيا بما تم الاتفاق عليه، وتسهل مقاضاتها دوليا إذا أخلت بالتزاماتها.
الخبير الثاني الذي تحدث في الموضوع هو الدكتور نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية والري في جامعة القاهرة، وقد أبدى عدة ملاحظات مهمة منها ما يلي:
إن هذه أول وثيقة في التاريخ الحديث تتحدث في إنشاء سد، لأن الاتفاقيات الدولية تتحدث عن تقسيم المياه.
إن الوثيقة لا تعترف بحصة مصر المائية ولا تقر بها، ورفضت الإشارة إلى تلك الحصة التي تقدر بـ55 مليار متر مكعب، وهو ما يؤكد سوء نية الطرف الإثيوبي.
إثيوبيا فرضت الأمر الواقع على مصر حينما دعت إلى إجراء الدراسات الاستشارية التي سيقوم بها المكتب المختص خلال 15 شهرا وليس خمسة أشهر، كما أرادت مصر.
وهذا الأجل الذي فرضته اثيوبيا يتوافق مع فترة انتهائها من بناء سد النهضة، وهو ما يعنى أن أديس أبابا وضعت مصر أمام الأمر الواقع، خصوصا أنها خططت لبناء السد التالي في عام 2018.
توقيع مصر على الوثيقة أكسب سد النهضة شرعية وسيترتب عليه عودة التمويل الدولي للمشروع. وهو التمويل الذي كان قد توقف بسبب التحفظات المصرية.
لأن الوثيقة تهم المصريين جميعا في حاضرهم ومستقبلهم، فإنه كان ينبغي عرض مضمونها على الرأي العام، لكي يكون على بينة من الخطوة التي ستتخذها السلطة والنتائج المترتبة عليها.
هذا الذي عبر عنه الخبيران يمثل الرأي الآخر في وثيقة إعلان المبادئ، الذي لم يسمع من قبل، وغاية ما يمكن أن أقوله إنه يستحق المناقشة، حتى إذا جرت تلك المناقشة بعد التوقيع عليها لمحاولة علاج الثغرات التي أشار إليها الخبيران. وإذا شئنا الدقة فالمناقشة مطلوبة على مستويين، مستوى الخبراء الذين هم أدرى بالجوانب الفنية المتعلقة بمضمون الوثيقة أو بصياغتها، ومستوى الرأي العام الذي من حقه أن يحاط علما بمسار قضية مصيرية من ذلك القبيل. وقد لاحظت أن زميلنا إبراهيم منصور رئيس تحرير الجريدة انتقد في عدد الجريدة ذاته غياب الشفافية في موضوع الوثيقة، معتبرا أن هذا الاسلوب يعيدنا إلى أساليب العهود السابقة التي يفترض أن مصر تجاوزتها بعد ثورة يناير/كانون الثاني.
الملاحظة الأخيرة لها أهمية خاصة، ليس فقط بسبب موضوعها، ولكن أيضا لأنها تكررت في تعليقات بعض الكتاب المحترمين على نتائج أعمال مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، خصوصا مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذي أعلن عنه وتم توقيع الاتفاق الخاص بتنفيذه، بدون أن يسبقه أي حوار مجتمعي، وهو ما يعيد إلى أذهاننا تلك الصيغة العبثية التي تتحدث عن المداولة بعد صدور الحكم!».
اليونان وبحث التاجر المفلس
في دفاتره القديمة
أما زميله عمرو حمزاوي فكتب في العدد نفسه من «الشروق» مقاله الذي عنونه بـ«الرقابة اللاحقة» ومما جاء فيه: «… تعجز الحكومتان اليونانية والألمانية عن الإدارة الرشيدة للأزمة الناتجة عن خلافهما بشأن سداد الديون، وبرامج التقشف. ويتورطان في إطلاق الاتهامات المتبادلة وفي ممارسات سياسية تبتعد عن العقلانية الأوروبية المعهودة ــ حين تطرح اليونان قضية التعويضات الألمانية عن الاحتلال النازي بصيغة أقرب ما تكون إلى بحث التاجر المفلس في دفاتره القديمة، وحين تتجاهل الحكومة الألمانية التداعيات السلبية لبرامج التقشف على الشعب اليوناني، الذي تحاصره أزمات البطالة وانهيار مستويات الخدمات الأساسية، وحين تغّلب الحكومتان لغة التصعيد والتهديد العلني على آلية التفاوض الهادئ والبحث عن حلول توافقية، ﻷن اليونان تحتاج للبقاء في منطقة العملة الموحدة، وﻷن ألمانيا هي المستفيد الاقتصادي والتجاري والمالي الأكبر من الاندماج الأوروبي والعملة الموحدة.
ليس عجز الحكومات في ما بينها عن الإدارة الرشيدة لخلافاتها وأزماتها الحادة، إذن، بخطر يتهدد الدول غير الديمقراطية وحدها ويدفعها هي دون غيرها إلى التورط في صراعات متكررة، بل تتوالى شواهد حضور العجز ذاته في الدول الديمقراطية، وتندفع حكوماتها أحيانا بلا عقلانية إلى تغليب الصراع على التفاوض. والفارق الجوهري بين السلطويات والديمقراطيات هنا هو، في ما خص مؤسسات وآليات وأدوات الترشيد التالي والرقابة اللاحقة لاحتواء الخلافات والأزمات ومقاومة استحالة الصراعات إلى صراعات لا نهائية؛ فهي تغيب أو تضعف بشدة في المجموعة الأولى من الدول والحكومات، بينما تتوفر بقوة وفي أطر قانونية ومؤسسية وسياسية واضحة في المجموعة الثانية. فما زالت روسيا على سبيل المثال تغلب الصراع على التفاوض بشأن الأزمة الأوكرانية (ومداها الزمني اليوم يقترب من عام)، بينما نشطت البرلمانات في اليونان وألمانيا وكذلك مؤسسات الاتحاد الأوروبي لدفع حكومتي البلدين إلى طرق أبواب التفاوض مجددا. وفي السياق المصري، يظل دور رئيسي للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات العامة المهتمة بقضايا الديمقراطية والإدارة الرشيدة للأزمات، إن داخل الوطن أو بين مصر ومحيطها الإقليمي والدولي صريح الارتباط بممارسة الترشيد التالي للسياسات والممارسات الحكومية وتوظيف المحدود المتاح من مؤسسات وآليات وأدوات (رسمية وغير رسمية) للقيام بأعمال الرقابة اللاحقة بكفاءة، بغية احتواء الأزمات وخفض مناسيب الصراعات، ويرتبط أيضا بدعم التوجه الحكومي حين يغلب التفاوض والتوافق على الصراع ــ كما هو حادث اليوم خارجيا في ملف سد النهضة الإثيوبي ــ ومن دون إسقاط لضرورة مواصلة معارضة انغلاق أفق التفاوض والتوافق داخليا».
أين حقوقنا التاريخية في مياه النيل؟
أما في «المصري اليوم» عدد يوم الثلاثاء فاستغاث الكاتب سليمان جودة بالدكتور مغازي صارخا دبرنا: «ليس في وثيقة المبادئ التي جرى توقيعها في الخرطوم، حرف واحد يضمن لنا حقوقنا التاريخية في مياه النيل! الوثيقة منشورة بمبادئها العشرة، في جميع الصحف، وإذا كان فيها ما يضمن هذه الحقوق، فأرجو ممن يرى ذلك أن يدلني عليه.. أرجوه شاكراً، بل إن فيها ما يكاد يكون العكس، لأنها في المبدأ الثالث، مثلاً، تتكلم عن أن الدول الثلاث التي وقعت على الوثيقة في العاصمة السودانية، وهي مصر، والسودان وإثيوبيا، سوف «تتخذ جميع الإجراءات المناسبة لتجنب التسبب في ضرر ذي شأن خلال استخدامها للنيل الأزرق».. أي النيل الذي يقام عليه سد النهضة. والسؤال الذي يظل بلا إجابة هنا، إنما هو على النحو التالي: ما هو تعريف «الضرر ذي الشأن» المذكور في هذا المبدأ؟ ومتى يكون الضرر ذا شأن، ومتى لا يكون ذا شأن؟ إن تحديد معاني الألفاظ في مثل هذه الوثائق الدولية ضروري للغاية، ولا غنى عنه أبداً، لأنك وقت الجد سوف تجد أكثر من تفسير، وأكثر من معنى، وأكثر من قصد للضرر ذي الشأن.. ولذلك، فالسؤال التالي هو: بأي المعاني سوف تأخذ، عندئذ؟ ثم أن هناك ما هو أهم وأخطر، لأن المبدأ الرابع يتحدث عن أنه إذا وقع ضرر ذو شأن لإحدى الدول الثلاث، فسوف تسعى جميعها لتخفيف أو منع هذا الضرر، فإذا لم تستطع تخفيفه، أو منعه، فإن تعويض المتضرر سوف يكون هو الحل البديل. هنا نسأل: إذا افترضنا أن الحصة التاريخية لنا في مياه النيل، وهي 55 مليار متر مكعب، قد نقصت بتأثير من إنشاء سد النهضة، وإذا افترضنا أن هذا النقص قد جرى اعتباره ضرراً ذا شأن، فما هو يا ترى التعويض المناسب لنا في مثل هذه الحالة؟.. إذا كان القصد هو التعويض المالي.. فأموال الدنيا كلها لا يمكن أن تعوضنا عن قطرة من ماء النهر.
ثم سؤال ثالث: هل التوقيع من جانبنا على الوثيقة معناه الاعتراف بشرعية إقامة سد النهضة؟ وإذا كان الأمر كذلك، وهو ما يبدو فعلاً من خلال المبادئ العشرة على بعضها، فهل معنى هذا الاعتراف هو عودة التمويل الدولي، من جانب عدة دول للسد، بعد أن كانت قد توقفت بفعل تحركاتنا الدبلوماسية، طوال الفترة الماضية؟.. وإذا كان التمويل للسد سوف يعود، بتأثير من توقيعنا نحن، فما العائد الذي حصلنا عليه في المقابل؟…».
القوائم الانتخابية ليست مقدسة
أما زميله عمرو الشوبكي فكتب في العدد نفسه من «المصري اليوم» مقاله ولكن في موضوع آخر تحدث فيه عن قدسية القوائم الانتخابية قائلا: «اعتبرت اللجنة الحكومية، المنوط بها تعديل قانون الانتخابات، أن مهمتها تقف عند تعديل الدوائر الفردية التي اعتبرتها المحكمة الدستورية غير دستورية، أما القوائم فلن تمسها، وأنها أخذت «صك» تعديل قانون الانتخابات بترقيع القديم طالما لا توجد أي إرادة سياسية لإعادة النظر في قانون الانتخابات برمته. والحقيقة اعتبار القوائم الأربع من المقدسات، التي لا تمس ولا تناقش، أمراً صعباً قبوله، ولا يقل خطورة عن عوار تقسيم الدوائر الفردى، وأن تداعياته وتأثيراته ستكون شديدة السلبية على البرلمان المقبل وعلى المسار السياسي برمته. إن الانطباع الذي خلفه وجود هذه القوائم لدى قطاع من الرأي العام والناخبين كان سلبيا ليس بسبب أعضائها، إنما نتيجة قانون تعجيزي جعل هناك صعوبة شديدة أمام الأحزاب والقوى السياسية أن تقيم قوائمها على مساحة ممتدة لآلاف الكيلومترات وتضم أكثر من 10 ملايين ناخب. وقد فتح هذا القانون الباب أمام تدخل أجهزة الدولة في تشكيل بعض القوائم، وهو ما سيخلق انطباعاً لدى القوائم الخاسرة وقطاع يعتد به من الرأي العام أن هناك قائمة مؤيدة للسلطة من خلال دعم الأجهزة وليس عبر الخيار الحر للكثيرين، وسيساهم في تزايد الصوت الاحتجاجي بصورة كبيرة وفصل البرلمان عن قطاعات واسعة من المجتمع. ولذا تبدو هناك أهمية كبرى في زيادة عدد القوائم وتحويلها من 4 قوائم إلى قوائم تخص المحافظات الكبيرة والمتوسطة (من 22 إلى 25 قائمة مثلا) وبنسبة الثلث، بحيث تستوعب كل محافظة كبيرة الـ7 فئات المميزة المنصوص عليها في الدستور، وقائمة لكل محافظتين أو أكثر لاستيعاب النسبة نفسها، وهذا سيعني تمثيلا أفضل للقوى المحلية، وفرصا أكبر للقوى السياسية والمجتمعية بدلا من القوائم الأربع التي شهدت سيطرة للمركز في القاهرة على تشكيل كل القوائم التي لعبت فيها المحافظات دور الكومبارس أو المحلل لما تتفق عليه العاصمة…
في الوضع الحالي أخطر ما يمكن أن تواجهه مصر هو أن تكون هناك انتخابات يبدو فيها أن هناك قائمة تعين أو أن هناك شبهة لوجـــود قائمة شكلتها أجهزة الدولة لتنجح.
مراجعة نظام القوائم أمر ضروري حتى لو أبقينا على نظام القوائم المطلقة لعدم إرباك الناخب بقائمتين، واحدة نسبية للأحزاب (40٪) وثانية للفئات المميزة في الدستور (20٪)، بالإضافة لمرشحي الفردي (40٪) وهو أمر معقد، وقد لا يكون الأنسب في هذه الانتخابات، أما توسيع القوائم لتشمل معظم محافظات الجمهورية فهو أمر بسيط وسيحل مشاكل كثيرة في القانون الحالي».
حسنين كروم